نتيجة لاختلال منظومة القيم، وتلاشي دور الأخلاق في حياة الناس، “انتعشت” ثقافة الجحود والأنانية والحب المفرط للذات، بل وأصبحت ظاهرة اجتماعية ونفسية حيث أصبح الإنسان لا يهمه إلا مصلحته، ولا يرى الخير إلا في سلوكاته وأفعاله، أما الغير بالنسبة له فهو إما وسيلة وأداة لتحقيق مصالحه و قضاء أغراضه، أو هو مصدر للشر والعنف ورمز النقص والتقصير، فتفكك المجتمع وتراجعت قيم التضامن والتعاون داخله، وتنامت قيم التعصب والتطرف والأنانية، حتى اعتقد البعض أن بإمكانهم الاستغناء عن المجتمع، والاكتفاء بالعالم الافتراضي ومشتقاته.

لكن َمع هذا الوباء الكوروني الجديد، تبين أن العلم والتكنولوجيا وحدهما لا يكفيان، بل لا بد من قيم التضامن والتعاون والتعاطف والبذل والتضحية، فالإنسانية اليوم قاطبة مدينة لتضحيات الأطر الصحية من أجل إنقاذ أرواح الملايين من الناس. وكذلك جميع نساء ورجال القطاعات الخِدْماتية، حتى قال رئيس ألمانيا “فيروس كورنا هو اختبار لإنسانيتنا حتى نُخرج أفضل ما عندنا من قيم ومبادئ”.

إن تثمين ما ينجزه الغير، وتعظيمه والإعلاء من شأنه، لهو تِرياقٌ لتجاوز مشاعر الكراهية والحقد، التي يمكن أن تتسرب إلى قلوب الناس، وتؤدي بهم إلى التطرف والتعصب والعنف، سواء كان ماديا أو معنويا. وبالمقابل، إن انتشار ثقافة الشكر والاعتراف داخل المجتمع، حتى تصبح سلوكا يوميا يحكم سلوكات الناس ويوجه معاملاتهم، لهي الخطوة الأساس في طريق بناء ثقافة الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، حيث الدولة تعترف بمجهودات أبنائها وتقدرها وتشكرهم عليها ماديا ومعنويا.

إن ثقافة الشكر والاعتراف هي تجاوز لكل تبعات مجتمع الكراهية، الذي أسست له فلسفات “عنصرية” وسياسات إمبريالية قامت على منطق الصراع، وما يسمى زورا “صراع الحضارات”، لذلك، ومنْ نفْع ضارة الوباء؛ أن أذكــى في النفوس مشاعر التعاطف والتضامن، وقيم الاعتراف والتقدير للآخر، وهذا من شأنه أن يؤسس لبناء مجتمع العمران الأخوي، حيث يستعيد الإنسان قيمته، و”يتنفس” مشاعر التكريم الإلهي، ويتذوق الخطاب القرآني الخالد: “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم”. صدق الله العظيم.

طالع أيضا  لا تسألني عن ضمانات وشروط المحاكمة العادلة