افتتاحية

نعيش اليوم ظرفية حرجة مع وباء كورونا الذي يفتك يوميا بالآلاف، ولو فتحت شاشة أو هاتفا ذكيا فستجدها تتناقل خبر الآلاف عن الموتى والجثث التي تتكدس بها جوانب المستشفيات ومستودع الأموات، هو خبر اليوم نسمعه كل ساعة، أفواج الأموات تتلو أفواجا، وأرقام تملأ الشاشات من مختلف بلدان العالم.

مقارنة

أرقام الموتى التي نسمعها يوميا، تدفعنا إلى إعادة قراءة معنى الحياة والعبودية، المطلوبة تنزيلها في هذه الأرض لتحقيق التمكين والعمران.

لتبيان معنى هذه العبودية، ومعنى أصالة الإنسان المطلوب استخلافه في الأرض، مقابل آخر يمثل رقما يولد فيموت دون هدف، أحاول فتح باب المقارنة بين ظاهرة شعوب تموت بأرقام بسبب مرض، وبين أمة كانت في بيت المقدس وغزة تموت لأجل هدف سام وغاية عظيمة، والفرق كبير بينهما.
(فقط فتحت زاوية للتدبر والنظر دون تعميم في شعوب العالم، التي يعلم الله مصير موتها وكيف ماتت).

أرقام الأموات التي نسمعها يوميا تبعث لنا رسائل جمة منها، أن الذي يعيش دون قيمة هو إنسان لا يفقه معنى وجوده، يعيش وجودا وحياة دون هدف، دون تنزيل لمنهاج الوحي تربية وعلما وعملا وتغييرا، أما الإنسان الذي كان يعيش لمشروع الوحي والقرآن والاستخلاف، فقد وعى معنى الوجود والحياة كما فقهها الأنبياء والفاتحون ورجال التحرير والمقاومة.

حاولت أن أرصد في التاريخ المعاصر مثالا من الأمثلة الجمة المبشرة، لشعب أعاد للأمة معنى الحياة والاستخلاف في الأرض، وأحيا معنى الوجود والإنسان في أرض مقدسة اسمها فلسطين.

وجدت قوما بشرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالظاهرية على الحق،  شعب عاش رجاله فماتوا دون أرقام تحصى وتركوا صفحات وسيرا تروى، بل حققوا معنى صناعة الموت بعبودية، رجال عاشوا الموت والشهادة قبل وباء كورونا، بل منذ قرن من الزمن عاشوا الاحتلال والتصفية في بقعة مقدسة اسمها بيت المقدس وغزة.

هم رجال اختلف موتهم عن الموت الذي نسمعه اليوم بالأرقام، ليعيدوا لنا بين أنظارنا معنى “صناعة الموت”،  صناعة غيرت الأحداث، وصنعت الأجيال، وحققت الانتصارات استمرارا لمشروع التحرير والتغيير والمقاومة.

الأرقميون.. الْمُقَاوِمُونَ

قبل الوباء ومنذ قرن، وفي بيت المقدس وغزة، كان هناك شعب وإنسان واجه الوباء الكبير وهو الصهيونية، شعب صار مثالا في إحياء معنى الإنسان الحي الذي يبقى خالدا بنوره وبركته وسيرته بعد استشهاده في معارك المقاومة والتحرير.

رجال المقاومة والشهادة والفرقان لم يكونوا أرقاما تموت ولا تذكر ولا يستمر إرثها ونورها، بل كانوا عبرة في إحياء معنى “الأرقمية الإنسانية” التي تكرع من معين إنسان الصحابي الأرقم بن أبي الأرقم، عوض “الأرقامية” الزائفة في حياة الإنسان.

الأرقمية تدفعك لتضع بصمتك في الأرض، وتعيش معنى العبودية الحقيقية تربية وعلما وزحفا، أما الأرقامية فحياة تدفعك للعيش لتأكل، ثم تموت، كرقم مر من هنا، دون هدف واستخلاف في الأرض، وعيش في معنى أن تكون أرقميا له هدف الخلاص الفردي والجماعي لتطهير الأرض من أي عدو ووباء صهيوني.

طالع أيضا  عملية سلفيت تنشر الفرحة في فلسطين.. والحصيلة ترتفع إلى ثلاثة قتلى

كان رجال المقاومة عنوان الإنسان الذي يسعى إلى الانتقال من إنسان الغثائية والأعرابية، التي تعيش الوهن والدعة وانعدام الحياة، إلى إنسان يشبه طينة الصحابي الأرقم بن أبي الأرقم رضي الله عنه، الذي كان صحابيا عابدا، فاتحا لقلبه، وبيته ووقته، لنصرة الإسلام ومشروع الاستخلاف في الأرض لتطهيرها من كل دنس.

