فجأة ظهر فيروس كورونا المستجد، (كوفيد 19) فكان سببا لمرض قاتل، لا يهمنا مصدر هذا المتعضي المجهري، فقد اجتاح جميع الحدود، ففتك بالآلاف ولايزال. فاستنفرت الدول كل قواها من أجل التخلص منه، أو توقيف انتشاره أو الوقوف ضد دخوله إلى البلد. فتعلم العاقل من هذا الوباء، وتذكر الساهي، وأيقن الشاك من أمور نذكر بعضها لكيلا نُلدغ في الجُحْر مرتين إن تجاوزنا هذه العقبة.

تعلمت أن الإنسان رغم كبريائه؛ من أضعف المخلوقات. ففي زمن الذرة وزمن التكنولوجيا المتطورة والبيولوجيا الخلوية، والميكروبيوكمياء والمركبات الفضائية والصواريخ العابرة للقارات، والقنابل النووية والهيدروجينية…، عجز هذا الإنسان أمام فيروس حتى حين، فأدخل الهلع في العالم قاطبة.

تذكرت أنه لا يصح إلا الصحيح، وأن التفاهة ستختفي في زمن الشدة، ففي إعلامنا الموقر لم يجد العلماء والخبراء والمدرسون موطن قدم لهم فيها سابقا، فالبرامج التافهة والمسلسلات العقيمة سيطرت على جل الأوقات، وعند ظهور هذه الجائحة بدأنا نلاحظ وبخجل أولئك (فقهاء، أطباء، أساتذة..) لشرح وتنوير عموم الناس بالخطر الذي يُهددنا جميعا، وكيفية الوقاية منه، والعمل على استمرارية العملية التعلمية للناشئة رغم الصعوبات التي تعترض ذلك.  فبرز دور وسائل التواصل الاجتماعي في هذه التعبئة، فلنجتهد جميعا.  

تيقنت من معاني “حديث السفينة” الذي درسناه في مجالس العلم والإيمان، أننا جميعا معنيون، فإن أخذنا بأيدي من يعمل على إحداث ثقب في السفينة لجلب الماء، سننجو جميعا، وإن غفلنا أو تركناهم، سنهلك جميعا. فكلنا ملزمون بتعليمات الدولة وخاصة أهل الاختصاص من الأطقم الصحية، من التزام البيوت وتجنب المخالطة… وكلنا ملزمون بالمساهمة في التعبئة الشاملة من أجل ذلك.

تعلمت أن اكتساب مهارات جديدة أمر مطلوب مرغوب، فسيأتي يوم تكون تلك المهارات الفرق الذي يصنع الفارق. ففي بداية العقد الثاني لهذا القرن، ظهرت جمعيات تهتم بالتعليم عن بعد مع تعلم برانم مساعدة في إنتاج مواد رقمية ميسرة لعملية التدريس، فسخر بعض الإداريين وبعض المفتشين وحتى بعض المدرسين، من هذا الفعل بذريعة تتبع التعليمات والمذكرات، وربما لكرههم لكل ما هو جديد. فجاءت كورونا فتوقف التعليم الحضوري، ليحل محله “التعليم عن بعد” وتبوأ أولئك الذي اكتسبوا هذه المهارات الصدارة والريادة فهم فرسان الميدان اليوم.

تيقنت أن الموت حق، وأنه إن لم تمت بالفيروس مت بغيره، ومعظم الناس على المعمور نسيت الموت فتذكرته، فكل هذه الإجراءات المتخذة والتي ستتخذ على الصعيد العالمي، والتسابق من أجل اكتشاف مصل أو لقاح أو دواء ضد هذا الفيروس إلا خشية من الإصابة ثم الموت. فماذا بعد الموت؟

