إن الصلاح والفساد مصطلحان قرآنيان عُلم مفهومهما، ووضعت دلائل عليهما لمعرفتهما؛ فالفساد: خروج الشيء عن الاعتدال والاستقامة، وَالصَّلَاحُ ضِدُّه، وهو الحصول على حالة مستقيمة نافعة.
ومن مظاهر الفساد إظهار المعاصي، والاستهانة بالدين وأحكامه، والعلو في الأرض، وظلم الناس والتفرقة بينهم بالأحقاد والضغائن والشيطنة والدسيسة، والافتراء على خلق الله بغير ما اكتسبوا، والأمر بالمنكر والنهي عن المعروف. ولذا نهي عنه في قوله: وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ خُلِقَتْ مِنْ أَوَّلِ أَمْرِهَا عَلَى صَلَاحٍ، ثم وقع فيها التهارج والفساد، والأنبياء والرسل بعثوا لإصلاح ما أفسده ناس. والإنسان جعل خليفة في الأرض لإشاعة المحبة والوئام، لا أنه إذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ.
ومن أعجب ما يسمع أن يضحى الإصلاح إفسادا عند ناس والعكس، وقد حكى القرآن الكريم عن الملإ من قوم فرعون حين رأوا موسى عليه السلام يدعو قومه إلى الحرية والكرامة والمساواة والانعتاق قالوا لفرعون: أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ فسموا الإصلاح فسادا، وأعلنوا الحرب على موسى وقومه بوسائلهم التي كانت متوفرة لديهم.
إن الغالب على أهل الفساد أنهم لا يقبلون النصح، ولا يرضون أن يقال لهم: لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ؛ لامتلاء قلوبهم حقدا وحنقا على دعوات الإصلاح والتغيير، ولمرض في قلوبهم حال بينهم وبين الميْزِ بين فساد وصلاح، ولذا فإنهم يبادرون النَّاهي بقولهم: إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ.
بل إنك قد تجد من يخلط بين أعمال صالحة وأخرى فاسدة، فيأكل أموال الناس بالباطل، ويسعى بين الناس بالنميمة، ويظلم الخلق، وفي الآن ذاته تجده يحضر الجُمَع والجَماعات، وقد يصوم النافلة ويتصدق…ويغيب عنه أن الأمر بالصلاح نهي عن ضده، وأن الصلاح والفساد نقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، وقد حذر القرآن الكريم من ذلك بقوله: وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ.
فهل يصح في الأذهان أن يكون المفسد ناصحا أمينا، وهل يسوغ أن يكون المصلح أفاكا أثيما؟ أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ.