سلطت المجلة الفرنسية الشهرية لوموند ديبلوماتيك “Le Monde diplomatique”، المهتمة بتحليل الآراء السياسية والشؤون المعاصرة، الضوء على العديد من الاختلالات الهيكلية والبنيوية التي يعرفها المغربي، وهو يعيد التفكير في التجربة التنموية بالمغرب، في سياق يتسم بتفاقم التفاوتات الاجتماعية، وبالتأخر المتراكم في مجالات مثل التعليم والصحة، وكذا باستمرار الاحتجاج الشعبي متجسداً في حراك الريف.

التقرير الذي أعدّه بيير بيشو “Pierre Puchot” شهر أبريل 2020، وحمل عنوانا صادما “في المغرب يعاملونك كما لو كنت حشرة!”، تساءل عمّن يعرف جواب سؤال “أين يسير المغرب”؟ إن كان الملك نفسه لا يعرف ذلك! حيث اعترف محمد السادس بمحدودية النموذج الذي ورثه عن نظام حكم والده، وأقرّ رسمياً في خطابه للشعب المغربي عشية عيد العرش يوليوز 2019 قائلاً: “ومن منطلق الوضوح والموضوعية، فإن ما يؤثر على هذه الحصيلة الإيجابية، هو أن آثار هذا التقدم وهذه المنجزات، لم تشمل، بما يكفي، مع الأسف، جميع فئات المجتمع المغربي”.

إنها ملكية تبذل قوتها في ترويج وتعزيز اقتصاد ليبيرالي متقدم للغاية، يوضح التقرير، من خلال تحقيق مشاريع واعدة من قبيل خط السكة الحديدية فائق السرعة (TGV) الدار البيضاء – طنجة، والمنطقة الاقتصادية والصناعية ميناء طنجة المتوسط، ومسرح محمد السادس بالدار البيضاء، ومشاريع جديدة لتشييد الطرق السيارة إلخ. هذه المشاريع الكبرى، والتي هي في الحقيقة مشاريع ذات إشعاع دولي، مكّنت الملك من تجاوز عتبة العشرين سنة فوق سدة الحكم “بسلام”، دون أن تطاله أقلام الصحافة بما فيها الصحافة الفرنسية. فمن باريس أو من وسط مدينة الرباط، يبدو المغرب دائماً مثل النسر الذي يحلق فوق قمم الاقتصاد الإفريقي، ويندمج بسهولة في سلاسل القيمة العالمية، بأن يصبح منتجاً من الوزن الثقيل في صناعة السيارات وصناعة الطيران على سبيل المثال.

لكن “الأوهام في المغرب تتبخر مثل طبقات المياه الجوفية” تحت تأثير النقص المزدوج لإيرادات السياحة، والتي ستتأثر بالتأكيد بوباء Covid-19، وللزراعة (انظر الأخبار حول مفاقمة الجفاف لصعوبات المملكة).

وعقب خطاب القصر، أُفسِح المجال للنقد “المسموح به” للتوزيع غير الكافي للثروة. كما نبّه كل من المجلس الأعلى للحسابات وبنك المغرب (البنك المركزي) والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي (CESE) بالمشاكل الهيكلية للبلاد في تقاريرهم الأخيرة.

ويبدو كل شيء في الظاهر على ما يرام، إذ من المتوقع أن يبلغ معدل النمو السنوي للناتج الداخلي الإجمالي (PIB) %3.5 سنة 2020، وأن يتم التحكم في مؤشر الأسعار في حدود زيادة طفيفة قدرت في %0.6+، ونسبة البطالة %9.2 سنة 2019 (مقابل %9.8 سنة 2018). ففي نهاية أكتوبر الماضي، وأمام حشد من الممثلين الدوليين (من ألمانيا وسويسرا والبنك الدولي…)، وزّع رئيس الحكومة المغربي سعد الدين العثماني كل الابتسامات المزينة بالرقم “53”، مثل رقم ترتيب المغرب في مؤشر ممارسة الأعمال “Doing Business” 2020 الذي يصدره البنك الدولي كل سنة، إذ تقدمت المملكة بسبع رتب.

