ليس من الصعب الإقرار، خاصة ونحن في الشهر الثاني من أزمة الوباء القاتل، بأن ما قبلها لن يكون كما بعدها وعلى مستويات عدة، فقد تغيرت ألفاظ “ترامب” وهو يتحدث عن الحجر العام الذي سيجعل إنجازاته الاقتصادية في مهب الريح، ودخل رئيس الوزراء البريطاني الحجر الانفرادي، أما أوروبا فقد بدت تكتلاتها لا تسمن ولا تغني من جوع بل وحتى ما كانت تفتخر به من مبادئ، والعالم أجمع يراقب رواد المدنية وهم يتحولون إلى قطاع طرق فقط من أجل كمامات رخيصة.

أما المنظمات العالمية من مثل الأمم المتحدة فقد أسلمت الأمر لرائدة الصحة العالمية التي باتت قناة أخبار الفيروس عبر العالم لا أقل ولا أكثر، فيما أصبح رواد البورصات العالمية متفرجون عبر الشاشات يراقبون الأسهم وهي تتهاوى تباعا بعد كل فجر جديد.

وحتما سيزداد تعداد التبدلات التي بدت وكأنها لا تحاول بسط ملامح بسيطة على العالم بقدر ما تعمل على قلب الموازين وفتح صفحات جديدة ليس لها أية علاقة بالتي سبقتها.

لقد حاول مجموعة من الباحثين تلمُّس ملامح كل هذه التحولات من خلال وضع سيناريوهات محتملة للعالم والأوطان في السياسة والاقتصاد وغيرها، رغم أن ذلك كله بدا مؤقتا إلى حين إعلان ساعة الصفر الأخرى.

فإذا كانت للحربين العالميتين اليد الطولى في تحديد الأدوار على رقعة الشطرنج العالمية بعدها، وحددت الملك والملكة والخيول والعسكر بل وحتى العبيد والجواري، فإن ذلك كله كان مفهوما على اعتبار أن الحرب لا تقف إلا على منتصر ومنهزم، وبالتالي إملاء المنتصر قوله على صاحبه دون قيد أو شرط. 

فالعهود والمواثيق “الكونية”، رغم ما تظهره من إنسانية، لكنها عبارة عن بنود عظمى تشرعن للقوي أكل الضعيف باسم القانون وتحت إمرته و”فيتو” مجلس الأمن شاهد على كل ذلك.

طالع أيضا  في فَيْءِ الحِجْر الصِّحِّـيِّ

أما جديد اليوم فهو كون الخطب لا يفترض بعده رابحا، بل الكل خاسر مع سبق الإصرار والترصد.

فهل من جديد سيرمي بظلاله على إحدى أكبر معضلات العولمة والثورة التكنولوجية ألا وهي القيم، وهي التي بات القاصي والداني يلحظ أزمتها لدى منتظم الحداثة ورواد “الحق والقانون”؟

يجدر القول بداية أن بناء القيم عرف منحى مغايرا لما كان عليه في حضارات ما قبل ثورة “الحداثة”، إذ أنه ورغم الاختلافات التي كانت بين الحضارات الكبرى مثل اليونان والرومان والحضارة الإسلامية فإن القاسم المشترك بينها هو وجود منظومة قيم تؤطر المجتمع وتجعله مرتبطا بأخلاقيات وسلوكيات معينة.

في حين وابتداء من العصر الحديث سترتبط إشكالية القيم بمدى فصلها عن السلطة الدينية وتأسيس قيم دنيوية يكون مرجعها الوحيد هو العقل ومعيارها الإنسان. فصار بذلك الحديث عن الفن كحامل للقيم، بل وأصبح الكلام عن دور الفرد في إنتاج قيم تتوافق ورؤيته للعالم والوجود والأشياء.

فلم تعد القيم تستمد وجودها إلا من الانسان والواقع، الشيء الذي جعل المنفعة الفردية والآنية هي الغاية والمنتهى، حتى أن الانتاج والاستهلاك صار غاية تطلب لذاتها.

لقد حلت نزوات كالرغبة والجنس والشدود والمثلية والجشع … محل قيم العفة والشجاعة والتضحية، بل وعوض حتى تلك التي يدعي الغرب أنها وليدة عصر الأنوار مثل العدالة والحرية والمساواة وغيرها.

أما السياسة فلم تسلم من هذه الأزمة أيضا، إذ لم تعد أحد مجالات المعارضة والمناظرة الفكرية وتغيير الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية بل أصبحت السياسية حكرا على أفراد وجماعات معينة، أما أزمة اللغة والثقافة فحدث ولا حرج، ولعل كلمة التفاهة كافية لوصف ما آل إليه حالهما خاصة في العقدين الأخيرين.

