بقلم إبراهيم أخساي

بعد اجتياح كورونا لبلدان العالم، غنيها وفقيرها، سارع الجميع لمواجهة الوباء أو الجائحة، كل حسب إمكانياته وقوته وقدراته؛ توحدت الوسائل وطرق المكافحة لأن العدو واحد، وغدت توجيهات الهيئات والمؤسسات الطبية سيدة الميدان، مسموعة الجانب. إنها لغة العلم والمعرفة، موحدة المضمون وإن اختلفت اللغات واللهجات.

تراجعت الشعارات الفارغة، وبرزت حقيقة الأوضاع الصحية لكل بلد، وتعرّت السياسات الاقتصادية أمام حقيقة الأرقام الصماء، الناطقة بمدى الإهمال والتهميش لمجموعة من القطاعات الحيوية وعلى رأسها قطاع الصحة.

بدأت الدولة في حالتنا تحصي عدد المستشفيات وعدد الأسرة المتوفرة على التجهيزات الطبية اللازمة، طبعا الحصيلة مخجلة جدا، وتنذر بكارثة فظيعة في الأرواح إذا انتشرت العدوى في صفوف المواطنين، لا قدر الله. في مثل هذه الأوضاع تنكشف الحقائق، ومن حقائقنا هشاشة القطاع الصحي. هشاشة ترجع بنا إلى الماضي القريب، لنستحضر احتجاجات وإضرابات أصحاب الوزرة البيضاء وهم يطالبون بتحسين شروط عملهم، وتوفير الوسائل الضرورية لممارسة مهمتهم بجدية وإتقان؛ مطالب طالها الإهمال وانهالت على أصحاب العصي والهراوات، لتنكشف حقيقة التقصير في توفير الكافي من الأطر والوسائل لما حلت الكورونا بمستشفياتنا.

 في مثل هذه الأوضاع لا يصح إلا الصحيح، ولا ينفع إلا ما بني على أسس المعرفة والعلم والمصداقية في صرف المال العام، ولن ينفع الندم على الفرص الضائعة من عمر الوطن في تحقيق نهضة معرفية واقتصادية وديمقراطية، ولن ينفع التأسف على الأموال الضائعة في مهرجانات العري والتفاهة.

فرص ضائعة وأموال منهوبة مبذرة، لطالما انتصب المواطن المغربي قائما، صارخا بأعلى صوته، مطالبا بحقه في أن يمارس حقوقه في النقد والتوجيه والمطالبة بتحسين أوضاعه الاقتصادية والمعيشية، وعلى رأسها التطبيب والتعليم والعيش الكريم؛ مطالب مشروعة تتدحرج عبر الزمان، يقذفها الإهمال والاستفراد بالقرار، والموازنات المالية الراجحة كفتها لصالح أصحاب السياسة والمال، إلى وجهة مجهولة المآل والمصير.

طالع أيضا  د. الريق: هل يحول "التعليم عن بعد" المثلث الديداكتيكي إلى مثلث برمودا!؟

حال جاءت كورونا لتعري المستور فيه وغير المستور، وتكشف زيف خطاب الأولويات والشعارات، ولتنبه من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد أن الوطن فوق الجميع، وأن المواطن يجب أن يكون في صلب البرامج والرؤى تعليما وتكوينا ومشاركة، لا زبونا نبيع له حقوقه بالتقسيط وبأثمان باهظة.

جائحة كورونا حركت الماء الراكد، وطفا على السطح ما كان مستترا، وظهرت للعيان هشاشة الاقتصاد، وضعف الإمكانيات، وكثرة الأعطاب في الخدمات الأساسية والقطاعات الحيوية.

 واقع مر ومرير، رغم ذلك فإن الأمل في المستقبل كبير، وفرص تصحيح الخطايا ما تزال قائمة، وما تضحيات المواطنين وعلى رأسهم الأطر الصحية، إلا بشرى خير بمستقبل واعد إن تصالحت نيات السلطة مع أفعالها، والأمل في الله كبير الفعال لما يريد.

 فعلا في الشدائد لا يصح إلا الصحيح، والصحيح أيضا هي هذه الروح الإيمانية والهبة المعنوية التي علت كلام الأمة، ورجوع الناس إلى التوجيهات النبوية في زمن الأوبئة، مسترشدين بالنصائح النبوية لتحقيق النظافة والالتزام بالحجر، وتقوية النفوس بالتوكل على الله والرضا بما قدره سبحانه، ومواجهة قدر الوباء بقدر الدواء والتداوي.

 الشدائد قد تخرج من الإنسان أجمل ما فيه وأعز ما لديه، وترشده إلى مواطن الزلل والخطأ ليتقيه مستقبلا، بل إنها تزلزل المجتمع لينصت لصوت القدر الذي لا يقبل التلاعب بمصير العباد والبلاد، ففي الشدائد “لا يصح إلا الصحيح”.