المقدمة
الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف المخلوقين، معلم الناس الخير والهادي إلى الصراط المستقيم، سيدنا محمد رسول الله، وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه.
سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله.
خلق الله سبحانه وتعالى الخلق مشتركين في وحدة بنية الجسم ووظيفته. فالناس جميعا من لحم ودم وعظم… أصلهم جميعاً من تراب. ورغم هذا التطابق والتشابه -الذي تظهره العين المجردة- في الخلق والصوت وشكل العظم والرائحة… كشفت “العين المجهرية” التمايز الوظيفي لوحدة الحياة -الخلية- من فرد لآخر، لينفرد ببصماته التي يحملها وحده دون سائر البشر.
تعرف “البصمة” بصفة عامة بأنها ذلك الخاتم الإلهي الذي ميز الله تعالى به كل إنسان عن غيره بحيث أصبح لكل إنسان خاتمه “بصمته” المميزة له. فالإنسان كله بصمات، فبصماته توجد فى اليد والقدم والشفتين والأذنين والدم واللعاب والشعر والعيون وغيرها… لقد كانت البصمة ولا تزال سراً من أسرار عظمة الله عز وجل في خلقه ليثبت قوله: وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ.
لعل البصمة الجديدة والتي يتحدث عنها المتخصصون بكل دهشة وذهول، لما تحتوي عليه من معلومات يتوقع من خلالها فك شفرة الحياة… هي” البصمة الجينية” المسماة أيضا ب”البصمة الوراثية”، تلك البصمة التي تلازم الإنسان طوال حياته ولا يمكن محوها أو التخلص منها بحال من الأحوال.
إن المثير للتأمل حقاً هو كيف تتنوع وكيف تتشكل البصمات، بل كيف تتنوع وتتشكل الوجوه والأجسام وكيف تتباين الألوان والصفات، فكلها آيات لله في خلقه…
إلا أن الباحث العلمي المعاصر، ملحدا كان أو مسلما تراثيا أو سطحيا، يعمد إلى طرح جانب الغيب من معادلاته ويبسط اكتشافاته العلمية للظواهر الكونية في العالم اللامتناهي الكبير، وللظواهر البيولوجية في العالم اللامتناهي الصغير، لا يحسب إلا حساب القوى المتناقضة المتصارعة. في زعم هؤلاء لا يصلح للإنسان إلا التنصل الكامل الشامل من العقلية الغيبية ليتأتى لها اكتساب العقلانية المحررة. في نظر هؤلاء يتمثل التخلف كله في جهة هي جهة الإيمان بالله وباليوم الآخر، ويتمثل التقدم كله في جهة الكفر بالغيب، وفي مقدمة الغيب وجود الله. في قاموس هؤلاء لا معنى لعبارة “سبحان الله” أو “سنة الله” إلا الارتماء في أحضان الغيبية الخرافية…
بين طرفي إلغاء الأسباب وإلغاء الغيب من الحساب يقع صواب الإيمان، الذي يدعو إلى اكتساب العلم من أجل اكتشاف حقيقة الكون والإنسان. قال الله عز وجل: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
قال الشاعر:
مَنْ ذَا الَّذِي خَلَقَ الأَجْرَامَ سَابِحَةً.. وَأَوْجَدَ الْكَوْنَ وَالدُّنْيَا مِنَ الْعـَدَمِ
يَفْنَى الزَّمَانُ وَيَبْقَى وَجْهُ خَالِقِـهِ.. وَكُلُّ مُبْتَدَإٍ فِي حُكْمِ مُخْتَتَـــــمِ
سُبْحَانَ مَنْ خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ.. وَالْفِطْرََةُ اكْتَمَلَتْ فِي كُلِّ مُنْفَطِــمِ
وَمَا تَشَابَهَ مِنْ خَلْقٍ فَلَيْسَ لَــهُ.. إِلَّا الفَنَاءُ، وَمَا سـَوَّاهُ مـِنْ نـَسَـمِ
أَلَمْ يَرَوْا آيَةَ الآفَاقِ بَيِّنَــــةً.. فَالشَّمْسُ مَا ضَرَّهَا لَيْلٌ بِقَلْــبِ عَمِ
وَفِي السَّمَاءِ نُجُومٌ مِنْ مَشَاهِدِهـَا.. شُهْبٌ تُرَاقِبُهَا الأَبْــصَـارُ مِنْ أَمَمِ
ظَنُّوا العُقُولَ عَلَى الأَكْوَانِ قَادِرَةٌ.. وَمَا رَأَى النُّورَ فِي الأَكْوَانِ ذُو شَمَمَ
هذا الكتاب، صفحات تسبح بحمد ربها، دعوة عالمة للإنسان أن يكتشف حقيقة خلقه ويغوص في أعماق نفسه، بتوظيف العقل العارف ليتدبر قول خالقه: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ. سؤال يربط المبتدأ بالخبر. سؤال عن حقيقة الخلق ونهايته، ومآله بالرجوع إلى خالقه يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ. إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ.