ورغم ذلك، تبقى الأقلية فقط هي المحظوظة في الحصول على جزء من الكعكة. فشكل مغرب “عهد محمد السادس” يتغير كلما تحدثنا عن المؤشرات الحقيقية ذات الأهمية، والتي تكشف عن واقع المجتمع، فمؤشر التنمية البشرية (HDI) الذي أنشأه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) “لا يكذب”، وقد جاء المغرب في الرتبة 121 سنة 2019، ضمن فئة “التنمية البشرية المتوسطة”، متخلفاً بشكل كبير عن الجزائر التي جاءت في الرتبة 82، وتونس التي جاءت في الرتبة 91، وهما دولتان مصنفتان في خانة “التنمية البشرية العالية”. الشيء الذي يُزعج النخبة المغربية التي لا تنفك تشيد بمزايا المملكة، مركِّزةً في أغلب الأحيان على أوضاع النزاع لدى جيرانها.

ويعكس هذا الترتيب (أي الرتبة 121) واقعاً صادماً للغاية. فحسب المتخصص في التنمية المحلية السيد الطيب عيسى “Taïeb Aisse”، يعيش %10 من المغاربة في حالة الفقر المدقع الكلي، أي “من دون دخل يذكر”، وهذا أمر خطير جداً. وينضاف إلى هذا العوز المطلق، معاناة الطبقة الوسطى أيضاً من الفجوة الهائلة بين “الواجهة الزجاجية” للبلد وبين حقيقته في الواقع.

تخلف الدولة في مجال التربية والتعليم

تظهر هذه الواجهة الزجاجية أكثر كلما انتقلنا إلى شمال البلاد. فمحطة القطار الدار البيضاء-المسافرين لا تنقص إشراقاً ولمعاناً عن مثيلتها في الرباط أو طنجة، غير أنه من خلال نوافذ TGV الذي يسير بسرعة 314 كيلومتر في الساعة على طول المحيط الأطلنتي، نلاحظ، منذ الدقائق الأولى، مساحات شاسعة من الأراضي مغطاة بشكل جزئي بمساكن من القصدير والكتل الخرسانية.

ويذكر أن السلطات كانت قد أفرغت الأحياء الصفيحية الفقيرة مثل سيدي مومن الذي كان جيبا للفقر على أبواب مدينة الدار البيضاء، والذي انطلق منه الإرهابيون الذين ارتكبوا هجمات 2003. وشيئا فشيئا تم ترحيل السكان إلى مجمعات كبيرة في جنبات المدينة، تتكون من مباني لا تتجاوز خمسة طوابق، وبدون بنيات تحتية أو نقل. وتذكرنا هذه المجمعات المحدثة على عجل بالخيار الذي اتخذته فرنسا خلال الخمسينات والستينات من القرن الماضي والذي لم تتعافى منه ضواحيها أبدا. فنحن “لا نحل مشكلة الفقر، بل ننقلها بعيدا عن وسط المدن ومراكز الزوار الأجانب”.

على امتداد طول الشاطئ، وبعد الانتهاء من تشييده السنة الماضية، قضى ممشى طنجة على الحانات القديمة، كما طرد المتسكعين المخمورين وتجار المخدرات بأنواعها. في حين تمنح أسوار المدينة المضيئة في الليل إطلالة بهية على خليج جبل طارق. غير أن مخاوف الساكنة ليست هنا. تحكي السيدة سميرة، أستاذة في إحدى الثانويات الإعدادية بالمدينة تبلغ من العمر 30 سنة، بألم ومرارة كبيرين قائلة: “الأمر بسيط في المغرب: إذ لا يوجد شيء يمكن القيام به، المتاعب والمعاناة في كل مكان، حتى من أجل استخراج أبسط الوثائق الإدارية … يعاملونك كما لو كنت حشرة”. تجسد التجربة الشخصية لهذه السيدة تخلف الدولة في أحد المجالات التي يأخذها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بعين الاعتبار في تصنيفه، ألا وهو مجال التربية والتعليم.

