بقلم رضوان الرقبي

تقديم

اِهتم محللو الخطاب داخل نظرية التواصل بالجانب الخطابي بصفة عامة، لما له من حضور فعال في كل نشاط إنساني، سواء تعلق الأمر بإنتاج الفكر أو ممارسته؛ ممارسة تتجه بالأساس إلى الآخر. لأن الإنسان لا يفكر أو يتفلسف أو يكتب أدبا أو غيره بمعزل عن العالم. إنه في تواصل مستمر وفعال مع محيطه الخارجي، وما يحتويه من مؤثرات ومحفزات وإكراهات، أو ما يطرحه من أسئلة وإشكالات وافتراضات… ومن هنا يدخل الجانب الحواري كآلية رئيسة في تشكيل الخطاب، لتحقيق تواصل مميز ومثمر بين الناس.

وسنركز في هذا المقال على مبدأ الحوارية، الذي اعتمد عليه الدكتور عبد الواحد المتوكل في مقالته، (الانكشاف العظيم) باعتبارها آلية من آليات الاحتجاج الكلامي في الثقافة العربية الإسلامية. والحوارية هي الأساس في كل خطاب حجاجي، بل في كل تواصل إنساني، وتقوم على “مبدأ التعاون” (Principe de coopération) الذي عرف عند الفيلسوف الأمريكي “بول غريس” PAUL GRICE. وهذا المبدأ هو المنظم لطرق التخاطب في الخطاب الطبيعي، وهو مطلوب في كل تواصل لغوي جاد وجيد بين المتكلم والمخاطب. 

ولأجل تقريب الصورة سنعتمد مقاربة تداولية لمراتب الحوارية في مقالة الدكتور سيدي عبد الواحد متوكل، مستندين إلى ما توصل إليه الدرس التداولي الحديث. وعليه سنقسم مراتب البناء الحواري في مقالته إلى ما يلي:

1- مرتبة الحوار

يعتمد الحوار في هذه المرتبة الآلية الخطابية المعروفة بالعرض، حيث ينفرد العارض ببناء معرفة نظرية، سالكا في هذا البناء طرقا مخصوصة، يعتقد أنها ملزمة للطرف الثاني المعروضة عليه، وهي في عمومها مناهج الاستدلال البرهاني، “ومعلوم أن هذا الصنف من الاستدلال يتميز بخصائص صورية من تجريد وتدقيق وترتيب، ومن بسط للقواعد وتمايز للمستويات واستيفاء للشروط واستقصاء للعناصر”، والدكتور عبد الواحد متوكل في مقاله الحواري، افتتحه بتوجيه تنبيهي لمخاطبه المفترض، مستندا إلى برنامج تلفزيوني بقوله: يروج في مواقع التواصل الاجتماعي مقطع من برنامج بثته قناة ب. ب. س…. 

وقد تحقق هذا المبدأ الحواري للدكتور عبد الواحد متوكل، من خلال اعتماده على ما يصطلح عليه بـ “الحوار الشبيهي”، “ويختص هذا الحوار بكون “العارض” فيه، يتظاهر بإشراك غيره في طلب المعرفة وإنشائها وتشقيقها، بينما هو في حقيقة الأمر آخذ بزمام توجيه “المعروض عليه” في كل مرحلة من مراحل الحوار، فهو الذي يحدد “للمعروض عليه” مسألة سبق أن تدبرها، ويعين طريقا لبحثها خبِرها من قبل، وينتهي إلى نتائج معلومة له”. فالدكتور عبد الواحد متوكل عرض على مخاطبه، واقعا من خلال استشهاده بحديث بثته إحدى القنوات التلفزيونية… فحواه أن المعارضة في الدول الديمقراطية، لم تتوان في ممارسة حقها الدستوري وفي توجيه النقد للحكومة، رغم أن الوضعية السياسية التي تمر منها هذه البلدان جد حرجة اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا، بسبب وباء كورونا”. جاء في مداخلة السيد هورتن نقذ لاذع للحكومة البريطانية” ليصل الدكتور متوكل إلى نتيجة هي رد فعل الحكومة؛ قائلا: ليس مستغربا في مجتمع تربى على سماع النقد والاعتراض والتقييم لمن يحكمونه، أن يتكلم رجل بهذه الصراحة وهذه القوة”. والنتيجة التي أراد ان يصل إليها الكاتب، ويؤسس لها باعتبارها دعواه التي يدافع عنها وهي: “أن لا أحد اتهمه بالخيانة”. 

