من المعلوم في المجتمع التقليدي، بل وحتى في المجتمع الحديث، أن النساء، باستثناء من خرجن للعمل منهن، هن قواعد البيت؛ يقمن عليه بالخدمة والأشغال، لكننا لم نعهد الرجال كذلك إلا في ظروف استثنائية ألزمتهم القعود في البيت كالمرض مثلا، ونحن في ظروف الحجر الصحي بسبب وباء كورونا المستجد وجد الرجال والنساء أنفسهم قواعد البيت على السواء، وفوق إرادتهم، فتساءلت كيف تعامل الرجل مع هذا الوضع؟ وكيف يقضي وقته؟ وهل يرى لنفسه دورا في البيت في كل ما يتعلق به، أم يجلس على عادة الكثيرين منهم آمرا ناهيا والخدم والحشم من حوله؟ وعرضت الصورة على بيت النبوة فوجدتها مختلفة تماما، حيث كان صلى الله عليه وسلم يكون في مهنة أهله بإعانتهم والتخفيف عنهم، وبخدمة نفسه الشريفة صلى الله عليه و سلم، فكان يخصف نعله ويحلب شاته و يخيط ثوبه، فتساءلت ما الذي نأى بالرجال عن هذه الصورة المشرقة؟؟

دعوتي لك أخي الرجل أن تقيم نفسك في مقام أقام فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه، وأن تستشعر معه معاني الاتباع والمحبة، حتى لا ترى لنفسك فضلا عليه فتنأى بنفسك عن هذا المقام، فترى فيه انتقاصا لرجولتك ولهيبتك، لأن العمل عمل النساء وأنت لك عليهنّ الدرجة، ووجدت أن هذا الحجر الصحي فتح لك الباب على مصراعيه لتحيي سنة في نفسك وفي مجتمعك بنية البناء وإصلاح ما أفسده الزمان.

أخي؛ إني لا أرى فيك خصما أكل حقا أو أهان كرامة أو انتقص من إنسانية، ولكن أرى فيك شقيقا كما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “النساء شقائق الرجال”، جمعتنا الحياة الدنيا لنعبر إلى الآخرة، فأنت الأب وأنت الزوج وأنت الابن وأنت الأخ، وكل هؤلاء لهم المكانة السامقة في القلب، والمحبة الصادقة، ظلمهم مسار تاريخي كما ظلمني، فجعلهم يفقدون بعضا من رجولتهم لحساب ذكورتهم، وإن كنت لا أنكر أن هناك من الهامات الشوامخ الذين يأبون على أنفسهم أن يضعوها موضع اللؤم، لأنه ما أكرم النساء إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم كما أخبرنا صلى الله عليه وسلم.

طالع أيضا  علماء الشريعة تبع لخبراء الصحة زمن الأوبئة

فالرجولة طهارة ظاهرة وباطنة.

الرجولة صدق في العهود، ووفاء بالوعود، وثبات على الطريق.

الرجولة قوة إيمان قبل قوة البنيان.

الرجولة تحمل للمسؤوليات.

الرجولة عون للأهل وملاطفتهم، ومداعبة للأبناء.

الرجولة تعرف بميزان واحد هو ميزان التقوى.

فالرجولة هي غير الذكورة التي لخصها البعض في قوة العضلات والقدرة على الغلبة وتحكيم الرأي ووو…

وظلمني هذا المسار التاريخي حين أوصلني معك لأرى نفسي محط شهوتك وخادمة بيتك ومربية أولادك ومجيبة دعوتك فقط، لا حظ لي من همم النساء المؤمنات المجاهدات في بيوتهن قبل الساحات، يربين على الجهاد ويذكرن بالآخرة ويطلبن ما عند الله، محافظات على الفطر السليمة، بانيات للأمة، واقفات على ثغر الأسرة عنوان الاستقرار في الدنيا والفلاح في الآخرة.

أخي كيف نضع اليد في اليد شقائق كما أرادنا الله وبيّنت لنا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، نعين بعضنا البعض على الخير. أذكرك بأن الرجولة معنى سامٍ؛ فوق التعنيف والتنقيص والحجر على النساء في البيوت وتعليق إرادتهن بإرادتك وكبت هممهن تحت سقف همتك، وإنما هي كرم وتكريم، شهامة وإباء، بذل وعطاء، صبر وغض للطرف، هي تعليق النفس بمعالي الأمور وطلب ذروة سنامها؛ الجهاد في سبيل الله.

وتذكرني بأن أقتفي أثر أمهات المؤمنين لمّا خيّرن بين الدنيا والآخرة فاخترن الباقية على الفانية، وكيف أقتدي بالصحابيات المجاهدات بذلا وعطاء، وطاعة واستجابة لله ولرسوله صلى الله عليه و سلم، نرفع معا ظلم مسار تاريخي شوّه من رجولتك وكسر من إنسانيتي.

أنا لست في الضفة الأخرى المقابلة لك وإنما أنا معك في الصف، أخشى عليك من غضب الله كما أخشى على نفسي، وأحرص على أن تقوم حيث أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه، كما أحرص على طاعته لأحظى بهمّة من تربين في حجره صلى الله عليه وسلم.

طالع أيضا  بيان قطاع الصحة للعدل والاحسان: كفى إهمالا لقطاع الصحة، وكفى استهتارا بصحة المواطنين

فاللهم ارزقنا الصدق في القول والعمل.