بعد خمسة عقود مرت على ارتباطنا المقدر في الأزل، قررت أن أصارحه بالحقيقة دون خجل ولا وجل، لا يهمني ما سيحدث بعدها، فما عاد هناك أمل.

كانت ليلة من ليالي شهر شعبان، ولم تبق إلا أيام ويحل رمضان. في فترة الحجر الصحي الذي أثبتنا في بيوتنا قسرا بسبب الوباء، حينما حلّ علينا ضيفا “كورونا” ألدُّ الأعداء وأخطر داء.

انتظرتُ حتى أرخى الليل سدوله وكسا الدنيا بالظلام، ونامت العيون واضطجعت الأجسام، وتنزل الحي القيوم الذي لا يغفل ولا ينام إلى السماء الدنيا ينادي الأنام: هل من سائل فأعطيه؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟

كم هي لذيذة سويعات الصفاء تلك… ولكن يا حسرتي… يا حسرتي.

في ذلك الوقت بالذات، تشرق شمس المحبين فيستيقظون، ويتطهرون، وإلى محاريب صلواتهم يتوجهون، فيستفتحون وبأدب بالغ باب ربهم يطرقون. يسقون أرض توبتهم بدموع الاستغفار، ويروون تربة أوبتهم بركعات الأسحار، ويبللون ثرى قربهم بندى الانكسار. يهمسون إلى معشوقهم متذللين: يا غفار… يا غفار… اغفر اللهم الأوزار، وارفع الأكدار، واجعلنا من عبادك الأطهار.

اغتنمتُ إشراق شمسهم وأيقظته.

قام كسلان غضبا وقال: لم توقظينني الآن؟ قلت: لقد آن الأوان.

صاح متثائبا: أوان ماذا؟ قلت: قم، وسأخبرك.

قام وجلس، وعيناه حمراوتان، وشعره منفوش، وريح فمه لا تطاق. قال: تكلمي.

قلت: أهكذا سنتكلم؟ قم يا أخي قم. توضأ أولا، وافتح عينيك، واغسل فمك، ورجّل شعرك. ثم سأخبرك بما أهمك.

قام غضبان أسفا… يجر قدميه، ولا يكاد يفتح عينيه.

بعد حين حضر. نظر إليّ وعبس وبسر، قال: ماذا أعددت لي من حفر؟ أنا أعرفك… هيا أخبريني بالمفيد المختصر. ما الخبر؟ قلت سائلة: كم مضى على ارتباطنا؟

قال: يوما أو بعض يوم.

قلت: لا تهزأ بي، لقد مضى على ارتباطنا نصف قرن. نصف قرن يا هذا… أتدري نصف قرن؟

الناس بنوا الدور والقصور، وأنا وأنت في عجز وقصور، الناس حساباتهم بالملايير وأنا وأنت مازلنا على الحصير، الناس صعدوا أعلى المراتب وأنا وأنت راسبة وراسب، الناس تزلفوا ونالوا أسمى المناصب، وأنا وأنت بلا مكاسب.

قال: يا هذه… ماذا تقولين؟ وعمّ تتحدثين؟

قلت: ألا تفهم… أما تعلم؟ انظر حولك…افتح قلبك…

ها هم أولاء أمامك…

أما ترى كيف استنارت وجوههم؟ أما ترى كيف طابت قلوبهم؟ أما ترى كيف لاحت أنوارهم؟

اشتاقوا إلى ربهم، فركبوا سفينة المنهاج النبوي، وتقربوا إليه بالفرض والنفل حتى أحبهم، ألحوا عليه في الطلب وهم غرقى حتى سحبهم، نادوا في الظلمات: لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنّا من الظالمين، فأنقذهم ومن بطن حوت الغفلة أخرجهم.

تضرعوا وبالحبيب تشفعوا، توسلوا وتبتلوا…

 قال: ما تريدون؟

قالوا: ما نريد إلاّ أنت.

 قال: أنا لكم.

فبه يسمعون، وبه يبصرون، وبه يتحدثون، وبه يمشون، وبه يبطشون.

هو سمعهم، وهو بصرهم، إن سألوه أعطاهم، وإن استعاذوا به أعاذهم.

يا هذا أما تريد أن تكون مثلهم ومنهم ومعهم؟

انظر يا هذا… انظر

لقد بنوا بذكرهم وإنفاقهم بيوتا وحجرات…

لقد جمعوا بحسن أعمالهم بلايين الحسنات…

لقد صعدوا بحفظ كتاب ربهم أعلى الدرجات…

لقد حصّلوا بشرف طلبتهم غاية الغايات…

يا هذا، أما آن لأذنك أن تسمع؟

أما آن لعينك أن تدمع؟

أما آن لنفسك أن تشبع؟

أما آن لقلبك أن يخشع؟

إن لم تكن لك همة الرجال، فطلقني أيها الجسد، واتركني أطير حرة فقد سجنت معك كل هذه السنين بلا فائدة.

صاح جسدي وقال: روحي الحبيبة… لا تتركيني حسّا بلا معنى… لا تهجريني فأنا أنت وأنت أنا… يا عزيزتي لا شيء يفرق بيننا، من اليوم أشهدك أنّي سلمت أمري لك، فقوديني إلى المُنى قبل حلول المَنى، من اليوم فأنت أنت ولا وجود لأنا.

 لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.