كان رجال المقاومة رموزا قيمة وأرواحا تذكر، أرقميون عرفوا سر الحياة والوباء الحقيقي والعدو، فجمعوا بين عبادة الله ذكرا وقرآنا وعلما، وبين مواجهة العدو العالمي الصهيوني قوة وبأسا وجوسا خلال الديار والأنفاق. هم  ليسوا أرقاما تموت  كالإنسان الرقم، بل هم كباقي معادن الأمة وخيارها ورجالها، مختلفون عن إنسان المادة والرقم والدوابية، لأنهم أمة نابوا عن الأمة المحمدية، وحملوا عنوان الإنسان والنيابة عن الأمة والعالم الغافل، ليعيدوا للإنسان سؤال المعنى، والانتماء إلى الأمة الشاهدة بالقسط.

هذا الفقه الأرقمي للمقاومة، نابع من تربية وإعداد، تعلموه من رجال رؤية ومشروع، ليواجهوا أشد عداء ووباء في العالمين، وهو العدو الصهيوني، وباء شتت الأمة وأخرج أوراقه الأمريكية والعربية، لتقسيم المقسم في الشعوب، وتصفية مقومات القوة في الأمة، والمقاومة بصفقات مهترئة.

هذه النيابة في خلد هؤلاء الرجال المقاومين، هي نيابة عن الأمة في الدفاع وتنزيل مشروع النبوة، مشروع قوامه التغيير والتحرير والنصرة والجهاد، وهي نفس النيابة التي جعلت النبي صلى الله عليه وسلم يشرفهم بوسام الظاهرين، القاهرين للعدو، في بشارته في حديثه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين لعدوهم قاهرين لا يضرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك” قالوا: يا رسول الله وأين هم؟ قال: “ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس”. رواه الإمام أحمد). وأظن الواقع اليوم يشهد أن هؤلاء الرجال في بيت المقدس وغزة هم رجال رباط وظهور بالحق، يصطفون كذلك مع باقي رجال البركة والخير والحق في باقي ربوع الأمة والشعوب، لا يضرهم من خذلهم من أنظمة مستبدة ومطبعين ومنهزمين.

الأرقمية وَمَعْنَى الْإِنْسَان

جمع هؤلاء الرجال في المقاومة بين روح الأرقمية التي عرفت معنى إنسانيتها، وبين روح الظاهرين بالحق الذين عاشوا للآخرة والأمة، لتطهير الأرض من الدنس الصهيوني، ليعيش العالم في سلام دون فساد وإفساد.

هو إفساد خلف تأثيرا في الإنسان وفطرته وفكرته، فعم الفساد وتفشت الأوبئة والفتن، لأن في الأرض خللا أو جرما أخل بميزان الأرض، ولا بد من زواله لإقامة العدل والاستخلاف في الأرض.

ولربما جنود الله في قدره يبعثها كما شاء، لإعادة ترتيب الأرض، والتمهيد لمستقبل يحتاج إلى مشروع الوحي وأمانة أمة، وإمامة أمة، كي تعوض مزالق الأمم الاستكبارية الجشعة.

طالع أيضا  رغم التضييق.. إحصاء 4367 عملاً مقاوماً بالضفة خلال عام 2018

رسالتي أننا حين نرى في شاشاتنا ونحن في حجرنا الإيماني العشرات من الناس يموتون بكورونا، لا بد من استيعاب الدروس، ونتذكر أن أحسن العبادة هي تلك التي وصفها الله في قوله تعالى : (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا).

وفي الأمة وبيت المقدس شهدنا رجالا بنفس الوصف، رجال كانوا في أنفاق المقاومة والآفاق والإنفاق من وقتهم، يصومون ويتعبدون ويحفظون القرآن، ويتعلمون الفقه والعلوم الكونية ويصنعوا الطائرات، ويثغرون ويرابطون وينوبون عن الأمة. حياتهم كانت في الأنفاق، لكن كان نفقا يشبه دار الأرقم بن أبي الأرقم، نفق أرقمي تخرج من محضنه رجال وعباد لا يخافون في الله لومة لائم، كعز الدين القسام، وصلاح شحادة، ويحيي عياش، وأحمد ياسين، ونور بركة رحمهم الله.

عجبا، هم أرقميون، هم لا يخشون الموت بل يصنعونه، ويستعدون له في حياتهم بالانخراط في مشروع الوحي والنبوة، دون كسل أو دعة، أو انزواء، أو طلب لفتات موائد السلاطين لنيل دراهم معدودة.

مِنَ الْإِنْسَانِ الرَّقْمَ إِلَى الْإِنْسَانِ الأرقم

هؤلاء علمونا أن الإنسان الرقم يعيش، ثم يموت دون هدف، وهو ما ربت الحضارة الغربية المادية إنسانها ورقمها عليه، أما إنسان الأرقم ودار النفق وغزة وفلسطين، فيعيش ليموت ليحيا عند ربه، برزق كريم من لدن كريم، ليحيي بعده الأجيال والأولاد بعلم تركه ونور وإرث وبركة.

هو نور الوحي والتغيير، وفقه وفهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ورؤية صلاح الدين الأيوبي رحمه الله، وإرث أحمد ياسين ونور بركة القسامي رحمهم الله.