صفحات ذاكرة تدعو جهرة الإنسان المتشوق لمعرفة جسمه، بنية ووظيفة، أن يتفكر -في هذه الحياة الدنيا- في الغاية من خلقه، قبل مماته. ذلك، ليعمل فيها عملا صالحا ويخلص العبادة لله الواحد القهار، وليفوز الفوز العظيم في الدنيا والآخرة. قال الله تعالى أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاء رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ.
العلم الحديث تطور بشكل سريع بفضل تطور التكنولوجيا، وذلك في مجالات مختلفة، حيث تم اختراق عشرات الحقول المعرفية، فتم الإعلان عن معلومات مثيرة في الفيزياء الذرية والكوسمولوجيا والأركيولوجيا والبيولوجيا والأنثروبولوجيا والطب والباليونتولوجيا والكيمياء وعلم الخلية وأبحاث الأعصاب وأبحاث الجينات والتاريخ وحفريات الجينات وأبحاث الفضاء وآخر تطور الأبحاث الروحية… ليجد الإنسان نفسه أمام جبل معرفي شامخ، يقف حائرا أمام مسالكه المتعددة ويصعب عليه اقتحام عقبة وجد نفسه فيها. وإن وصل بعد حين… لم يجد المفتاح لأسئلته التي لا تنتهي.
العلم الحديث يقلب التصورات ويصحح المكتسبات العلمية في قفزات كمية، ليحدث في النهاية ثورات علمية نوعية…
إنه زلزال علمي يقذف حممه دون توقف على العقل البشري، الذي ألهت جسمه الضعيف حرارة الصهارة ومسارها دون أن يهتم بحقيقة وجوده ومآله ليتحصن من لهيبها وحممها.
لا حدود للبحث العلمي ولا يمكن محاصرته، فطبيعته تقدمية. ولا خوف من التفكير لأن أعظم ما في الإنسان جهاز التفكير. فالتفكير قاعدة الإيمان وأداته المعرفية، لشق الطريق إلى فضاءات معرفية لا نهائية. ولكن الخوف كل الخوف من إغلاق العقل ومصادرة الفكر وممارسة الإرهاب عليه. ولا حاجة لإعلان الوصاية الأخلاقية على العلم، فهو يتقدم بقوته الأخلاقية الذاتية، فيحور ويحرر الإنسان والعالم. ولا هرطقة للمختلف في الرأي. فأصبحت قضية التقدم العلمي في إيجاد الآخر وليس إلغائه. فهذه أفكار مفصلية في التأسيس العقلاني، والسلام الاجتماعي وإمكانية العيش المشترك، وشرط الانطلاق العمراني.
كان الإنسان يبحث في الطبيعة خارج نفسه. يسبح بين الفيزياء والكيمياء والجيولوجيا. واليوم يدخل معراج البيولوجيا، إلى الحجرة المقدسة، إلى نفسه التي غاب عنها كثيرا، لتطويرها نحو الأفضل.
ظننت أن الجمع بين العلم والإيمان أمر ميسر للمختص وغير المختص. ووددت لو أن ما بجعبتي من رصيد علمي يجعلني أبسط، كل البسط، المكتشفات العلمية الجديدة، والآفاق الموعودة لفعل العقل واستشراف المستقبل المعرفي لقضايا الإنسان في العالم اللامتناهي الكبير والعالم اللامتناهي الصغير، لتدليل الصعاب أمام الناس، كل الناس، ليعووا ذاتهم ومستقبلهم المؤجل والمعجل.
لكن زادي وآفاقي المعرفية التي اكتشفت بحكم تخصصي، زادتني إيمانا بضرورة الجمع بين آفاق العلم ومقتضيات الإيمان والاستعداد إلى الحياة الأخرى. قال الله عز وجل: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ.