طالع أيضا  بيان القطاع النسائي بأكادير عقب الحادث المأساوي: وتتوالى فواجع حكرة المرأة العاملة

ثمانية عشر شهرا قضتها هذه السيدة الشابة في حالة اكتئاب، تمت معالجتها بمزيلات القلق، لكنها بالكاد تتعافى منها. وتشرح، وهي التي تستعد كل يوم لتقديم دروس في مادة اللغة الفرنسية لفصل يتكون من 49 تلميذا مقابل 520 أورو في الشهر، قائلة: “المشكل ليس في كون الحي فقيرا بشكل خاص، إذ أن جميع التلاميذ يتوفرون على هواتف وألواح ذكية، لكن ظروف التدريس لا تطاق”. وتضيف: “لقد ترعرعت في قرية نائية خالية من كل شيء، ولكن رغم ذلك، أتيحت لنا الفرصة في المدرسة العمومية للتخرج والانتقال، أما المستوى اليوم فهو متدنٍ جداً”.

تلجأ العائلات الميسورة الحال إلى تدريس أبنائها في المدارس الخاصة التي تتباين هي الأخرى على مستويات عدة، كما هو الشأن بالنسبة للمدارس العمومية، وقد سلطت العديد من التقارير المغربية والدولية الضوء على هذه الوضعية الحرجة. حيث اعتبرت دراسةٌ نُشرت في المجلة الدولية للتعليم بسيفر “la Revue internationale d’éducation de Sèvres” (بفرنسا) أن: “الإصلاح الجذري والحيوي هو الذي سيسمح للنظام التعليمي المغربي بالتقدم وتحقيق المهام المنوطة به”.

بعد تعيينه للتو رئيسا للحكومة في دجنبر من سنة 2017، أشار السيد العثماني إلى إجراء صادم ألا وهو إنهاء مجانية التعليم العالي. وهو اختيار لم يصادق عليه المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي الذي علق رئيسه أحمد رضا الشامي، الإطار السابق في شركة مايكروسوفت والذي شغل منصب وزير الصناعة في الفترة الممتدة بين 2007 و2012، قائلاً: “إننا نجعل المواطنين يدفعون مرتين: أولاً عن طريق الضرائب، وثانياً بدفعهم إلى تدريس أبنائهم في المدارس الخاصة”. ومع ذلك، يدافع رئيس الحكومة عن هذا الإجراء وعن حصيلته قائلاً: “لقد قللنا بشكل كبير من عدد التلاميذ في كل فصل، إذ صار من الآن فصاعدا في حدود أربعين تلميذاً. وقد أكدنا أن تسعة وأربعين تلميذا كان استثناء فقط. وبشكل عام، فقد نجحنا في تخفيض نسبة الفقر بمعدل النصف منذ سنة 2004، والمغرب يسير قُدما إلى الأمام”. السيدة “ت” (فضلت عدم ذكر اسمها) لا تحلم إلا بمغادرة البلد، وتأمل بعد مضي سنتين من الآن أن تستقر في كندا حيث “ستحظى بكرامتها”.

المعيار الثاني الذي يؤخذ بعين الاعتبار في تصنيف الدول حسب مؤشر التنمية البشرية HDI هو الصحة. “في المغرب، يجب، بكل بساطة، إنشاء نظام صحي كامل من جديد”، بهذه الكلمات تأسف السيد عثمان بومعليف الطبيب العام البالغ من العمر 38 عاما، والذي ينتمي إلى جيل مناضلي حركة “20 فبراير” التي ظهرت في أعقاب ثورات شعبية في كل من تونس ومصر سنة 2011، والذي يرأس حركة أنفاس ديمقراطية التي تصدر بانتظام ملاحظات حول الاقتصاد والمجتمع. ويضيف: ما جدوى المؤسسات البراقة الجديدة التي أنشئت بالشراكة مع دول الخليج؟ “إننا نبني حفنة من المستشفيات كواجهات زجاجية للعرض، ونجهزها تجهيزا جيدا، ولكن لا أحد يستطيع تحمل نفقات التطبيب فيها. وإلى جانب هذا، يبقى المغرب صحراء طبية ضخمة، إلى درجة أن العديد من الممارسين في الميدان الطبي لدينا يهاجرون إلى ألمانيا، حيث صار بالإمكان الاعتراف بشواهدهم”.

