بقلم: إبراهيم محمدي

خص الله الأمة بشهر ليس مثل باقي الشهور، شهر المثوبة ورفع الدرجات، وعد الله عز وجل من أعطاه حقه في العبادة بالعتق من النار، وتوعد من ضيعه بالحسرة والندامة دنيا وأخرى، لذا وجب الاستعداد لاستقباله، فهو ضيف فوق العادة جاء بفيض من الرحمات، وطبيب يعالج أوجاع الأبدان وأسقام النفوس، ولا ينبغي أن يكون موسم الأطعمة والموائد والشهوات.

 جاء شهر رمضان لتزكية النفوس وضبط ملذاتها، يقول ابن القيم رحمه: “المقصود من الصيام حبس النفس عن الشهوات، وفطامها عن المألوفات، وتعديل قوتها الشهوانية، لتستعد لطلب ما فيه غاية سعادتها ونعيمها، وقبول ما تزكو به مما فيه حياتها الأبدية، ويكسر الجوع والظمأ من حدتها وسورتها، ويذكرها بحال الأكباد الجائعة من المساكين” 1.

وهذا ما يجعل الكيس لا يحول شهر الله المعظم إلى موسم لتلبية شهوات البطن ورغبات النفس، فيتقلل مما ألفه مما لذ وطاب من الأطعمة، لئلا يسرق منه التلذذ بالطاعات وتعيقه في العبادة كثرة الخمول والكسل، متغافلا عما رواه المقداد بن معد يكرب قال: سمعت رسول صلى الله عليه وسلم يقول: “ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه، حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان فاعلاً لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه” 2.

 فمقاصد رمضان المعظم ليست التنافس والتسابق في تحصيل المأكولات وتنويعها وتزيين الموائد بها، وتمضية الساعات أمام شاشات الهواتف والتلفاز، التي تخطف منا أوقاتنا وأعمارنا وتحرمنا من بركة وروحانية هذه الأيام الفضليات، زد على ذلك كثرة السهر والسمر والنوم عن الصلوات طيلة اليوم.

إنما جعل الله رمضان فرصة لا تتاح إلا مرة واحدة في السنة، فمن الواجب على المؤمن والمؤمنة أن يعتبراه فرصة العمر التي قد لا تتكرر، فقد يأتي العام القادم وفلان وفلانة أضحيا من أهل الآخرة، أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ 3.

 فما على الفطن إلا أن يغتنم وأن يسعى ليحسن ضيافة شهر الله، فعلينا أن نسعى لاستقبال رمضان بما يليق بمقامه كشهر الله المعظم، فمن ذلك:

طالع أيضا  مقاصد الصيام

1-  أن نستبشر خيرا بقدومه وأن نعظم فيه النيات، قال تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ 4، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه فيقول: “أتاكم رمضان شهر مبارك فرض الله عز وجل عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبوب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم” 5.

2-  أن نسعى لصيامه استجابة لأمر الله القائل في كتابه قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ 6.

3-  أن نسعى للفوز بالأوسمة الثلاثة المشمولة في الحديث الطويل الذي رواه سلمان الفارسي رضي الله عنه في قوله؛ خطبَنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في آخرِ يومٍ من شعبانَ ومن قوله: “… وهو شهرٌ أوَّلُه رحمةٌ وأوسطُه مغفرةٌ وآخرُه عتقٌ من النَّارِ7.

4-  أن نعد له عزمات من قبيل:

– العزم على الإكثار من الختمات القرآنية فهو شهر القرآن ينبغي أن يكثر العبد والأَمَة فيه من قراءته وحفظه وتدبره، قال تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ 8.

– العزم على المحافظة على النوافل أو الرواتب القبلية والبعدية للمكتوبة، وصلاة الضحى، وأن يكون لك حظ من قيام لياليه المعظمة مصداقا لقوله تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً، وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً 9.

– الإكثار فيه من الدعاء والاجتهاد فيه، مصداقا لقوله تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ 10.

هي فيض من غيض من الأعمال الصالحة التي يطيقها العبد كالاعتكاف، والصدقة والزكاة، والبر والإحسان، وإفطار صائمين…

طالع أيضا  مجالس في فضل الصيام لابن الجوزي (8)

بذلك يكون المؤمن قد أعد واستعد نفسيا وإيمانيا لاستقبال الضيف الكريم، الذي نشكر الله عليه مصداقا لقوله تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ 11.

بالشكر ينال المؤمن الزيادة في الفضل والجزاء، وينال نعمة التلذذ بالطاعات، وتشمله روحانية الشهر الكريم فتعتق رقبته من النار، فيكون كيوم ولدته أمه صافيا خاليا من الذنوب بإذن الله تعالى.


[1] زاد المعاد في هدي خير العباد، 2/27 لمحمد بن أبي بكر.
[2] مسند الإمام أحمد ـ مسند الشاميين ـ حديث رقم 16556.
[3] سورة الزمر، الآية 56.
[4] سورة يونس، الآية 58.
[5] رواه النسائي والبيهقي، صحيح الترغيب: 985.
[6] سورة البقرة، الآية 183.
[7] الترغيب والترهيب لزكي الدين عبد العظيم المنذري الرقم: 2/115.
[8] سورة البقرة، الآية 185.
[9] سورة الفرقان، الآيتين 63 و64.
[10] سورة البقرة، الآية 86.
[11] سورة إبراهيم: الآية 7.