طالع أيضا  د. متوكل: نظام الحسن الثاني مازال يحكم في عهد محمد السادس

إن هذا الأسلوب الاستدلالي الحجاجي، يكاد يُكون مجمل عمليات الدكتور عبد الواحد متوكل الاستدلالية على دعواه في هذا المقال. ويتجلى استثمار هذه الأداة في توجه الكاتب إلى المخاطب، وتواريه وراء ضمير الخطاب مغفلا تماما ضمير المتكلم، وعندما نتأمل قوله: “القوم هناك فهموا من خلال صراعهم الطويل مع الاستبداد، أن المعارضة جزء لا يتجزأ من النظام الديمقراطي السليم”، نراه يقوم بتوجيه المخاطب ودفعه إلى الوصول إلى النتيجة بنفسه، قائلا: “لذلك لم يتهمه أحد بالخيانة ولا بمحاولة كسر الإجماع”. وهذه الوسيلة أكثر إلزاما للمخاطب لأنها تصل به إلى درجة الاقتناع، وهي أعلى مرتبة، وأقوى من درجة الإقناع، لأن الاقتناع إيمان وتسليم والتزام.

فهذا التوجيه الحجاجي الذي يُشرك فيه الكاتب المتلقي في الوصول بنفسه إلى النتيجة، يحقق ما أسميناه مبدأ التشارك الحجاجي، أي أن العارض يدفع بالمعترض إلى الاستدلال بنفسه على الدعوى التي أراد إثباتها.

2- مرتبة المحاورة

ومرتبة المحاورة كأن يعتمد المحاور في بناء نصه على الصور الاستدلالية مجتمعة إلى مضامينها أوثق اجتماع، وكأن يطوي مثلا الكثير من المقدمات والنتائج، ويفهم من قوله أمورا غير تلك التي نطق بها على جهة الاستلزام والاقتضاء، وكأن يذكر دليلا صحيحا على قوله من غير أن يقصد التدليل به، وأن يسوق الدليل على قضية بديهية أو مشهورة، هي في غنى عن دليل للتسليم بها، كل ذلك لأنه يأخذ بمقتضيات الحال، من معارف مشتركة، ومعتقدات موجهة، ومطالب إخبارية وأغراض عملية.

وطبعا كل سبيل استدلالي يكون هذا وصفه، فهو سبيل احتجاجي لا برهاني، يقيد فيه المقام التخاطبي التراكيب والعبارات، ويرجح فيه العمل على النظر. ويظهر هذا النوع بوضوح في المناظرة. والدكتور عبد الواحد متوكل يظهر في هذا المستوى عارضا رأيه على مخاطبه، طالبا له الدليل من كل ناحية، معتمدا فيها على الاستشهاد العقلي (واقع بريطانيا فرنسا… ليس هناك أي تناقض بين مراعاة الظروف وما تقتضيه المصلحة العامة، من ضرورة التنبيه على الخلل في التدبير أو التقصير في القيام بما يلزم)، ليطمئن فؤاد المعروض عليه، فيقتنع بصوابية رأيه، كل ذلك من غير طعن ولا تنقيص، إلا ما اقتضى النظر طرحه وهدم الاستدلال صرحه.

طالع أيضا  د. متوكل: "المراجعات السياسية" يكون لها معنى في إحدى حالتين.. ونميز بين الثوابت والمتغيرات

3- مرتبة التحاور

يرتكز التحاور في تصور النظرية التعارضية، على الآلية الخطابية المعروفة باسم التعارض، حيث يضطلع المتحاور بالقيام بدورين في الآن نفسه، فيكون مرة عارضا ومرة أخرى معترضا، منشئا لمعرفة تناظرية وفق مسالك معينة، يعتقد أن خصائصها التقابلية أحث على العمل.

