أيها القارئ الصبور،
أما بعد؛
بعد عودتي سأشارككم هواجس أحاطت بي في عزلتي القسرية عام الألفية الثانية والعشرين سنة، عام كان فيه السجن أحب إلى من الموت!
أعلن مسؤولو العالم إعلانا خطيرا، ورغم خطورته استجبت كغيري من سكان القرية الصغيرة فورا له.
كان القرار يقضي بأن يسجن أحدنا نفسه بين أولاده وزوجته دهرا دون أن يخرج!
في البداية استغرب جمع المسجونين من هذا القرار البسيط، كان لسان حالهم يقول: ألم نكن دائما معهم، والأولاد أمامنا باستمرار يرتعون ويلعبون، ونحن نقر عينا بهم؟
وهل المكوث رفقة رفيقة الدرب نعمة يجحدها جاحد؟ وهل ينكر أحد أن بيت الرجال هو سجنهم الجميل؟
أيها القارئ الصبور؛
أتيت من عالم الحرية..
جمعت حقيبة للظهر صغيرة الحجم، ملأتها بأوراق ورزمة من الأقلام الملونة وكتبا وأضفت لها مذياعا صغيرا، واستغنيت عن دوائي لأنه لا محالة منته خلال عزلتي، وهناك في السجن الجميل لا نحتاج أدوية غير الابتسامات والرعاية الطيبة التي يحيطنا بها سجانونا. لا نتمنى غير ذلك.
أصدقكم أنني توجهت إلى سجني وأنا مغتبط مسرور!
لكن لوهلة خاطفة وبخت نفسي: أراك يا (ك_19) تبدو مغتبطا كغبطة الأطفال الذين يتوجهون إلى مخيم صيفي وعلى محياهم علامات الهناء؟
أيها القارئ العزيز كن صبورا علي بعد،
رحب بنا أناس ونحن في عزلتنا لليوم الأول. كان لا يبدو عليهم أنهم غير مسجونين!
تعرفت مكاني وسريري ومكتبة المطالعة، ارتقيت فوق سرير علوي وقلت لنفسي:
هاهي العزلة التي كنت تنتظر يا (ك_19)!
ثم تراجعت عن هاجسي وقلت: هل يهاب الناس السجن أم يحبونه؟
جالت في خاطري قصص عن أبطال أعْفِيَ عنهم منه ثم عادوا إليه لأنهم لم يجدوا في الخارج أندادا..؟
بدأ اليوم الأول هنيئا وجالت آلاف الخطط في ذهني، دبجتها بملايين الأهداف والغايات. يقولون لا سفر بغير جواز سفر، وها أنا أجهزه على مهل.
ألفت في ذهني روايات إنسانية جميلة ودبجت مئات المقالات، اشتهيت آلاف العناوين لأقرأها كنت أنتظر الغد فقط.
نمت ليلتي تلك وأنا أغرق في حبور لا مثيل له!
قد تستغرب أيها القارئ الصبور عن تهمتي لأسجن وبعدها تشعر أنني فرح فخور بذلك!
أيها القارئ الصبور،
استقبلت اليوم الثاني في حبور كذلك، أتيح لي أن أتعرف على المكان، كان كما تخيلته تماما، مكان وادع تحيط بالبناية أشجار سرو طويلة، وهناك في الأفق تبدو جبال صخرية رمادية تصل الشمال بالجنوب، وكان هواء بارد منعش يحيي المكان وينعشه، لا ضجيج أطفال ولا ضحكات نسوة ولا قفشات شيوخ، بل حمام مغرد فقط، وطيور نوارس تمر قاصدة مرسى قريب من عزلتي هاته التي أسرني جمالها من اليوم الثاني من سجني.
شرعت في تنفيذ مشاريعي بتؤدة.
لقد بدأت في سرد يومياتي، وعنونتها بيوميات السجين ك_19.
تراجعت في آخر اليوم عن هذا العنوان وأبدلته بهواجس السجان ك_19!
كتبت: “العزلة جيدة، لكن آفاقها غير واضحة الملامح. مسؤولونا يعرفون مصلحتنا أكثر من أي وقت مضى، إننا نهمهم والأحرى لديهم سبب وجيه كي يحرموننا من مقاهينا المفضلة، وارتياد الشوارع العامة الواسعة آخر اليوم.
هم واعوون لمَ نحن محرومون من لقاء أصدقائنا ومصافحتهم..
استسلمت بعدها لنوم هانئ دون أن أختم ملاحظتي.
وفي صباح اليوم الثالث، طافت بي مسحة من حزن خفيف لم أدر ما سببها لكنني استغرقت في متعة لا نظير لها، شذا قهوتي ملأت المكان، تجهزت لأن أبدأ يوما جديدا في سجني الذي حرمني من حرية مفترضة كنت أستمتع بها إلى جوار كثيرين من “الأحرار”!
استغرقت أقرأ كتبي بنهم وكأنني لا أملك سوى هذا اليوم لا غيره.
في المساء فتحت موجة مذياعي الصغير لأتعرف على أخبار الألفية الثانية والعشرين.
