حديث الروح للأرواح يســــــــري  ۩۩۩  وتـدركــه القـلـــوب بــلا عنــاء

محمد إقبال رحمه الله.

يرتبط الفقه السنني للتاريخ؛ ارتباطا وثيقا بفقه القلوب؛ فهي مكمن الداء، وموطن البلاء عندما تقسو ويعلوها الدخن والجاهلية واختلاط الفتنة، وما الأحداث الطاحنة الهائجة المائجة التي تشهدها البشرية اليوم من حروب طاحنة، وانقطاع أرزاق، واستبداد وقهر، وقسوة بشرية تمزق القلب؛ حسب تعبير إدغار موران؛ إلا نتائج لما يعلو القلوب، وتبعا لما يعتمل في المضغة القلبية المحركة للحياة، والتي هي مرد السعادة والشقاء؛ فينسى الإنسان إنسانيته، وتحتله القوى المظلمة؛ فينساب من قمم الفطرة والرحمة والحكمة، والمحبة والترقي وطلب ما عند الله عز وجل متسافلا، متساقطا، متسلطا. وتلك هي مجاري سنة الله في الإنسان والتاريخ الذي غفل عن فقهها، ولم يطلب الدليل الكاشف لسرها المبين لمغمضاتها، الدال على منابعها وأصولها، في زمن يطبعه الارتكاس والغفلة واختلاط الحق بالباطل، ومن غَفَل أفل؛ تفكيرا ورؤية ونظرة وتغييرا؛ فعلى قدر انحلال القلوب وانسلاخها عن الدين وعن الفطرة تقع المصائب والطوام، ويدخل الله عز وجل الأمة مصارع الابتلاء ومقارعه، إذ القلوب منبع الطاقة البشرية المحركة للتاريخ 1، وأي حراك للتاريخ أو لحركة الإنسان الفاعل في هذا التاريخ خارج فقه القلوب ودوائها حراك خداش، فعلى قدر صلاح القلب يدور صلاح أفعال العباد، وعلى قدر فساده تبعا لفساد أفعال العباد، تفسد حركة التاريخ وتضطرب.

 ونحن عندما نتحدث عن الفقه القرآني السنني للتاريخ وارتباطه بفقه القلوب، فليس ذلك إهمالا منا للأسباب الأرضية، لكن، للإنسان في هذه الدنيا معنى واتجاه، ولأفعاله الأثر الأول فيما يصيبه ويصيب المجتمع من بلوى واضطراب وحدثان، وهذه الحقيقة التي نؤكد أهميتها وقيمتها اليوم، وانبنت عليها نظرة مدرسة السلوك المنهاجي، التحليلية المتميزة لمجرى التاريخ ومصائر الأمم، انزوت حركة تفكير الماديين والكثير من أهل الفكر والنظر والمثقفين، المحللين للصراعات والأحداث الجارية ومصائر الأمم والحضارات بعيدا عنها، والقاعدة القرآنية السننية واضحة ثابتة إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ 2؛ واذا تغير الإنسان تغير العالم؛ كما يقول محمد إقبال رحمه الله؛ ولذلك أصاب رؤية هؤلاء وتفكيرهم من لوثة الغفلة ومزالق التسطيح ما أذهل الكثيرين منهم عن تبين الطريق الصحيح، فأذهلتهم الساحة الواقعية والأحداث الهائجة المائجة، عن سماع كلمات الله عز وجل في الآفاق وفي الأنفس، وهذا الذهول المعرفي القلبي، صاحب التنظيرات في أغلبها فجاءت مبتَسرة يعلوها التباس في الفهم وغبش في الرؤية؛ ومتى استُقِيَ الفهم من غير المنابع، شرب أصحابه وأشرب الناس كدرا وطينا.

طالع أيضا  فتنة الصدر

 قلوب وقلوب، ما يخطر في أعماقها، وما يروج من نيات، وما يبرم من عزمات، وما يتلون، وما ينير أو يظلم. “من جذور ما في القلوب يتحدد موقف الأفراد، ومن المواقف الفردية تتجمع مقومات الموقف الجماعي والحركة الاجتماعية” 3. وهذه حقيقة لم تدركها الكثير من البيانات الثقافية التحليلية المنسحبة.

القلب بيت الحكمة ومستودع الأسرار والأنوار إن صحب فصفا، وأزهر فتنور، ولا سبيل لذلك بدون تربية، فهي العملية التي تعقب وتصحب وتلي حركة الإنسان في سعيه الدائم لطلب ما عند الله عز وجل، وسير الإنسان في هذه الحياة سير قلبي وصراعه أيضا؛ “(يا غلام) فقه اللسان بلا عمل القلب لا يخطيك إلى الحق خطوة، السير سير القلب” 4.

وجملة الأمر في التحقيق، أن أدهى ما يلقاه الإنسان والمفكر والقارئ والسياسي والسالك للطريق فقد الدليل، مع ذهن لعدم نور الفرقان كليل، وقلب بصدمات الأضغاث عليل، فيمشي على غير سبيل، وينتمي إلى غير قبيل. كتبت ناسجا على منوال قول الشاطبي رحمه الله.

يتبع…


[1] قاعدة ذهبية للأستاذ المرشد رحمه الله؛ أوردها في كتابه؛ سنة الله؛ ص41.
[2] الرعد؛ الآية؛ 11.
[3]  سنة الله؛ ص؛ 54.
[4] الفتح الرباني والفيض الرحماني؛ ص43؛ ط. دار الكتب العلمية.