ومن ذلك محاورة الدكتور عبد الواحد متوكل للذين يرون أن الصمت على كل الانتهاكات، بدعوى أن الحالة الاستثنائية التي يعيشها البلد تفرض هذا الصمت والسكوت والإجماع. قائلا: فما بال أقوام في مغربنا يطلبون إلينا الصمت، صمت الأموات وإذعان المغلوبين على أمرهم، الذين لا ينبسون ببنت شفة حتى وإن ارتكبت أمام أعينهم الخطايا… 

ثم يسائلهم الدكتور متوكل مرة أخرى: “وهل يكون الإجماع الوطني بالسكوت؟

فالكاتب كما نرى يتخذ وضعيتين: وضعية العارض ووضعية المعترض، كل ذلك من أجل إنشاء معرفة تناظرية، تؤدي في النهاية بالخصم إلى التسليم بطرح الكاتب، لأنه يحاول دحض أراء خصمه، من خلال هدمه للأساس الذي بَنى عليه الطرف الثاني مسلماته. وكل ذلك في إطار تحاوري أساسه قوة الدليل وحسن الاحتجاج.   

وطرق هذه المرتبة هو ما يسمى بالتحاج، ويكون بأساليب عدة، منها أن يأتي المتحاور فيثبت قولا من أقاويله بدليل؛ ثم يعود إليه ليثبته بدليل أقوى منه، ومثال ذلك قول الدكتور متوكل في معرض إبرازه لحالة الوضع: “نحن في زمن الانكشاف العظيم، نظرا لتطور التكنولوجيا الحديثة الرهيب” هذه المقالة أسست في بنائها كما أسلفنا على شكل حوار، حيث يُنشئ الدكتور متوكل اعتراضات مفترضة من خصومه على أقواله، ويحاول دحضها ليعطي القوة والصلابة لرأيه، وهذا ما يعطي لخطابه القوة الحجاجية.

كما أن استدراج الخصم/المعروض عليه، بعرض رأيه كما هو في الواقع (امدح ما شئت وقل ما شئت عن القرارات الحكيمة والمبادرات الفريدة… وعن التجربة الديمقراطية المغربية التي سار يذكرها الركبان). من غير تحريف بالزيادة أو النقصان، والقصد إلى كشف تناقضه واضطرابه، (فقل ما شئت فإنه لا يسلك في أذنٍ إن سلك، إلا ليخرج من الأخرى، لن يكون له أثر يذكر، هذا إن التفت إليه أحد أصلا). ومحاصرته بما لا يستطيع غير القول به والإقرار بمقتضاه، وهذا الأسلوب هو أرقى ما يلجأ إليه الكاتب في دفاعه عن أرائه ضد محاوره. 

طالع أيضا  د. متوكل: "حكومة العثماني" تؤكد استحالة التحول الديمقراطي من داخل المؤسسات

وعلى العموم ففي تصفحنا السريع واستخراجنا لبعض البنى الكلامية والاستدلالية والحوارية في مقالة الدكتور عبد الواحد متوكل، لا نقصد به إلا محاولة تحليل بعض أوجه البناء الحواري الحجاجي عنده، وإلا فهناك أساليب أخرى مبثوثة في ثنايا هذه المقالة، منها النقض وهو “ادعاء السائل بطلان دليل المعلل مع إقامته الدليل على دعوى بطلانه” وعليه يكون النقض هو أن يذكر المعترض شاهدا يبطل دليل الخصم. حيث بين الكاتب طبيعة الواقع المغربي وحقيقته، التي لا يمكن التغاضي عنها في ظل واقع الاستبداد، وهناك أليات المنع والمعارضة، وغيرها من الأدوات الحجاجية الأخرى. 

وعلى العموم فإن هذه المقالة جاءت وكأنها حوار جدلي، يبحث عما في نفس كاتبها من استطلاع، أو اعتراض بطريقة واضحة ومنهجية متزنة في إيقاظ الفكر بالحوار، كل ذلك بعقل واع لا يفتر عن النظر في طبيعة الواقع المعيش. وبلغة تحمل بين دفتيها معاني الخير والمحبة لأبناء هذا الوطن.