تفاجأت من هول ما سمعت: كان كثير من الناس يموتون دفعة واحدة، لايجدون حتى متسعا لتوديع أحبابهم وجيرانهم.
سمعت أن ما وراء المحيط كان يفقد مواطنين بدفعات من الموتى ولا يعلمون السبب!
كان الناس مثلي في عزلاتهم يستمعون لهذه الأخبار الخطيرة.
أغلقت الموجة بتشنج كبير وسألت سجينا بقربي: ماذا يقع للقرية الصغيرة يا صديق؟
فقهقه ضاحكا كسرتْ جلجلة ضحكته الصمت وقال: إنها الحرب الشاملة تقع!
تساءلت في سري: هل آن أوان القيامة؟
استغفرت الله مما جال في سري، فالقيامة علم لدنيٌّ لا قبل لي ولا لغيري به.
لكني استدركت: حتى المسيخ الدجال لم يظهر بعد. فمن يقتل الناس إذن؟
أضفت مع نفسي: الريح الطيبة تأتي بعد أن تملأ الأرض عدلا فتأخذ المؤمنين إلى الجنة وتدع الظالمين يذوقون عذابا في الأرض شديدا، حتى أنهم سيتكالبون ويتخامشون يتعاضُّون في الأرض بينهم قبل أن تقوم القيامة عليهم فيرون الأهوال التي قرأنا عنها في الذكر الحكيم!
لكزني بيده صديقي السجين المتفائل دوما -وهو كغيره من السجناء معي متفائلون دائما حتى ظننت نفسي في نادي الإيجابيين- وقال: هذه أظن القيامة الصغرى!
انتهى يومي دون أن أكون راضيا عن سير مشاريعي، إذ شوش ذهني ما سمعت وما جال في روعي من تفسيرات لا أعلم من ألقاها في روعي حتى جعلني أتيقن أنها ألفية القيامة!
أخذتني نومة ثقيلة عشت فيها من الكوابيس ما لا يحصى: رأيت فيها أطفالا وشيوخا ونساء ورجالا دون بطون، رأت عيني أن الناس كانت تحاول أكل الصابون كي لا تموت، ورأيت أن الأغنياء من القوم يحرقون أوراقهم من النقود كي لا يموتون بالعدوى، وراعني أن المعلمين توقفوا عن تعليم الصغار فصاروا يرسلون لهم رسائل طائرة، إن شاؤوا رأوها وإن شاؤوا تركوها تسبح في الهواء! رأيت لصوصا لم يجدوا ما يسرقون، ورأيت الباعة فسدت أطعمتهم وبضائعهم…
خيل لي أن العالم استعمر من مخلوقات غريبة ترتدي أقنعة بيضاء وتستر جلدها بواقيات رخيصة، لكنني رأيتهم متعبين وغارقين في الشكوى من جراء ما آل لهم حكم هذه القرية الصغيرة.
استيقظت معروقا ومنهكا من وقع هذه الكوابيس الخطيرة. تمتمت بالآيات الحافظات أرددها، ولعنت “عزازيل” أن أراد بالعالم السوء فأرانيه يصارع الموت المبهم!
بعدها تهجدت ليلي فغرقت مجددا في سعادة غامرة، واستقبلت يوما جديدا.
ها قد أتى يوم خامس من مدة عزلتي في هذه القرية الجميلة.
لأول الأمر نسيت اسم يومي!
أيها القارئ الصبور،
حقا لقد نسيت اسم يومي، لقد تشابهت أيامي الخمسة، صار لها حكم واحد في اعتقادي!
أحسست بتشنجات غريبة وأنا ألتهم فطورا شهيا. تساءلت ما لسبب في ذلك فتذكرت أنه كان يوم اثنين!
وياله من يوم غريب كنت أعيشه، واصلت فطوري وأنا أتأمل وأشكر السلطات على نجاتي من سطوة هذا اليوم الرهيب.
قمت لإتم مشاريعي التي بدأت، لقد تهت في الفراغ، كان شيء ما يمنعني عن الحماس الذي جئته به معي إلى هذا السجن!
خاطبت فيّ الجانب المتعقل: وما تطلب وكل أمنياتك بين يديك الآن؟
هذا السؤال قد يبدو موغلا في الطمأنينة لكنني وجدت نفسي ملزم أن أكسر هذه الأغلال التي تربطني. لعلها كانت كسلا متأصلا!
وهكذا أيها القارئ الصبور، اهتديت لحيلة غريبة، كنت ألتهم الزمن كالحلوى. كنت أستنشقه كمادة عزيزة علي، كنت أرقب الساعة كل دقيقة، لا أفلت أي لحظة إلا وحاولت أن أملأها بشيء مما يخدم مشاريعي الكبرى!
وأحيطك علما أيها القارئ الصبور أنها كانت ضخمة تكفي للإطاحة بجيوش خلال حرب عالمية ثالثة!
توالت أيامي المتبقية في حبور دائم. كان ينغصها عداد للموتى، فعندما أفتح موجة مذياعي في الساعة ذاتها أجد أن القتلى كانوا يدفنون وحيدين بدون مراسم جنائز ولا عزاء، وكان هناك موتى من وراء المحيط يحرقون ويذرى رمادهم في البحر.
