بات العالم مع وباء كرونا في حالة حرب مع عدو لا مرئي، حيث بلغت نسبة المصابين أرقاما مخيفة، وكذلك نسبة الوفيات جراء هذا الفيروس، ناهيك عن الخسائر الاقتصادية والاجتماعية، وكذا القلاقل والاضطرابات التي يمكن أن تترتب عنه، التي ستؤدي لا محالة إلى تهديد للأمن والسلم الدوليين، إن تمادى الوباء في الاجتياح عبر العالم ودون أن يكون قادته في مستوى اللحظة التاريخية، حيث تخطت أعداد ضحايا فيروس كورونا المستجد “كوفيد 19″، إلى غاية الآن قرابة 1,8 مليون إصابة، حول العالم، فيما توفى أكثر من 108 ألف و867 شخصا.

إن أخطر ما سجل على النظام العالمي من إخفاقات جراء هاته الجائحة؛ هو بدلاً من أن يتزعَّم هذا النظام المتمثل في منظمة الأمم المتحدة، ومنظمة الصحة العالمية التابعة له، تنسيقا عالمياً لمجابهة الوباء وتطويقه، تم الاكتفاء بمتابعة الوضع، وإصدار البيانات، ومتابعة معدل انتشار الوباء وتعداد الموتى.

هكذا هوت المبادئ الإنسانية الكونية التي يتشدَّق بها هذا النظام العالمي، أمام أزمة وبائية كشفت زيف ما سُمي بمبادئ التضامن العالمي، وبيَّنت البون الشاسع بين الخطاب في زمن الرخاء والفعل في وقت الأزمة، إذ وجد الأطباء ومقدّمو الرعاية الصحية بدول الغرب أنفسَهم تحت ضغط نقص المساحة والمعدات، أمام اختيار صعب ومأساوي للقيام بـ “فرز” بين مرضاهم وفق معايير غير أخلاقية، تتنافى مع قسم أبقراط الطبي الملزم أخلاقياً.

ولعل أخطر تداعيات هذا الوباء، هو ذلك السقوط الأخلاقي المدوي، الذي ظهر في العلاقات الدولية، عندما أغلقت دولٌ كبرى حدودها على نفسها، وامتنعت حكوماتها ليس فقط عن تقديم المساعدة والدعم إلى دولٍ كانت في أمسّ الحاجة إلى العون الطبي، بل امتنعت حتى عن بيع أو تصدير معدات طبية إليها، بدعوى إثارة مواطنيها على مواطني دولٍ أخرى، تقتسم معها الفضاء نفسه أو تعتبرها حليفتها وشريكتها في القيم والمبادئ نفسها! وتفاقمت الأزمة الأخلاقية، وأخذت بعداً إعلامياً ودولياً أكبر، عندما احتدمت حرب دنيئة وغير أخلاقية بين كبرى الدول على الكمّامات الطبية، وتعدّت ذلك إلى قرصنة طلبيات بعضها من معدّات وتحويل مسارها إيثاراً للنفس أولاً، وقلب كل القيم والمعايير التي قام عليها مفهوم العلاقات الدولية، في خرق سافر لمقتضيات المادة 23 من ميثاق مجلس الأمن الدولي الذي أنشئ، من قبل الأمم المتحدة، للحفاظ على السلم والأمن الدوليين، وهو الجهاز الذي له سلطة اتخاذ قرارات تلتزم الدول الأعضاء بتنفيذها بموجب الميثاق، ومن مراميه التخطيط لمواجهة الأخطار التي تهدد السلام العالمي، وهذا ما غيب إطلاقا خلال هاته الأزمة العالمية.

طالع أيضا  تعليقا على تدبير الدخول المدرسي.. ذ. متوكل: ارتباك وعجز في تدبير قطاع حيوي

إن الأخلاق عنوان الشعوب، وهي موضوع كان حاضرا في الأديان والثقافات، وفي مختلف المذاهب الفكرية والفلسفية؛ في الفلسفة اليونانية مع سقراط وأرسطو وأفلاطون، وفي الفلسفة الغربية مع ديكارت الذي اعتبر الأخلاق أم العلوم، ومع سبينوزا الذي ألف كتابا أسماه “علم الأخلاق” ولم يسمه فلسفة الأخلاق…”