تيقنت من دور المربين في وقت الشدائد، ودورهم في قيادة الأمة نحو النجاة. فجأة توقفت المدارس والجامعات والمعاهد، واجتمعت العائلات، كل في منزله لا يبرحه أحد إلا لضرورة، فاكتشفت الأم خاصة والأب، دور المعلم في المدرسة وسعة صدره نحو الأطفال، واكتشف المدرسون أهمية استمرارية التعلم مدى الحياة، واكتشف رواد المسجد أهميته وضرورة الانجماع على الله، فاستوحش بعضهم بعضا. تيقنت أن للمسجد دورا مهما في المجتمع لما يقوم به، فمع توقيف الصلاة في المساجد، لا ينبغي توقيف بث المواعظ والخطب فيها ومساهمتها الأساسية في التعبئة الشاملة، والتوعية الرصينة والتوجيه السليم بالتنذير والتبشير، وللتطبيقات المستحدثة دور فعال في بث الطمأنينة والتعليم والتربية. فكل مرب له مكانته، تعطيلها سيؤدي حتما إلى خلل قد نكتوي جميعا بناره. ومثل على ذلك خروج أحياء من مدن للتظاهر ليلا جهلا أو تنطعا، لذا تبقى المقاربة التربوية أبلغ وأنفع من المقاربة الأمنية.

طالع أيضا  كورونا تهزأ بتعليم المغاربة!!

علمتني وذكرتني كورونا في ظل الحجر المنزلي، أن بناء الأسرة أساسها الرحمة والشفقة والحوار، وتجاوز عثرات البعض، والحب والوقار للصغار والكبار، مع التعلم الدائم في أساسيات الحياة، الأسرة هي منارة العلم والملاذ الآمن، هي الأمن والأمان، هي منشأ القيم والتربية الحسنة على الدوام.

تيقنت في ظل هذه الجائحة أن التخطيط للمستقبل يهيئ الإنسان ومعه المجتمع لتجاوز كل كارثة بسهولة دون هلع، فهل نستفيد أم ننسى بعد تجاوز هذا الوباء، فكوارث أخرى قادمة لا محالة، فهل هيأنا ما يكفي من مسعفين، أم دربنا مختلف القوات على كيفية التدخل أم وضعننا خططا لبناء المستشفيات تجهيزها بشريا وعتاديا…

علمتني هذه الجائحة أن الوطن يسع لجميع مواطنيه، ولا مفر لأحد منه إلا إليه (من حيث السكن) فالاستثمار ينبغي أن يكون في البلد، وأن الأموال المهربة لا تفيد صاحبها وقت الشدائد، وتنمية البلد بتنمية جميع جهاته، فالحجر المنزلي علمنا أنه لا ينبغي أن يكون تفاوت بين جهات الوطن، خاصة في التعليم والصحة.

تعلمت أن عددا من معارفنا لم ترق إلى ممارسات فعلية، فوسائل الوقاية وطرقها درسناها في مختلف المواد الدراسية (…) كالنظافة الدائمة والمتجددة وكيفية العطس… فتطبيقنا لما تعلمناه، مساعد كبير لتجنب كرونا والأمراض المعدية عموما.

 تعلمت في جائحة كورونا في ظل الحجر المنزلي، أن من الدول من تهتم ببناء الإنسان وتحضير مستلزماته، وتمكنت في ظرف وجيز من صناعة كمامات وآلات تنفسية كافية وبدأت تصدر. ودول اهتمت بصناعات تدميرية للإنسان من صواريخ وطائرات، وقنابل شديدة الفتك بالإنسان والطبيعة، فأهملت الصناعات الطبية البسيطة والمجتمعية، فلجأت إلى استيراد أبسط الأشياء بل واللجوء إلى قرصنت حمولة دول أخرى. ودول لا تملك إلا أن تتفرج.