كيف يمكن تفسير هذا التفاوت الكبير بين المعطيات الاقتصادية الكبرى الــمُرضية نوعاً ما، والبنى التحتية اللامعة والبراقة، وبين العجز الهائل في الخدمات الحكومية الأساسية؟ يرى الخبير والمحلل الاقتصادي نجيب أقصبي، الذي تقاعد لتوه من مدرسة الزراعة بالرباط، أنه “يجب الربط بين النظام السياسي والمشاكل الاقتصادية للبلاد”. إذ من بين القرارات الخاطئة التي لا يجب الاستمرار فيها هي إعطاء الأولوية لمشاريع تشييد الطرق السيارة في ظل غياب شبه تام لشبكة الطرق القروية التي تربط المراكز القروية فيما بينها في جل مناطق المملكة. كيف لا ونحن نلاحظ أن مسار الطريق السيار بين وجدة وفاس لا يعمل إلا بنسبة %10 من طاقته نظرا لتكلفته الباهظة. وبالتالي، فإن “خيارات الاستثمار التي يقررها النظام السياسي لا علاقة لها بتاتا باحتياجات الساكنة”.

وعليه، فإن غياب الموارد ليس السبب الرئيس في الاختلالات الاقتصادية، يتابع الخبير والمحلل الاقتصادي نجيب أقصبي قائلاً: “إننا نتوفر على معدل استثمار جيد يبلغ %32، لكنه لا يولد نمواً اقتصادياً بالمستوى الذي نطمح إليه، كما لا يساهم في خلق فرص شغل كافية. لماذا؟ لأنه قبل 10 سنوات، كانت تمثل نقطة نمو واحدة ما مجموعه 35000 منصب شغل، بينما تمثل اليوم أقل من 10000 منصب. وذلك لأن المشاريع الكبرى تشغل العمال لفترة محدودة فقط، زد على ذلك أن نسبة %70 من رؤوس الأموال المستثمرة هي من الصناديق العمومية. وهنا يتمثل الفشل الأول لـ “النموذج التنموي المغربي”!

طالع أيضا  رغم الواقع الصعب.. عقول مغربية تسطع في سماء العالم

لقد كانت المراهنة بكل شيء على اقتصاد السوق وعلى القطاع الخاص أحد الخيارات الاستراتيجية للنظام السياسي على مدى خمسين سنة، إذ كان يحظى القطاع الخاص بدعم كبير من الدولة على أمل أن يحقق الاكتفاء الذاتي ويصبح المستثمر الرئيسي في البلاد. إلا أن هذا الرهان شكل نقطة فشل واضحةً جداً. فبالإضافة إلى استثماراته الضئيلة، لا يشغل القطاع الخاص سوى %10 من السكان النشيطين (أي ما يقارب 1.2 مليون شخص من أصل 12 مليونا من مجموع السكان البالغ عددهم 36.6 مليون نسمة). تنضاف إلى ذلك ظاهرة أخرى ملحوظة ألا وهي ظاهرة الموظفين الأشباح. إذ من بين هؤلاء السكان النشيطين البالغ عددهم 12 مليونا، هناك مليونا موظف شبح لا يتقاضون أي أجر، وهم إما فئة المزارعين الذين يعملون في الفلاحة المعيشية لعائلاتهم أو الشباب الذين يعملون في الحرف التقليدية.