إن هاته القيم والمثل فقدها المجتمع الغربي في أول تمرين له، عندما حلت به أزمة مفاجئة، إذ إن الشعب البريطاني لم يستسغ الخطاب المرعب الذي وجهه رئيس وزرائها بوريس جونسون، الذي قال فيه “استعدوا لفراق أحبائكم”، وبدت كلماته أشد وقعاً وخطراً من فايروس “كورونا” نفسه، منتهجا خيار “مناعة القطيع”، وهاته النظرية هي امتداد لكل الأفكار العنصرية التي كان مصدرها في الأساس بريطانيا مثل الداروينية الاجتماعية والمالتوسية الجديدة، التي كانت من المكونات الفكرية للنازية والفاشية، وكل النظريات والإيديولوجيات العنصرية المشابهة لها في الجوهر، لأن القاسم المشترك بينها؛ هو الاستهتار بحياة الفقراء وذوي الدخل المحدود، وسوقهم إلى المهالك والحروب لكي تبقى الرأسمالية المتوحشة هي السائدة والمتحكمة في مصائر الشعوب.

لقد ظهر الدارونيون الاجتماعيون في بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، وبعض بلدان الغرب الرأسمالي، ونظريتهم قامت على أساس الدعوة إلى تطبيق نظرية العالم الإنجليزي الشهير تشارلز دارون، حول الانتخاب الطبيعي والبقاء للأقوى (مناعة القطيع)، من الحيوان إلى الإنسان، أي على المجتمعات البشرية، وهي بالتالي دعوة صريحة للخلاص من الضعفاء لمصلحة الأقوياء والأغنياء.

كما ظهر المالتوسيون الجدد وهم أتباع وتلامذة الاقتصادي الإنجليزي في القرن السابع عشر توماس مالتوسفي ببريطانبا أيضا، ونظريتهم تقوم على أساس أن عدد السكان في العالم يزدادون بمتوالية هندسية، بينما الخيرات المادية من غذاء وكساء، ومأكل ومشرب ودواء، ووسائل معيشة تزداد بمتوالية حسابية، مما يؤدي دائما إلى وجود نقص في وسائل المعيشة، وبالتالي إلى حدوث توترات وصراعات طبقية تهدد أمن واستقرار الأنظمة الرأسمالية، الأمر الذي يتطلب تخفيض عدد السكان بشتى الطرق حتى لو كانت إجرامية وغير أخلاقية.

إن هاته النظرة الدنيئة من قبل العقلاني الغربي إلى الإنسان، والتي جسدها رئيس وزراء بريطانيا، جعل المفكر والفيلسوف طه عبد الرحمان يوجه نقدا لهاته الحضارة، ويدعو إلى تخليق الحداثة على اعتبار أن الحضارة الحديثة تحمل لنا آفات أربع (النقص والظلم والتأزم والتسلط) بما يجعلها حضارة ناقصة ظالمة متأزمة متسلطة، تؤذي الإنسان في صميم وجوده الأخلاقي، لتجعله يائسا من الصلاح في حاله والفلاح في مآله، لأنه يراها حضارة الآفات، فلا التعديلات ولا  التصحيحات تستطيع أن تغيرها نحو الأحسن أو تقومها، وأن أخص شيء يتميز به الإنسان هو الأخلاقية وليس العقلانية، وبهذا يكون الفعل الحضاري اليوم، مفتقرا إلى أسمى القيم، مما جعل منه عالما بئيسا، بل غارقا في الجهل والظلم، نازلا إلى درك البهيمية، بل أضل.

طالع أيضا  مع الأستاذ ركراكي.. أسئلة مزعجة محرجة تنتظر أجوبة مثلجة مبهجة (1)

إن أخطر تدنٍّ أخلاقي عرفته الحضارة الغربية في عز أزمة وباء كرونا؛ ما عبرت عنه العنصرية المقيتة من قبل أطباء فرنسيين، بدعوتهم إلى جعل الأفارقة فئران تجارب للوصول إلى مصل مجد لفايروس كرونا، هذه الواقعة تذكرنا بما أقدمت عليه اليابان إبان الحرب العالمية الثانية، حينما عمدت إلى إجراء الأبحاث المرتبطة باستخدام الأسلحة البيولوجية على السجناء، ولاسيما ميكروبات الأنثراكس، والنيسيرية، والكوليرا فضلاً عن بكتيريا الطاعون، مما جعل عشرات الآلاف من هؤلاء السجناء يلقون حتفهم ما بين 1932- 1945, وقد اعترف العلماء اليابانيون الذين تم أسرهم بعد الحرب العالمية الثانية بأنهم استخدموا الأسلحة البيولوجية في 12 محاولة أثناء هجومهم على 12 مدينة صينية.

