كتب لي أحدهم رسالة هي لسان حال كثير من الناس، فوسعت مُدخلها لتتسع فوائدها وعبرها.
قال وهو يشكو فشو الظلم وغلبة الباطل وغياب الحق وأفول أقماره عن سماء حجبت نجومها قطع من الليل المظلم، ولبد من الغمام المعتم، فلا تكاد تبدو في الأفق شارقة حتى تنقض عليها بارقة تخفي كل جميل أشرقت عليه، وتعصف بكل أخضر يانع، وتمحو كل شاخص، وتدرس كل يابس، وتفني كل دارس…
ثم قال بعد كلام…
وإني وإن أصف الحال كل الوصف، فما قولي إذا ما نظرت إلا ما تكنه النفس، إلا كحروف الهجاء مع الكلام، إن تعدها كانت دون الثلاثين، فإذا تكلمت بها أنشأت من الكلام ما لا يعد ولا يحصى..
فقلت: يا هذا.. وما بعد كل هذا..
أليست تدور الحياة وتتقلب الأزمان، وتنسخ الفصول بعضها البعض، ويخضر ما اصفر، ويسفر ما أظلم، ويتبدد ما تلبد، والشهر هكذا وهكذا فمرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين..
لكن لا بد من عودة الهلال بعد رحلة الأفول، وتقلبه في مواقع النزول، وما بارقة العسف والعصف والهطول، بمانعة شارقة الرجاء والنور.
وإن رب المغارب هو رب المشارق، فلإن ولدت في زمن الغروب، ولم يسعك عمرك لتشهد زمن الشروق، فإنما ذاك حظك من الحياة فاعرفه، ولا تجعله حظ الحياة كلها من الوجود، فتضل سواء السبيل، وتورث اليأس والجهل لعقبك وخلفك، وتهضم حق سابقيك وسلفك.
ولربما تكون قد دخلت في ثلث الليل الآخر من زمن الفتن، فرأيت من شدة ظلمته ما هو حق هذا الوقت، وإن أشد الليل ظلاما آخره.
فأبشر إن الصبح قريب، وإنها ساعة إجابة الدعاء ومضاعفة الأجور، وإن عمل الآخرين إذا صدقوا لبأجر خمسين من الأولين الذين سبقوا.. كما صح بذلك الأثر.
فلا تصرفنه في القعود اليائس، وكثرة سؤال المتحير العاجز، وإنما عليك القيام في جوف هذا الليل المفتون تستنزل بركات الإجابة، وتدفع ظلمته ما استطعت إلى ذلك سبيلا، فإنك لا تدري متى يباغتك النهار..
فلا يطلعن عليك وأنت نائم لم تشهد توزيع الأرزاق عند البكور، وإنا أمة بورك لها في بكورها، فكن من السابقين..
واسمع لقوله صلى الله عليه وسلم عن تعاقب ظلمة الجور وإشراقة العدل: “لَا يَلْبَثُ الْجَوْرُ بَعْدِي إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى يَطْلُعَ، فَكُلَّمَا طَلَعَ مِنَ الْجَوْرِ شَيْءٌ ذَهَبَ مِنَ الْعَدْلِ مِثْلُهُ، حَتَّى يُولَدَ فِي الْجَوْرِ مَنْ لَا يَعْرِفُ غَيْرَهُ، ثُمَّ يَأْتِي اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِالْعَدْلِ، فَكُلَّمَا جَاءَ مِنَ الْعَدْلِ شَيْءٌ ذَهَبَ مِنَ الْجَوْرِ مِثْلُهُ، حَتَّى يُولَدَ فِي الْعَدْلِ مَنْ لَا يَعْرِفُ غَيْرَهُ” 1.
فإذا كنت ترى الأمة قد طلع وهجم عليها الجور وتوسط رباها، كأنه شجرة الزقوم، فأنبت طلعا كأنه رؤوس الشياطين، وحول الربى إلى حفر جهنمية.. فإن للعدل مجيئا محققا، ولهذا المعنى نجد الحديث الشريف يذكر طلوع الجور، وفيه من معاني الهجوم والمباغتة، بينما يقول جاء العدل، كما قال ربنا جل وعلا: قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ 2. وفي العبارة ما فيها من البشارة وتقوية اليقين في قلوب السامعين من المومنين.
يقول الراغب الأصفهاني في مفردات القرآن: “الإتيان قد يقال باعتبار القصد وإن لم يكن منه الحصول، والمجيء يقال اعتبارا بالحصول”.
فليكن نظرك بنور شرعة الله ومنهاج رسوله صلى الله عليه وسلم، ليذهب ويذوب يأسك، ويعظم رجاؤك، وتعلم أن وعد الله حق.