يوضح السيد أحمد رضا الشامي قائلاً: “لقد فشلنا في تحقيق معدل النمو من 6 إلى %7 كما توقعنا ذلك، ويجب علينا من الآن فصاعدا البحث عن تنمية أكثر استدامة تعود بالنفع على المزيد من الساكنة. لقد استثمرنا كثيرا في التجهيزات (أي البنى التحتية)، ولم نستثمر بما فيه الكفاية في البرمجيات (بمعنى أنها قيمة مضافة!)”. غير أن هذه “الاستعارة المبهرة” سرعان ما تنكشف عورتها عندما تغيب معظم الخدمات الأساسية في جنوب البلاد. ألم يكن من الأجدى إقامة خط للسكك الحديدية يربط أكادير التي تعد أحد المنتجعات الرئيسية في البلاد، ومعبرا مهما إلى المناطق الجنوبية، عوض إغراق البلد في دين لشركة TGV خاصة وأنه يوجد من قبل خط للسكة الحديدية بين الدار البيضاء وطنجة؟

خط القطار فائق السرعة TGV المثير للجدل

لقد أربك هذا التساؤل حسابات رئيس الحكومة سعد الدين العثماني، الذي ينحدر أيضا هو الآخر من منطقة سوس التي تقع جنوب غرب المغرب، لكنه أوضح قائلا: “لقد تم اتخاذ القرار بالفعل قبل أن أتقلد مهامي كرئيس للحكومة، لذا فالخطأ ليس خطئي، لكنني أرى أن نحافظ على خط القطار فائق السرعة TGV ونحاول إنشاء خط للسكة الحديدية نحو أكادير”. والواقع أن العديد من مواطنيه لا يشاطرونه هذا الرأي. فالقطار فائق السرعة TGV يعد كارثة على البلد، حسب الخبير الاقتصادي نجيب أقصبي، الذي يشير إلى أنه كان يجب في البداية أن يتراوح سعر التذاكر بين 80 و120 أورو من أجل أن تذر شركة LGV أرباحها المتوقعة. لكن بما أن ذلك يفوق القدرة الشرائية للطبقة الوسطى المغربية، قامت الدولة بتخفيض ثمن التذاكر وصارت الرحلة من الدار البيضاء إلى طنجة تُكلف أقل من 25 أورو، “ويدفع المكتب الوطني للسكك الحديدية ONCF الفرق المتبقي، مما يفاقم من عجزه الذي يتعين سداده من أموال دافعي الضرائب. فما لا ندفعه أثناء شرائنا للتذكرة، سنسدده من خلال ضرائبنا”، يوضح أقصبي.

في وسط ساحة جامع الفنا، الواجهة الأبرز للمدينة السياحية مراكش، يوجد ملصق كبير يحتفي ويمجد الملك وقد كتب عليه: “عشرون سنة من الإنجازات” و”التنمية الاقتصادية”. غير أنه على بُعدِ أقل من ثلاثمائة كيلومتر، تذكرنا أرصفة مدينة أكادير (400 ألف نسمة) المهشمة أن هذا التطور لا يشمل الجميع.

إذ تُسَائِلُ جُدران المحطة الطرقية للمدينة المتسخة والمصفرة، مقارنةً مع روعة محطة القطار بمراكش، الخيارات الاقتصادية للنظام الحاكم. فسلسلة المباني المتداعية والآيلة للسقوط تجعل وسط المدينة على حافة الانهيار والسقوط في الفوضى العارمة. ورغم أنها المدينة التي تحوي ما لا يقل عن ثلاثة قصور، والتي طالما كانت المشكاة المضيئة في البلاد قديماً، إلا أن الملك، الذي يُفضل شمال البلاد والتنزه خارج الوطن، نادراً ما يزورها.

اقتصاد الريع والاحتكارات المختلفة

تعدُ مدينة أكادير، التي تعاقب بالتهميش والتخلف في الوقت الحالي، ضحية للخيارات غير العادلة للنظام السياسي. “بالأمس، لم نكن بعيدين عن مراكش من الناحية الاقتصادية. أما اليوم، فقد صرنا في عالم آخر بعيداً عنها تماما”، هكذا صرح مدير المساحات الإعلانية البالغ من العمر 37 سنة، والذي يوجد من بين زبنائه سلسلة مطاعم ماكدونالدز للوجبات السريعة التي لاحظ انخفاض مبيعاتها من 100 ألف أورو إلى 40 ألف أورو بين سنتي 2012 و2019. “كيف يمكن إذن استقطاب الشركات الاستثمارية في الوقت الذي لا تمثل فيه أكادير سوى %4 من حصة سوق الإعلانات مقابل %12 التي تمثلها مدينة مراكش؟”.

