بمناسبة انطلاق حملة تكريم وعرفان عمال النظافة، التي ينظمها قطاع الجماعات الترابية التابع للقطاع النقابي لجماعة العدل والإحسان، تحت شعار: “شكرا عمال النظافة.. خيركم فوق راسنا”، أجرى موقع الجماعة نت حوارا مع هشام ياسين، عضو المكتب الوطني للقطاع النقابي ومنسق الحملة، هذا نصه:

بداية نريد تعريفا مقتضبا للحملة وأهدافها وسياقها؟

بداية نتوجه إلى الله العلي القدير ونسأله أن يرفع عنا هذا الوباء، وأن يجازي عنا خيرا كل من يبذل جهدا في رفع الضرر ودفع هذا الوباء عن الناس، وفي مقدمتهم الواقفون في الصفوف الأولى من أطر الصحة بمختلف فئاتهم، ورجال ونساء النظافة المشتغلين بكد وفي صمت، وكل الفئات المجندة ليلا ونهارا في هذه الجائحة.

بناء عليه، قررنا في قطاع الجماعات الترابية لجماعة العدل والإحسان أن ننظم حملة اعتراف وتقدير وامتنان لعمال النظافة، تحت شعار: “شكرا عمال النظافة خيركم فوق راسنا”.

هدفنا هو رفع القبعة عرفانا، وتقديم الشكر والامتنان المستحقين لهذه الشريحة الواسعة من المجتمع، التي تؤدي أدوارا حيوية في الحفاظ على السلامة الصحية للمواطنين، وفي العناية بيئتنا، كما نروم من خلال الحملة فتح المجال للمجتمع ليسهم في ترسيخ نظرة مجتمعية إنسانية أخلاقية راقية تجاه هذه المهنة وأصحابها، ورسم صورة متميزة لثقافة الاعتراف بالجميل، كما نهدف أيضا إلى تنبيه المسؤولين إلى ضرورة رفع الحيف عن هذه الفئة وإنصافها، وتحسين شروط عملها المادية والمعنوية.

ونعتقد أن هذا الوباء منحنا فرصة لنتأمل الأدوار الكبيرة التي تقوم بها هذه الفئة والمخاطر الجمة التي تتعرض لها، ففي الوقت الذي يلتزم فيه جل الناس بتعليمات الحجر الصحي، يظل عمال النظافة معبئين للقيام بواجبهم اليومي، أضيفت إليه مهام تعقيم مختلف المرافق العمومية والأسواق والأزقة والساحات والسيارات، وجمع المخلفات الطبية الناتجة عن وباء كورونا (كوفيد 19).

طالع أيضا  سلامة المواطن وكرامته بين هيمنة عنف السلطة وسيادة القانون

– من الممكن أن تعرفنا أكثر على هذه الشريحة من العمال وعن إطار اشتغالهم؟

وفق المادة 83 من القانون التنظيمي للجماعات الترابية، تقوم هذه الأخيرة بإحداث وتدبير المرافق والتجهيزات العمومية اللازمة لتقديم خدمات القرب في مجموعة من الميادين من بينها: تنظيف الطرقات والساحات العمومية وجمع النفايات المنزلية والمشابهة لها ونقلها إلى المطارح ومعالجتها وتثمينها، بالإضافة لحفظ الصحة.

لكن جل الجماعات فشلت في تدبير مرافقها العمومية وفوتتها للخواص ضاربة بعرض الحائط البعد الاجتماعي، ودفعت بهذه الفئة من العمال لمزيد من الاستغلال البشع من طرف شركات التدبير المفوض.

نفس الأمر بالنسبة للقطاعات الوزارية والوكالات الخدماتية والتجارية… فبدل اللجوء للتوظيف الرسمي وضمان استقرار الشغل لعمال النظافة، تلجأ هذه الأخيرة لشركات المناولة لتوفير هذه الخدمة، غير مبالية باستغلال العمال وخاصة العاملات وبطرق أشد بشاعة من شركات التدبير المفوض.

فإذا كانت طبيعة المهنة تُوحّد عمال النظافة، فإن مشاربهم متعددة، ولكل شريحة خصوصياتها ومشاغلها وهمومها.

فاليد العاملة (المساعدين التقنيين) بالجماعات تشتكي من ضعف الأجور وهزالة التعويضات عن الأشغال الشاقة والملوثة التي لا تتجاوز 400 درهم في الشهر، فإن عمال الشركات يعانون من ضعف الأجور والتعويضات، ومن غياب أو نقص عدد الأيام المصرح بها لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ومن التأمين عن المرض وعن حوادث الشغل، كما أنهم دائما مهددون بالطرد التعسفي، ناهيك عن إهانتهم وهدر كرامتهم.