قال تعالى حكاية عن أم موسى عليه السلام: فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ 3. فرغم أن الحال الذي تراه العين أن موسى الحق والخلاص و إمام المنة الإلهية على المستضعفين، وقائدهم إلى الوراثة والتمكين، تتقاذفه أمواج اليم نحو البلاط الفرعوني الحاقد الحانق الخانق لأنفاس مواليد عصر النجاة من قرون الاستعباد..
فقد نجا موسى عليه السلام من اليم على أعواد التابوت، وتربى في بيت الطاغوت، حتى جاء الميعاد، والله لا يخلف الميعاد، ولكن للأمور أطوارا وتدرجا على مقتضى الحكمة الإلهية.
ألا ترى أنه صلى الله عليه وسلم يذكر في الحديث المتقدم، أن العدل والفرج يأتي شيئا فشيئا. ولكن خلق الإنسان عجولا، وإن الله لا يعجل لعجلة أحدكم، ويستجاب لأحدكم ما لم يعجل، وإنما يعجل من يتبعه الموت، والله حي لا يموت فصل حبلك به حتى تتخلق بأخلاقه عز وجل، فتطمئن نفسك وتسكن..
وإن مع العسر يسرا، ولو وجدت برد السيوف على الأعناق، فلا تيأس.. ألم تسكن سكين إبراهيم الخليل وهي على رقبة إسماعيل عليهم السلام، حتى سمي الذبيح، ثم أنجاه الله؟ ألم يقف موسى ومن معه على حافة الهلاك ومنظر الأمواج عند أقدام القوم، وجنود فرعون على الأعقاب.. ثم أنجاهم الله؟
ولا يلقي إليك الشيطان، وأنت متمن تحدث نفسك بالفرج، وإن الشيطان على رأس كل متمن، فلا يلقين في روعك أن زمن المعجزات ولى، وهذا زمن التدافع والغلبة والاستيلاء.. فما النصر إلا من عند الله، وإنما هي آيات الله تتنوع، والقصد واحد وهو أن نعرف عظمة القدرة الإلهية، ونبرأ من الحول والقوة. فتبرأ من حولك وقوتك، قبل أن تبذل وسعك وبعده، و اعلم أن لكل زمان رجاله والخير باق في هذه الأمة إلى قيام الساعة.
فإن قلت قل النصير، قلت كذاك هو الحال دائما في بداية الطريق إلى الحق، الفئة القليلة والعدة المتواضعة، هي السمة الغالبة للبدايات، وسوق الجور قبل مجيء العدل قد تكون بضاعتها رائجة لكنها نافقة، ومبادئ العدل وفكرته في زمان الجور، قد تعامل كبضاعة مزجاة لكنها باقية ثابتة وسلعة عند الله غالية.
ومع ذلك لا يخلو زمان من طليعة مجاهدة ونخبة مهيأة، على حظ من الله تعالى وغناء في أمره عزوجل وسابقة وخبرة، تبين للناس الحدود الفاصلة بين الحق والباطل، وتربيهم وتسير بهم في معارج السمو الروحي والعقلي والحركي برفق ورحمة، وتوسط رفيق لميادين حركتهم ومجامع ثقافتهم وعاداتهم، مستعينة بالله تعالى ثم بقراءة حكيمة لأقداره سبحانه وسننه في خلقه وتدافعهم في هذا العالم، حتى ترى الحق حقا، فتحكم على الواقع بالحق.
يقول صلى الله عليه وسلم: “لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ” 4. وقال الله تعالى على لسان قوم ظالمين: قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا ۖ وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ 5.
إنها معركة قديمة مع الجهل وقلة الفقه والفهم، ومعركة مع الاستضعاف والقمع المعبر عنه في الآية الكريمة بالرجم، تبين أن هذه الحياة بكل ما تبديه لنا من صفاتها وتقلباتها وأكدارها، أنها ما أظهرت إلا مستحق وصفها، كما يقول الحكيم، من كونها دار ابتلاء واختبار..
كما تبين أن الرهط المتماسك صفا واحدا يشد بعضه بعضا كالبنيان المرصوص، مما يمنع من الرجم ويخفف آلام غربة الإنسان في دار خلقت له ولم يخلق لها، ومما يعين على ظهور الحق ومقاومة الظلم والاستكبار، حتى يحكم الله و هو خير الحاكمين.


[1] رواه الإمام أحمد وحسنه الحافظ العراقي.
[2] سورة سبأ الآية 49.
[3] سورة القصص الآية 36.
[4] رواه مسلم.
[5] سورة هود -91.