يقضي الأستاذ المتقاعد “محمد جوهير” وقته بين أكادير وسيدي إفني الواقعة على بعد ساعة ونصف من الطريق في اتجاه الجنوب. يحكي لنا، مُظْهِرا صورة التقطها بعدسة هاتفه لإحدى مفصليات الأرجل السوداء، يقول: “تعرضت للَّسْعِ من طرف أحد العقارب في أحد الأيام في القرية التي أقطن بها. وبما أنه لا يتوفر في المنطقة مركز استشفائي جامعيCHU، توجهت إلى المركز الصحي القريب بعدما فقدت الأمل في الحصول على موعد مع الطبيب. وهناك أخبروني بأنهم لا يملكون شيئا يفعلونه من أجلي، وقضيت في المستوصف أربعا وعشرين ساعة في الألم والقلق، مستلقيا في انتظار أن يزول ألمي”، يشرح هذا السيد العضو في شبكة “أكال” التي تدافع عن حقوق السكان الأمازيغ في جنوب البلاد.

طالع أيضا  الراضي: وصلنا درجة احتقان لا تطاق ولابد من انفراج

دعا الملك محمد السادس، في مطلع نونبر، إلى “تفكير جاد” في إقامة خط للسكة الحديدية يربط بين مدينتي مراكش وأكادير، بيد أن الصعوبات والتحديات التي يواجهها المغرب لا تتجلى فقط في الخيارات غير الموفقة للقصر الملكي، بل هي صعوبات هيكلية ومتأصلة في اقتصاد الريع والاحتكارات المختلفة التي ظهرت مع الحقبة الاستعمارية الفرنسية والتي استمرت عليها المملكة.

يُعلق نجيب أقصبي قائلاً: “إنه الوجه الآخر من فشل الرهان على اقتصاد السوق. فالريع يعني تقاضي أجر دون أي عمل أو قيمة مضافة، كما أنه ينخر النشاط الاقتصادي. لنأخذ مجال نقل المسافرين على سبيل المثال، إن رغبت في إنشاء مقاولة في هذا القطاع، فإنك لن تقوى على ذلك. لأنك إن أردت ذلك، يلزمك الحصول على رخصة، بمعنى ترخيص سياسي. ولن تحصل عليه لأن مشروعك يعود بالنفع على المجتمع، بل ستحصل عليه إن كنت تتوفر على علاقات متينة داخل دواليب السلطة. كما تخضع الموارد الطبيعية هي الأخرى لاقتصاد الريع. إذ أن %40 من الشركات العاملة في ميدان الصناعة هي شركات يحتكرها قلة من المستثمرين”. فقطاعات المياه المعبأة والغابات ومقالع الرمال والمناجم، بل وحتى قطاع الأبناك وقطاع المحروقات… تخضع كلها لمسطرة قانون منح التراخيص، ولا يوجد قطاع مستثنى منه.

يرى التقرير أيضا أن الملك يعزز في خطاباته في الوقت الحاضر فكرة “النموذج التنموي الجديد” حرصاً منه على تزيين صورته، في الوقت الذي يُحكم قبضته على الاقتصاد الوطني من خلال استثماراته المتنوعة في العديد من المجالات أبرزها القطاع البنكي الذي يُدرُّ أرباحاً طائلة.

إن فكرة مشروع “النموذج التنموي الجديد” هي أقرب إلى أن تكون “فكرة فلسفية”، على حد تعبير رئيس الحكومة المغربي، لكن ماذا بعد؟ فالخطوط العريضة لهذا المشروع ليست واضحةً لحد الآن، على الرغم من أن الملك محمد السادس قد عيَّن، في دجنبر من السنة الفارطة، لجنة من خمس وثلاثين عضواً، وأوكل لها مهمة إعداد تقرير مفصّل يعرض ويقدم في يونيو المقبل. فهل سيتطلب منا هذا الأمر مشاريع قوانين جديدة؟ “نعم، بالتأكيد”، يجيب السيد رئيس الحكومة متهرباً من واقع الأمر. لكن في أي قطاع سنستثمر تبعاً لهذا المشروع الجديد؟ إذ هنا يكمن اللغز. “هل سنستثمر في الخدمات العمومية؟ ” كما يأمل من جانبه السيد رضا الشامي.