وفي سنة 1915م أثناء الحرب العالمية الأولى، اتهمت إيطاليا ألمانيا باستخدام ميكروب الكوليرا في حربها ضدها، فضلاً عن ذلك فقد أتُهِم الألمان باستخدام ميكروب الطاعون في حربهم ضد الروس في مدينة “سان بطرسبرج”.

وفي محاولة من المنتظم الدولي للتصدي لمثل هذه الأسلحة بعد الحرب العالمية الأولى، جاء بروتوكول جنيف عام 1925م ليحظر استخدام الغازات السامة، والكائنات الدقيقة، والبكتيرليوجية، ونلحظ أن هذه المعاهدة لم تحظر إجراء الأبحاث أو امتلاك مثل هذه الأسلحة، ولم يكن هناك نوع من الرقابة والتفتيش على إنتاجها، مما أدى إلى زيادة الدول التي تعمل على إنتاج هذه الأسلحة بسرية تامة، على الرغم من كون أغلبها قد وقعت على بروتوكول 1925م.

وفي مشهد بئيس تناقلته عدسات الكاميرات في كبريات القنوات والصحف الدولية ما وقع بالولايات المتحدة الأمريكية، بلد الحرية الأكبر، والبلد الأقوى والأغنى في العالم، حيث أُفرغ الناس متاجر بيع السلاح تمامًا من المسدسات والبنادق وغيرها من أسلحة لحماية أنفسهم، خشيةً من فوضى قادمة محتملة، وسرقات وسطو على البيوت والمتاجر في حال اشتداد الأزمة، وقد رأينا نماذج من اشتباكات بالأيدي في المراكز التجارية، مما يشير إلى أنه مجتمع ضعيف ومتفكك، يفتقد إلى الأخلاق الأساسية، ولا يؤمن إلا بالقوة وقانون الغاب، وهو انعكاس لما تمارسه الإدارات الأميركية المتعاقبة في العالم تجاه الأمم الضعيفة.

طالع أيضا  عالم المغالطات المنطقية، أولوية الصحة وأسبقية المال.. رحلة قصيرة في ملابسات الحجر على الوحدات الصناعية

إن مرد تخلف الإنسانية عند المفكر عبد السلام ياسين هو راجع إلى  تخلف في الروح والقيم، وليس تخلفا في الماديات والأدوات، فحين تتحكم المصالح والأغراض الحزبية أو الشخصية فقط في السياسة، تصبح السياسة تراجيديا مقرفة جدا وسيئة للغاية، وهكذا دحض كتاب (ما وراء السياسة) لمؤلفه الدكتور إدريس مقبول، من خلال حفرياته المعرفية في الفلسفة السياسية للأستاذ عبد السلام ياسين، مزاعم وزيف أفكار الحرية والمساواة الإنسانية بكشف هيمنة الليبيرالية، ومركزية الماركسية، ووحشية النازية… إذ ظل الإنسان غارقا وسط منظور انشطاري، وتجربة تخلو من سمو المعنى ليسقط في العدمية والعبثية وموت الضمير.

إن المجتمع الذي ينشده الأستاذ ياسين هو مجتمع العمران الأخوي، الذي يبنى على المحبة والأخوة والتعاون، وينبذ الأنانية المستعلية والذاتية المقيتة، يقول الأستاذ ياسين في كتابه إمامة الأمة إن “دخول دولة القرآن في الساحة لا نريده أن يكون عامل مزيد في الفوضى والقرصنة في العلاقات الدُّولية، فليس من صالح الدعوة الإسلامية، وهي الوظيفة العليا لدولة القرآن، أن يزداد العنفُ، وغمطُ الحقوق، وظلمُ العباد. بل يُصْلِحُها أن يسودَ الاستقرارُ والسَّلمُ ورعايةُ المصالح المشروعة لكل الدول، بإدخال الدولِ الكبرى التي يجب أن نساهم في الضغط عليها بكل وُسعنا، والثورةِ عليها إن اقتضى الحال، لينشأ جوُّ الصداقة والإنصاف بين بني الإنسان”.

لقد وافق الصوابَ المثلُ القائل؛ إذا أردت أن تعيش لسنة فازرع بذرة، وإذا أردت أن تعيش لعقد فازرع شجرة، وإذا أردت أن تعيش كل الحياة فكن ذا ضمير.

وقد أصاب الحكمة الشاعر الذي قال:

 إنما الأمم الأخلاق ما بقيت           فان هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

وقد صدق صاحب الخلق العظيم الذي كان خلقه القرآن الكريم، القائل: “حسن الخلق وحسن الجوار يعمران الديار ويزيدان في الأعمار”.