فجأة يتحول العالم في ظل الحجر المنزلي إلى أشبه بسجن كبير، يترقب نزلاؤه لحظة الإفراج أو بارقة أمل في لقاح أو علاج يضع حدا لحالة إقامة قسرية فرضت عليهم من طرف كائن لا تزال الكثير من أسراره غامضة، كائن لا يفرق بين غني وفقي، اقتحم حدود الدول وتجاوز أسوار القصور وبث الذعر والفوضى في النظام العالمي، أو هكذا كنا نعتقد. حالة من الجنون والهيستيريا انتابت العالم، تكتلات كبرى سياسية واقتصادية كانت إلى حد قريب مثالا للاندماج السياسي والتعاون الاقتصادي أصبحت مهددة بالتفتت والزوال.

لقد باتت الدول تسطو على بعضها البعض ضمن نفس التكتل الواحد، حدث شكل حالة الصدمة، وكشف لشعوب هاته التكتلات زيف شعارات الوحدة السياسية والاقتصادية، بدأت الأحداث بسطو أمريكا على كمامات طبية عائدة للشرطة الألمانية، وما لبث أن اتهمت ألمانيا الولايات المتحدة بتحويل مسار شحنة من الأقنعة الموجهة للشرطة الألمانية من مطار تايلاند، إلى الولايات المتحدة في خرق سافر لقواعد التجارة الدولية، ما دفع أندرياس جزيل، وزير داخلية ولاية برلين، لوصف التحويل بأنه “عمل من أعمال القرصنة الحديثة”. كما ناشدت الحكومة الألمانية واشنطن بالامتثال لقواعد التجارة الدولية. وقال جزيل: “هذه ليست طريقة للتعامل مع شركاء في الحلف الأطلسي”!! حادثة ظن العالم للوهلة الأولى، أنها حالة عرضية أملتها صدمة جائحة ما كان أحد يتوقعها، ثم توالت بعد ذلك حوادث قرصنة المعدات الطبية، بعد قيام التشيك بمصادرة الآلاف من الأقنعة الطبية الموجهة من الصين نحو إيطاليا، تحت غطاء عملية أمنية ناجحة لشرطة براغ، لإحباط عملية تهريب لمئات الآلاف من الأقنعة الطبية خارج البلاد. وأقرت سلطات التشيك على لسان وزير داخليتها يان هاما تشيك؛ بمصادرتها 680 ألف قناع واق وأجهزة تنفس في مستودع شركة خاصة في لفوشيتي بشمال براغ، وبعد تحقيقات تبين أن جزءا قليلا من هذه المصادرة هي هبة صينية لإيطاليا، معربا عن أسفه للحادثة وأن بلاده تجري مشاورات مع الصين وإيطاليا، في حين أكد المسؤولون الإيطاليون أنه سطو منظم على الهبة الصينية لإيطاليا، تلتها أحداث سطو أخرى، إحداها استهدفت دولة عربية وهي تونس عبر تصريح لوزير النقل التونسي، اتهم فيه إيطاليا بقرصنة باخرة تونسية محملة بمعدات طبية كانت متجهة لبلاده، هي أحداث صادمة بالفعل ومؤشر على أن العالم سيشهد تغييرات سياسية عميقة لم يشهد مثيلا لها منذ الحرب العالمية الثانية، وأن ما بعد أزمة كورونا ليس كما قبلها، أزمة رفعت خلالها كل دولة من دول هاته التكتلات شعار “الوطن أولا”، باحثة عن أمنها القومي الصحي والاقتصادي والسياسي، متجاهلة بذلك اتفاقيات التعاون التي بينها والتي على أساسها أنشَأت تلك التكتلات.
حدث آخر صدم المجتمع الدولي، وهو الذي لم يكد يستفيق من هول الصدمة الأولى، وهذه المرة في أوروبا حينما رفضت بعض الدول الأوروبية، وفي مقدمتها ألمانيا وفرنسا، منح أي مساعدة لإيطاليا، وهي الدولة التي أنهكتها الجائحة مما جعلها تطلق نداء استغاثة لمساعدتها في محنتها، حدث خلف استياء عارما لدى الإيطاليين، اعتبرته الصحافة الإيطالية بمثابة “طعنة في الظهر” وشهدت شوارع إيطاليا مشاهد حرق العلم الأوروبي، تناقلتها وسائل التواصل الاجتماعي، وأخذ بعض العمد في المدن الشمالية التابعة لأغلبية يمينية، قرار نزع العلم الأوروبي من أعلى مباني البلديات، في وقفة رمزية ضد ما يعتبرونه تخلي الاتحاد عن واجب التضامن في حالة الحرب على الوباء. قرار الرفض تكرر مجددا عندما دخلت إسبانيا في أزمة حادة بسبب الجائحة، وهذه المرة كان الرفض من طرف هولاندا، وهو ما جعل رئيس المفوضية الأوروبية السابق رومانو برودي يصرح عن استيائه من هذا الرفض قائلا: «عندما يأتي الوباء، إذا لم يكن هنالك تضامن ما معنى لأوروبا؟”