توحدهم معاناة العمل لساعات طويلة في الحر كما في البرد، وتحت أشعة الشمس، كما في الصقيع، تهددهم مخاطر هذه المهنة والأمراض التي يتعرضون لها من بكتريا وسموم، خاصة وهم يفتقدون الآليات الحديثة في التنظيف، فمعظمهم مصابون بأمراض جلدية وتنفسية، والكثير منهم معرضون لجروح عميقة بسبب قطع الزجاج والإبر والأدوات الجارحة المرمية بدون أكياس وسط القمامة المنزلية للمواطنين، وذلك في ظل انعدام مستلزمات الوقاية والسلامة.

طالع أيضا  هل تنجح محاولات تأميم الفضاء الرقمي بالمغرب؟

– ما المطلوب في مثل هذا الوضع من الدولة والمجتمع اتجاه هذه الفئة؟

في الدول الديمقراطية، حظي عامل النظافة بكل تقدير واحترام، حتى إنه في بعض الدول نصب له تمثال لعمله المشرف، كونه أحد الجنود الذين يفنون زهرة أعمارهم في التقاط قذارة الآخرين، فهم صناع جمال كل مدينة، إلا أنهم في مجتمعنا يعانون من قسوة المعاملة ونظرة الاستصغار، ناهيك عن الإهانة وسلب الحقوق، والتعدي على كرامتهم.

أثارتني تجربة “كوكب” اليابان بإحدى البرامج المتعلقة بالنظافة، وكل تلك العناية المخصصة لعامل من درجة “مهندس صحي” يصل راتبه إلى 8000 دولار أمريكي شهريا، والأغرب من ذلك أنها مهنة تستوجب اجتياز اختبارات كتابية وشفوية لنيل شرف ممارستها نظرا لحساسيتها ومشقتها.

فمن هنا تبدأ قصة الاحترام وتنتهي عند وعي المجتمع بخطورة التراتبية الاجتماعية وثقافة المظاهر التي نعيشها منذ نعومة أظافرنا.

لا تخلو إدارة أو مرفق من منظر عاملة بسيطة تظل طوال اليوم على قدم وساق، وهي تكنس وتمسح… كما لا يخلو حي من الأحياء من منظر أحد هؤلاء المنظفين وهم يقومون بكنس الطرقات وحمل النفايات، أو من منظر شاحناتهم وهي تجول شوارعنا ليلا أو في الصباح الباكر بحثا عن أكياس رميت عشوائيا في الطريق من قبل بعض المواطنين الذين لا يتوانون في جعل مهنة هؤلاء أكثر صعوبة ومشقة.

ناهيك عن العمل لساعات طويلة، وسط ظروف صعبة للغاية، في المقابل أجرة شهرية لا تسمن ولا تغني من جوع.

في ظل هذه الظروف الصعبة وأمام مواجهة فيروس كورونا ومنع انتشاره، نأمل تقديم كافة أوجه الدعم لعاملات وعمال النظافة، والعمل على إنصافهم، فعامل النظافة “المحكور” ينتظر من الدولة ضمان حقوقه لتوفير الحد الأدنى من العيش الكريم، ينتظر تحسين أوضاعه المادية والاجتماعية والمهنية، ينتظر الزيادة في الأجور والمنح، كما ينتظر من المجتمع ابتسامة ورُقيّا بالأخلاق حتى يستقيم ظهره الذي انحنى لإماطة الأذى عن الطريق.

طالع أيضا  الهندسة رسالة قبل أن تكون مهنة

– هل لكم من كلمة أخيرة توجهونها؟

أكيد أن الذين يتحدون الخطر والخوف للاضطلاع بواجبهم على أكمل وجه خلال هذه الظرفية العصيبة، وهمهم الحفاظ على نظافة مدننا، بالإضافة لواجب حمايتنا، يستحقون منا جميعا التنويه والإشادة والتشجيع والدعم.

فالشكر والتقدير لعمال النظافة الذين هم بحق مهندسو الجمال والرونق الذين يستحقون أكثر من الشكر وأكثر من هذه الكلمة، لهم منا أكبر الباقات وأجمل الورود، ولتلك الأيادي التي تغرس وتكنس وتنظف دوام الصحة والعافية، ولا يفوتنا أن نوجه نداءنا إلى كافة شرائح المجتمع المغربي صغارا وكبارا إناثا وذكورا للانخراط الجاد والمشاركة القوية في هذه الحملة المباركة بكل صيغ التضامن والتعبير عن مدى الشكر والتقدير والاحترام لهذه الفئة. 

ختاما نقول لهم: يا معشر من قدر لكم خدمة الناس فضلكم علينا كبير وأجركم عند الله أكبر، يا من تعملون بصمت وقليل من يشعر بمعاناتكم، لله دركم، فأنتم للكرامة رمز وأنتم للعطاء عنوان.