لكن يجب أن نكون قادرين على تمويلها، لاسيما بعد تخصيص ميزانية ضخمة لقطاع الأمن تقدر بـ 77 مليار درهم (أي ما يعادل 7.32 مليار أورو)، وهو مبلغ أقل بقليل فقط عما جاء في البند الأول من قانون السنة المالية 2020 فيما يتعلق بالمديونية التي بلغت 96.5 مليار درهم (أي ما يعادل 9.17 مليار أورو). وعلاوة على ذلك، لا يزال المغرب غارقا في نظام ضريبي “غير متكافئ وغير فعال” حسب خلاصات المؤتمر الأخير حول الضرائب الذي انعقد في ماي 2019. إذ لا تزال المملكة ترفض إجراء إصلاحات في هذا المجال.

 مناخ فاسد وقمع ضد “الحراك”

يرى السيد بومعليف “أن الحديث عن مشروع تنموي جديد دون القيام بإصلاحات في نمط الحكم هو مضيعة للوقت. إذ يجب علينا المضي قدماً نحو تسطير ميثاق اجتماعي جديد يؤسس لملكية برلمانية، لأن مسألة الحكم هي مسألة بيد الشعب المغربي”. إلا أن القصر يصم آذانه عن سماع هذا الخطاب. ومن أجل الخروج من هذا المأزق الثلاثي، السياسي والاقتصادي والاجتماعي، يبدو أن النظام يميل إلى الحل على الطريقة الجزائرية الذي يجمع بين الاحتواء والقمع.

لقد أثارت قضية الصحفية هاجر الريسوني، التي اعتقلت بتهمة “الإجهاض غير القانوني” و”الجنس خارج مؤسسة الزواج”، والتي حكم عليها بالسجن سنة نافذة، وحصلت فيما بعد على عفو ملكي، ضجة إعلامية وحقوقية كبيرة لدى الرأي العام الدولي، يقول التقرير. كما سلطت الضوء على مناخ الفساد والظلم المستشري في المملكة، والذي يعاني منه في المقام الأول نشطاء الحراك الشعبي في منطقة الريف، إذ تم اعتقال المئات من المتظاهرين منذ بدء الاحتجاجات سنة 2017، وحُكِمَ عليهم بالسجن لفترات بلغت في حق بعضهم 20 سنة سجنا نافذة. ولحدود نهاية سنة 2019، ما يزال 55 معتقلا منهم يقبعون في سجون المملكة، دخل العديد منهم في إضراب عن الطعام، بداية شهر فبراير، احتجاجا على سوء ظروف احتجازهم.

 تتساءل السيدة أمينة خالد، منسقة لجنة دعم أسر معتقلي حراك الريف، بكل ألم وحسرة: “لماذا كل هذا القمع وهذا الاعتقال وهذه الأحكام القاسية؟ أَ بسبب المطالبة السلمية بتوفير الماء والكهرباء والخدمات العمومية الأساسية؟”، وتضيف المناضلة في صفوف حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية: “يذكرني هذا بسنوات حكم الحسن الثاني، إذ ها هي الدولة تلجأ مرة أخرى لسياسة القمع والتنكيل”، وتتابع متحسرة: “لقد عانى المواطن المغربي من الويلات لدرجة أنه لم يعد يثق في أي شيء. لقد فقدنا الأمل في كل شيء. وها نحن ننتظر ونتابع نموذج الحراك اللبناني عسى أن يلهمنا الأمل في التغيير”.

“إن كل الذين سيقولون لك أن الملك هو حجر الزاوية في البلاد، هم أولئك الذين ينتفعون من النظام القائم حالياً”، يؤكد الصحفي عمر الراضي الملاحظ المتيقظ لمستقبل مغرب في غموض متزايد.