طالع أيضا  فتحي: محنة كورونا أظهرت الموقع الاستراتيجي لقطاع الصحة

حدث آخر صادم وهذه المرة ذا بعد أخلاقي وإنساني، حدث التمييز بين المرضى في العلاج، أو ما يصطلح عليه بمرحلة طب الحروب، وهو التضحية بكبار السن مقابل إنقاذ الأصغر، في خرق سافر للأخلاقيات الطبية وشعارات حقوق الإنسان، بدأت الأحداث في إيطاليا عندما فقدت الدولة السيطرة على الوباء، وانهارت المنظومة الصحية كليا، فلجأت الدولة الإيطالية إلى اعتماد معيار السن بإعطاء الأولوية للشباب في العلاج، فقد نشرت الكلية الإيطالية للتخدير والتسكين والإنعاش والعناية المركزة (SIAARTI)، مبادئ توجيهية للمعايير التي يجب على الأطباء والممرضات اتباعها في هذه الظروف غير العادية، فتم فرض وثيقة على الأطباء، تشمل عمليات الفرز بين المرضى، وهي ما تعرف بـ “الفرز في زمن الحرب المطلوبة”، فبدلًا من توفير الرعاية لجميع المرضى الذين يحتاجون إليها، سيتم تخصيصها فقط للمرضى أصحاب أعلى فرصة للنجاح العلاجي من الفيروس. أما الأشخاص الأكبر سنًا وليس لديهم احتمالات كبيرة للشفاء، فسيتركون للموت، وتقول الوثيقة “إن هذا يبدو قاسيًا، لكن البديل ليس أفضل”.

لم تكن إيطاليا، مهد النهضة في أوروبا، الوحيدة في اعتماد هذا المعيار اللاأخلاقي، فقد تبعتها إسبانيا بدورها. نفس النقاش يدور حاليا بين مسؤولين من مختلف الولايات الأمريكية والجمعيات الطبيّة والمستشفيات، فالمجال سيكون مفتوحًا على قرارات مختلفة جدًا بهذا الشأن على حد تعبير “نيويورك تايمز”. وقد شهدت بعض الولايات الأميركية -التي انتشر فيها الفيروس كألاباما ويوتا وتينيسي- اقتراحًا مفاده تَرك أشخاص معينين من دون جهاز تنفس صناعي؛ عند عدم توفر ما يفي بحاجة جميع المرضى، وتشمل قائمة المتروكين مرضى الشلل الدماغي، والتوحد، والخرف المتقدم.

أحداث صادمة تعيشها شعوب العالم في هذه المرحلة التاريخية والمفصلية في حياة البشرية، معظمهم أجيال لم تعش أهوال الحرب العالمية الثانية ووحشيتها، كاشفة عن سقوط أخلاقي وعن الوجه الحقيقي للمجتمع الغربي ولنظام الرأسمالية الجديدة الجشعة والمتوحشة، أحداث لا شك أنها ستترك بصماتها على ما يستقبل من الأعوام، في عالم ما بعد كورونا، عالم لا شك أنه سيشهد، حسب العديد من التقارير والدراسات الاستشرافية، تغييرات عميقة على مستوى نمط تفكير الأفراد والدول على حد سواء، ستنتج عنها تغييرات سياسية وتداعيات اقتصادية واجتماعية، الله وحده يعلم حجمها ومآلاتها، كما كشفت بالمقابل عن مدى حاجة البشرية لنظام بديل أكثر رحمة وعدالة، نظام يضع القيم الإنسانية في المقام الأول حتى في أشد الأزمات وأحلكها، نظام يراعي سنن الله تعالى في خلقه وفي الكون. وفي رحمة الإسلام وعدل الإسلام ما يجيب عن الأسئلة المحيرة للبشرية، والتي ستطرح حتما فيما بعد جائحة كورونا، أجوبة كفيلة بتجنيبنا عواقب قد تكون وخيمة ومدمرة للبشرية جمعاء لا قدر الله. “والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون”.

طالع أيضا  تغيرات سوسيولوجية لاحقة.. ما الذي سيغيره كورونا؟