ولقد أجمع المتخصصون على أن أزمة القيم هذه والتي تعيشها المجتمعات المعاصرة ما هي إلا نتيجة انسحاب الأنساق والمعايير كالدين والفلسفة والتاريخ… والتي كانت تلعب دورا أساسيا في تشكيل منظومة القيم داخل المجتمعات، وفي هذا الإطار نسوق نصا لأمانويل طود في كتابه ما بعد الديمقراطية، “ما نعيشه من حالة تبعث على الأسى مرده بالأساس أزمة دينية، فما حدث ما بين 1965 و2007 هو كما لو أن انهيار معاقل العقيدة أدى إلى حركة تحلل سياسي شامل… لقد انتصر الإلحاد. وهو من دون شك مرادف للحرية..”.

طالع أيضا  سوق الأربعاء بين التخفيف الوطني والتجفيف المحلي

بل إنّ تحليل الحداثة على الصعيد التاريخي والاجتماعي قد مكّن من الكشف عن الأسس التي تقوم عليها الحداثة كجانب من جوانب الحضارة الغربية على العموم: فالحداثة انتقدت ورفضت الكنيسة ووقفت موقفاً مضاداً لكلّ القيم المفروضة على المجتمع باسم الدين كما تمليه الكنيسة، وطرحت البديل المتمثل في الإنسان والحرية والعقل وما ينتج عنه من علم وتقدم. لتنسحب هذه الصيغة على باقي مجتمعات المعمور المغلوبة على أمرها بغض النظر عن دينها ومعتقدها.

ولقد حاول علم الاجتماع أيضا، وهو علم يدرس الواقع كما هو، فك لغز هذه الأزمة من دون استحضار الغيب وتعاليمه، لكن التفكير الوضعي لم يكن ليطرح مشكلة مصير الإنسانية، ذلك أنه كان مجرّد انعكاس للواقع، فمشكلة المصير عندما تطرح فهي لا تتعدى المصير الدنيوي.

 أما في الفلسفة فـــ “قد انتقد نيتشه بصورة جذرية الفكر الغربي خاصة القيم الأخلاقية، وتساءل عن مصير الإنسان وعن غاية الحياة الإنسانية، ولكنه بسبب انقطاع فلسفته عن الغيب، بقي منحصراً ضمن معطيات الفكر الغربي، فالمثل الأعلى الذي تصوره نيتشه هو الإنسان الأعلى، وليس هذا المثل الأعلى إلا رد فعل للأخلاق المسيحية كما تجسدت في الكنيسة، فنيتشه أعاد النظر في القيم الأخلاقية، ولكنه انتهى إلى قيم وكأنها ليست قيماً، انتهى إلى قيم ضد القيم”.

في المحصلة لقد أصبح العالم يعيش أزمة متكاملة الأركان، فهل سنرى قفزة نوعية جديدة نحو عالم أكثر تصالحا مع قيم الفضل والإنسانية أم على العكس من ذلك سنستقبل موجة جديدة أكثر حدة من الجشع والعولمة المقيتة؟ أو وبعبارة أخرى ألا يمكن القول بأن جائحة كرونا هذه بما تتصف به من شمولية وقوة تستطيع جعل الأنساق الدينية خاصة، تستعيد وضعها المعرفي، للعودة للانخراط في قضايا المجتمع مرة أخرى؟

طالع أيضا  شهداء قطاع الصحة

نستطيع القول أن أزمة الوباء هذه قد فتحت الباب للحديث عن القيم بداية، ثم في مقام آخر الحديث عن القيم ذات الأساس الديني والعقدي ثانيا.

لقد كان حديث التضرع لله، رافع البلاء ومنجي الناس من كل بلية، في بدايات تواتر أخبار الوباء من بلاد الصين، محط سخرية وازدراء ممن اعتبروا أنفسهم حاملي لواء العقل والمدنية، أما الآن وقد صار الدعاء مطية كل العالم فيمكن القول أننا أمام هزة نوعية ستعيد للغيب مكانته، وبالتالي ستجعل الدين والدين الإسلامي على وجه الخصوص باعتباره الدين الوحيد الذي برزت تعاليمه وكأنها مستعدة أشد ما يكون الاستعداد لمثل هذه الوقائع، يظهر ذلك في حجم وتعداد الأحاديث والفتاوى الفقهية التي تؤطر زمن الوباء وتقدم إجراءات دفعه، يستعيد ريادته في الفكر والحياة وبالتالي ريادة منظومة القيم والأخلاق العالمية.