وكانت أخبار القيامة الصغرى تتلاشى فقط عندما أجد خبرا على الموجة نفسها بأن أصحاب الشأن باتوا يوزعون رزما من الأوراق كان الناس يأكلونها طعاما رخيصا.
كنت أجد في نفسي شيء من العتاب، فكيف كانت هذه القوافل من الجوعى تعيش!؟
أيها القارئ الصبور ؛
إن عددت معي كم لبثت في عزلتي ستجد أنها لم تتجاوز الأيام السبعة. لكنني عشتها بطول سنوات.
ستسغرب لم؟
جوابي أن السبعة ضُربت في أمثالها، وعدت من فرط غياب لون الأيام وأساميها أفرط في الفرح مخافة أن يمنحوني حريتي.
الحرية عملة شائعة هذه الأيام، لكنني أتوجس من أن أمنحها ثانية فأعود للتشنجات التي كنت أشعر بها!
وأطمئنك أيها القارئ أن هواجس مثل هاته التي أحكيها لم تكن أبدا تأتيني حينما كنت حرا، فقد كنت أكثر من مصافحة أصدقائي، وأقصد مقهاي المفضلة وأرتشف قهوتي السوداء دون خوف، كنت أتعب من كثرة الثرثرات التي أخوضها جزافا، وكنت لا أرى أناسا يأكلون الصابون كما رأيت في حلمي الكابوس، حتى الحافلات كانت مكدسة بأطفال المدارس دون شكوى أو خوف!
كان كل هذا يحصل ولم يكن الناس يشعرون بالحرب الشاملة كما زعم صديقي السجين.
ففي كل الحروب كان هناك طرفان إلا هاته الحرب ففيها طرف مغلوب خائب!
فمن ضغط على هذا الزر الخطير يا ترى، أهو قط (ماو)!
أو فأرة لحاسوب (كينغ)، حتى رعايا الامبراطوريات الثلاث منهم حظ وافر حصدته الحرب الشاملة، وحتى الملكة المعمّرة صارت تشتكي، ووزيرها يوصي بإقامة العزاء في عقولنا وأن الموت الأسود يطوف فوق رؤوس مملكتنا السعيدة.
وتتساءل قارئي الصبور: من أي الأرض أنا؟
آه، آه نسيت أن أخبرك أن تلك الكوابيس التي رأيت كانت تقع في أرض شبيهة بأرضي!
وحتى ذو الشعر المستعار الأشقر، لم يجد أمام رعاياه غير الاعتذارات والوعود لأنه سيحجز لهم عقولا من أرض الألبان والأجبان والرصاص، سيشتري لرعاياه دواء من الحرب المدمرة!
مرت أيامي تلو أخرى وأنا غير مكثرت لما أسمع في المذياع!
كنت منشغلا بتصور القرية الصغير ة بعد هذا الحرب الشاملة، وكنت أتساءل من قائدها الذي ضغط على هذا الزر الأحمر، وكنت متفهما جدا أن الرعايا خائفون جدا، لكنني علمت من المذياع أنه في أرضنا كان الناس شجعانا لا يهابون الموت، فقد كانوا كعادتهم يزدحمون على محال البصل دون وجل من أن يلحقهم هذا الهباء الذي يسري في الهواء!
أيها القارئ العزيز،
أتمنى أن لا أكون أثقلت عليك بهواجسي هاته. قد تجدها مبعثرة، لكن طريقة كتابتها هي ما كنت أعيش فعلا!
وأخبر من يقرأها أنها وقعت في زمن القيامة الصغرى.
وقريتي الصغيرة تنتظر قيامة كبرى لا محالة بعدها، لكنها ستتعلم دون الشك أن الحرب الشاملة ستكون آخر الحروب التي سيخوضها بني الإنسان.
أيها القارئ العزيز؛
ذكر الرواي:
“وفي آخر مرة رؤي فيها كان السجين (ك19) وهو في سن متأخرة يراجع هذه الهواجس منشورة على جريدة إلكترونية مشهورة لكاتبها باسم مستعار بحرفين (ين)، رواها بضمير المتكلم وكأنه هو من عاشها وعزاها الكوفيد 19 للانتحال لأنه كثر هذه الأيام!
ابتسم ابتسامة خفيفة و أغلق جهاز الجرائد واسترسل في حكاياته لأحفاده الصغار كما كان يفعل تحت شجرة السرو المعمرة مثله.
كان من جملة ما أخبرهم به: إذا حلت بكم الحرب المدمرة لا تأكلوا الصابون بل اغسلوا به أيديكم وأرجلكم، وتوضؤوا وصلوا صلاة الشكر كي ينجيكم من الهباء الذي يقتل دون رحمة!
وتذكروا إنه الوباء.
والسلام.
1442020 نسيت أن أخبركم أن هذا هو رقم تسلسلي في سجني وهذا عنوان الكوفيد التاسع عشر في عزلته!

طالع أيضا  تزايد القلق بشأن "كورونا المستجد" ومنظمة الصحة العالمية تعتبره "وباء عالميا"