هؤلاء الرجال في الأنفاق علمونا أن الحياة واحدة، فحين كان الكون هادئا وكانت الأرض دون وباء كورونا، كانت الأرقمية الغازية الغزية تمشي في الأرض في بيت المقدس وغزة، تواجه العدو العالمي والوباء الأشد، وتطهر الأرض من دنسه، هو مرض كان السبب الرئيس في تفشي وباء الأنظمة الدكتاتورية، ووباء المصلحة المادية والأنانية، ووباء الاستكبار الأمريكي، ووباء التطبيع وصفقات قرن، ووباء تمزيق الأمة، بل والتأثير على الأرض جوا وبرا وبحرا وطبيعة…

كانت الأرقمية الصانعة الشاهدة بالقسط في كل بيت المقدس، بل وفي باقي شعوب الأمة، تشكل قوة النيابة في الأرض، التي تعمل في بيوتها ومحاضنها لتربية جيل التحرير، لعل الأمة تنتقل بعد الوباء من الغثائية إلى الجندية والإمامة، وتتعلم علم الأرقمية من رجال المقاومة والأنفاق، من تربوا وتعلموا وصنعوا الأحداث والنصر والموت، فكانوا عنوان التجديد لمعنى “لا تكن رقما وتموت دون عمل صنعته لأمتك ودينك وعالمك”، بل كن أرقميا له هدف وقصد وبوصلة، القصد هو الله، والبوصلة تحرير الأرض من الأنظمة الدكتاتورية، وتحرير بعد ذلك لبيت المقدس حتى نحرر الأرض من الاستعلاء والإفساد الصهيوني، فتعيش البشرية والأرض في سلام وأمان.

طالع أيضا  ﻗﻮاﻋﺪ اﻟﻘﻮة.. اﻟﺮﺑﺎط واﻟﻤﻘﺎوﻣﺔ واﻷﻣﺔ واﻷﻗﻠﯿﺎت

العبودية الشمولية

تحقيق هذه الأرقمية هي العبودية الشمولية التي ينبغي أن نربي عليها أمتنا اليوم قبل الوباء وبعده، ليكون سوادها قوة التغيير المستقبلي، لنتحرر أولا من الأنظمة الدكتاتورية العربية في مرحلة ثانية من حراك قادم بعد الوباء، ثم في مرحلة قادمة لنتحرر من وباء الصهيونية لتحرير بيت المقدس وتحقيق وعد الله وعد الآخرة.

كل هذا لا بد منه لإعادة التوازن في الأرض، لاستبدال أمة لها قيم ومشروع حي يحتاجه عالم سقط في شرك الرأسمالية، وروح الصهيونية، بهذه الأمم الضعيفة. كل هذا لإعادة روح الاستقرار واللاتبديل، هي سنة الله في قول الله: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا، فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا، لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ، ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)، فلا تبدل وكن أرقميا لا رقميا.

سُنَّةُ الْاِسْتِعْمَالِ وَالْاِسْتِبْدَالِ

شكرا للأرض المقدسة التي حافظت على المقدس في المعنى للإنسان والاستخلاف في الأرض، وربتنا كيف تكون الحياة دون غثائية، وكيف يكون الإنسان دوما في إمامة وجندية.

إذن أيها الإنسان الذي قرأ هذا المقال أو وعاه وبلغه، هل أنت مستعد لتكون في صف الأمة الخيرية لتنال خيرية الاستعمال، أم ترغب في الاستبدال، أن يستبدلك الله فتكون رقما عاش فمات ببساطة؟

أترغب أن تكون ممن يستبدلون وينعطفون عن طريق المنهاج والإحسان، ذاك الانعطاف الذي قال فيه الله تعالى في سورة التوبة: إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا[39], وفي موضع ثاني، في سورة محمد أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ  وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ  وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم[38].أم تختار أن تكون ممن يستعملهم الله تعالى في إعداد أمة الإمامة والشهود، لتغيير الأرض لتنال الخيرية، وتفوز بفتح الله تعالى لك قبل موتك، ذاك الفتح والخير الذي جعله النبي صلى الله عليه وسلم مقترنا بالاستعمال في الخير، والعمل مع الأمة، ومع نصرة المسجد الأقصى، تلك الخيرية التي بشر بها النبي صلى الله عليه وسلم في سنته، وذاك الفتح الذي بشر به النبي صلى الله عليه وسلم. فتح ورضا من الله يصيب الإنسان، عن عمرو بن الحمق الخزاعي، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا أراد الله بعبْدٍ خيرًا استعمله)، قيل: وما استعمله؟ قال: (يفتَح له عملًا صالحًا بين يَدَي مَوْته، حتى يرضَى عنه مَنْ حولَه) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، والإمام أحمد في مسنده.

فاختر بين استعمال أو استبدال، بين مشروع الأرقمية أو حياة الرقمية.