ثلاثة أصناف من الدول إذن، دول تجتهد لبناء اقتصادها بالاستثمار وبناء الإنسان ومواطنيها، ودول تجتهد في تثبيت عملائها في دول سبق أن استعمرتها، أو وجدت من بعض نخبها من يسهل لها عملية امتصاص خيرات البلد، ودول تخدم أسيادها وتكتفي بفتات خيرات بلادها، وتظهر للمواطن أنها الحاكمة والمخططة لكنها تنتظر دائما التعليمات، فهي تدعم لغة غير لغة وطنها وتعفي خيرة أطرها بل وتدفعها للهجرة أو السجن، فلا ضير أن تكون محطة لدفن النفايات، وحقل لإجراء التجارب بيولوجية كانت أو كيميائية أو نووية…

طالع أيضا  رباطٌ فـي رباطٍ 

 تيقنت أنه سياتي يوم يتبرأ فيه الذين اتٌبِعوا من الذين اتّبَعوا وذلك في الآخرة، فتعلمت من هذه الجائحة أن الذين اتُّبِعوا يتبرؤون من أتباعهم كلما أحسوا بأنهم قد يضايقونهم في أبسط الأشياء، لذا نسمع من هنا وهناك بعض الأوربيين، يصرحون بأن مستشفياتهم لن تستقبل أي زعيم إفريقي مريض… أولئك الذين اتَّبِعوا “تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى” فما أن ظهرت الجائحة حتى رأينا بعضهم يسرق بعضا، وبعضهم يحاصر البعض.

 تذكرت أنه من الناس صنفين: صنف يعمل قدر المستطاع في كل الظروف، وصنف آخر يحلو له أن يكون القلم الأحمر ليصحح أخطاء الآخرين. صنف يدركون جسامة المسؤولية الملقاة عليهم ويكدون ويجتهدون، وصنف آخر يتتبع عثرات العاملين للسخرية والاستهزاء. صنف رغم علو شأنهم يتواضعون ويقومون بواجبهم، مع احترام الآخر بخصوصيته وتفهم وإقناع قدر الإمكان، بالمقابل صنف آخر سادي يتحين الفرص لإذلال المواطن، والتهجم عليه ضربا أو تهكما. صنف يقدم المساهمة للمحتاجين سرا ويواسي الفقير متى وجد إلى ذلك سبيلا، وصنف يمتص دماء الفقراء باحتكار المواد أو بيعها بالزبونية أو برفع أثمنتها أو بإذلال المحتاج تصويرا أو تشهيرا. صنف يعي خطورة الوضع فيلتزم بإرادات وتوجيهات المختصين ويعملون على نشر المعلومة كل حسب إمكانياته، وصنف يغلب عليه الجهل أو الاستهتار بالنصائح فأوذوا وآذوا. فاللهم سلّم سلّم.

تذكرت أنه “كل ميسر لما خلق له”، وأن لكل قطاع دوره الحيوي، وتعلمت من جائحة كورونا أن قطاع الصحة قطاع استراتيجي لكل دولة، من حيث عدد ونوع الموارد البشرية والتجهيزات الطبية. تذكرت أن “الصحة تاج فوق الرؤوس لا يراه إلا المرضى” وتعلمت مع هذه الجائحة أن الطواقم الطبية تاج فوق رؤوسنا. الصحة والتعليم هما عماد كل دولة، قطاعان متكاملان قوة أي دولة في قوتهما، ثم تأتي القطاعات الأخرى مكملة ومساندة، فإذا كان القطاع الصحي يهتم بصحة المواطن، فالتعليم هو منشأ القطاعات الأخرى من فلاحة وصناعة وتجارة وأمن وقضاء نزيه… كلما قل خصخصة قطاع الصحة إلا ونجحت الدولة في احتواء الفيروس كالصين وكوبا وتركيا…