قد نقرأ القرآن، فنتصفحه أو نتدبره بقلوب وإرادات وعقول متفاوتة. وقد تحجب عنا المعاني المبثوثة في كتاب الله المنظور آيات كونية ومعرفية، لم يسعد سابقونا بإبرازها أو تلمس سبيل البحث في معانيها، نظرا لتجارب إنسانية أسست لعلوم معرفية تجاوزت نتائج الماضي لبناء المستقبل والفهم العميق الذي يجمع المعارف الإنسانية والاجتماعية والبيولوجية… على رصيد واحد متكامل.
مهمة لم أدرك صعوبتها إلا حينما وضعت لنفسي هدفا تربويا، يساعد المبتدئ لفهم الأسس العلمية المتطورة، والمتبحر في جزئيات الكون المعرفية والإنسانية.
السهل ممتنع، والفهم عميق ومجزأ. فكيف الجمع؟
لهذا كله كتابي هذا تتخلله إشارات لميادين بحث متخصصة عميقة، ورصد لرواد، لم أقصد حشو الصفحات بها، ولكن وضع جسور الثقة بين الكاتب والقارئ، حتى نخرج من الظن الآثم. وتسهيلا لهذه الصعوبة، وضعت بين يدي القارئ ملحقا علميا لتدليل ما سوف يستعصي على الفهم وتأكيدا لإشكاليته القابلة للتطور.
استعملت مصطلحات علمية دقيقة لا يدركها القارئ العادي غير المتمكن في المادة. أمر يتطلب صبرا من أجل إدراك جوهر الموضوع انطلاقا من المعطيات الدقيقة العلمية التي ليست في متناول الثقافة العامة.
لذلك أطلب من قارئ كتابي هذا، أن يصبر نفسه للتمرس بالمصطلح ومعرفة الاستعمالات، لكن بشكل يميل إلى الدقة أكثر مما يميل إلى التعميم. لأن التعميم يسقط في التعتيم ثم في الإبهام.
كان من الممكن أن نتجاوز هذه الصعوبة في الكتابة وفي القراءة والفهم والتأويل، لكن خوفنا من السقوط في مشكل التعتيم وتجاوز الدقة قصد انتقاء الأهم ولو بتجاوز المهم، جعلنا نستدعي القارئ للصبر والمصابرة وحمل النفس على بدل الجهد للتلقي والفهم قبل التسرع في الاستنتاج. قال الله تعالى ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ حَسِيرٌ) .وقال عز من قائل(فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ.
ألم ير الإنسان آيات تحث على استعمال النظر والبصر والفكر والعقل والتدبر والفحص وإخضاع الشيء للدقة في البحث قبل البيان البليغ الفصيح المؤثر الفاتح للآفاق غير المكتشفة قصد البحث والتنقيب والتجريب لإضافة المكتشف إلى المجهول وإلى إلقاء النور على غير المعلوم؟!
لك ياأخي القارئ الأدبي أو المتخصص في علوم الإنسان النفسية والبيولوجية أو المتمرس بالبحوث التجريبية المختبرية، أمد جسور التواصل قصد التفاهم على قضية تهمنا جميعا. تهم الإنسان من حيث هو كتلة لحمية مآلها الفناء ومشاعر مترهلة قابلة للارتقاء… كما تهم المجتمع من حيث تفاعله البشري في عمارة الأرض ليستحق الاستخلاف فيها والجنات العلى في دار المقام.
عقبات تعترض القارئ والكاتب فيما توصلت إليه الإنسانية من اكتشافات علمية، وأدركته من مسلمات غيبية غير قابلة للتحريف وغير خاضعة للظن.
أجدني أمام صعوبة تواصلية لتبليغ ما توصلت إليه من إعمال العقل وجهد التفكير واستنباط الدرس من العلم واستخراج العبر من المجهود البشري لمعرفة ذاته ومصيره، في العالم.
ما السبيل إذن؟
إنها دعوة لإعمال المجهود وعدم الوقوف عند العقل العاجز المستسلم.
إنها دعوة لنركب السفينة ونبحر في بحر نكتشف أمواجه وتقلباته.
فصبر جميل أيها الإنسان، ذلك الصندوق الحي، حتى تدرك مفاتيح المغلق من إدراك وإرادة وإعداد واستعداد.

طالع أيضا  الإنسان الصندوق الحي.. ما مفتاحه (6)