 تذكرت من جائحة كورونا أن بعض الحيوانات أرحم وأفهم من بعض البشر، فها هو النمل يستجيب لنداء نملة “نكرة” أن “ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون”، وتعلمت أن بعض القادة لا يأبهون بالتحذيرات أو النصائح الآتية من “عامة الناس” وإن كانوا خبراء في مجالاتهم ولهم حجج قوية، لا يستمعون إلا إلى مستشاريهم وإن كانوا بعيدين عن الحدث، فلو أخذت الصين بتحذيرات طبيب العيون “لي وينليانغ” يمكن أن تكون الحالة أقل مما وصل إليه العالم، ولو أخذت الدول الأوربية ومعها الدول الأخرى، وكذلك الشعوب بالاحتياطات اللازمة من حجر صحي وتصنيع للمعدات الطبية اللازمة لخفت الجائحة، لكن قدر الله وما شاء فعل. فهل سيتعلم حكامنا ويستمعوا إلى حكماء أمتنا فيطلقوا سراح المساجين وخاصة “سجناء الرأي” في كل بقاع العالم الإسلامي؟ أم سيسلكون مسلك قادة الصين ويفوت الأوان؟ وتكون وصمة عار على جبينهم على مدى التاريخ. فالحكيم من اتعظ بغيره قبل أن يكون موعظة لغيره.

طالع أيضا  جائحة "كورونا" وفرصة إعادة بناء الذات "2"..  ثقافة الشكر والاعتراف أنموذجا

اطمأننت، إذ الأعمار بيد الله، وأن الإنسان لا يمكن أن يمنح أو يسلب الحياة، ففي الدول المتقدمة جدا! يقدمون الشباب وأهل الوطن على غيرهم في التطبيب وفي الإنعاش، فتذكرت “إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا”. فتشفى المسنة ذات 107 سنة ويموت المعتنى به وهو في نصف عمرها.

نعم الأمم أخلاقهم، تموت الطبيبة وهي في الصف الأول لمواجهة كورونا، فلا تتكفل الدولة بدفنها وتتركها لأهل البلدة الذين يرفضون أيضا، فأين هيبة الدولة التي ينبغي أن تتكفل بهذا النوع من الأموات، أين التحفيزات التي ينبغي أن تقدم للأطقم الطبية، وهي تاج فوق الرؤوس؟

اطمأننت إذ الأمة بخير، بمُحسنيها وعلمائها وطاقاتها، فقد كشفت هذه الجائحة بعض الأطر المسلمة والإفريقية في مختبرات عالمية (ألمانيا وفرنسا وأمريكا…) تسارع من أجل إيجاد دواء و/ أو لقاح ضد هذا الفيروس، رغم عنصرية بعض الغربيين، وخاصة منهم الطبيبين الفرنسيين واستهزاء بعض إعلاميي بلدنا.

قديما قيل “لكل فارس كبوة”، فعلمتنا جائحة كورونا أن لكل متعجرف مذلة، فها هو الرئيس الأمريكي الذي يفرض العقوبات على من شاء، ويسلب الدولارات ممن يشاء، ويصفع من يشاء ويخطط كما يشاء، أضحى مهزلة أمام العالم وخاصة أمام ناخبيه، ويستنجد بالأطقم الطبية الخارجية لإنقاذ المواطن الأمريكي الذي يتساقط كالذباب بعد رشه بمبيد الحشرات، من نفس الكأس شرب رئيس وزراء بريطانيا ووزراء آخرون واللائحة تطول.

علمتنا الأحداث في ظل هذه الجائحة، أن دوام الحال من المحال، فسيتم ترتيب الأمور وفق نظام آخر، وفق قواعد أخرى، فالتدافع بدأ من الآن، تشريعات بسرعة البرق لتقييد الحريات، خروقات مستمرة للاتفاقيات، ترتيبات جديدة، قطاعات صناعية جديدة نشيطة وأخرى تتهاوى… خرق فظيع للحقوق ووعي جماهيري متزايد داخل الحجر المنزلي، ومطالب آنية ملحة ومستقبلية للمواطن تنجلي، وخاصة بعد أفول الجائحة… مخاض جديد فكيف سيكون المولود؟ اللهم سَلّم سَلّم.