مقدمة

أوصي نفسي وإياكم بالعناية والحرص على كتاب الله جل جلاله، تلاوة وحفظا ومراجعة وتدبرا وعملا، فإنه حياة القلوب؛ وسكينة النفوس؛ ونور الصدور، قال الإمام أحمد بن عبد الرحمن بن قدامة المقدسي- رحمه الله-: (ينبغي لتالي القرآن العظيم؛ أن ينظر كيف لطف الله تعالى بخلقه في إيصال معاني كلامه إلى أفهامهم، وأن يعلم أن ما يقرأه ليس من كلام البشر، وأن يستحضر عظمة المتكلم سبحانه ويتدبر كلامه) 1.

والحذر كل الحذر، أن يكون هدفنا فقط قراءة حروفه وحفظه، دون الغوص في كنوزه ومعانيه، والسعي للعمل به للاستفادة من خيراته، فقد عاب الله على المنافقين لما أعرضوا عن تدبر كتابه العزيز، فقال سبحانه في حقهم، وفي حق كل من سلك طريقهم: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا  2.

قال الإمام القرطبي – رحمه الله -: (عاب المنافقين بالإعراض عن التدبر في القرآن والتفكر فيه وفي معانيه) 3.

قراءة القرآن بالتفكر هي أصل صلاح القلب

قال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: ( فقراءة آية بتفكر وتفهم، خير من قراءة ختمة بغير تدبر وتفهم، وأنفع للقلب وأدعى إلى حصول الإيمان، وذوق حلاوة القرآن، وهذه كانت عادة السلف؛ يردد أحدهم الآية إلى الصباح، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قام بآية يرددها حتى الصباح، وهي قوله تعالى: إنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ 4. فقراءة القرآن بالتفكر هي أصل صلاح القلب) 5.

دور القرآن في إخراج الأمة من الفتن

باستحضارنا للقرآن الكريم؛ على أنه كلام الله، قال تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ 6، فإن الله تعالى جعله معجزا وخالدا، وبه غيّر سبحانه مجرى تاريخ البشرية جمعاء، من الضلال إلى الهدى، ومن الطريق المعوج إلى الصراط المستقيم، قال تعالى: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ 7،  ولم ولن يوجد كتاب على وجه البسيطة كتب مثله، وسخرت له جميع العلوم مثله، والواقع يشهد بذلك… كتاب جعله الله روحا وفرقانا ونورا وهدى ورحمة وشفاء، واشتمل على أمور الدين والدنيا، قال عز وجل: مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ 8.

وعن علي رضي الله عنه قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أمتك ستفتتن من بعدك، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو سئل: ما المخرج منها؟ فقال: «كتاب الله العزيز الذي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ  تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ 9، من ابتغى العلم في غيره أضله الله، ومن ولي هذا الأمر فحكم به عصمه الله، وهو الذكر الحكيم، والنور المبين، والصراط المستقيم، فيه خبر من قبلكم، ونبأ من بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، وهذا الذي سمعته الجن، فلم تتناه أن قالوا: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ 10، لا يخلَق عن كثرة الرد على طول الدهر، ولا تنقضي عبره، ولا تفنى عجائبه) 11.

طالع أيضا  الدكتور الزاوي يكتب عن تعظيم المصحف الشريف والتأدب معه

عناية المسلمين بالقرآن الكريم عبر التاريخ

اعتنى المسلمون بكتابهم الكريم عبر التاريخ، ويشمل هذا الاعتناء «كل ما فيه، وكل ما يتصل به: من حفظه في الصدور، وحفظه في السطور، ومن إبراز لوجوه إعجازه، وأسرار بلاغته، إلى عنايتهم بفنون تجويده وترتيله وشرح ألفاظه وعباراته، وبيان معانيه ودلالاته، ومن ضبط رسمه وشكله، وتحديد ابتدائه ووقفه، إلى إعرابه وشرح غريبه. ومن تاريخه وأسباب -نزوله، إلى استقراء قواعده وكلياته، وتحليل قصصه وأمثاله. ومن عد حروفه وآياته، إلى سبر مقاصده ومناسباته…» 12.

وكان من هذه العناية، الاهتمام ببيان مقاصد القرآن الكريم ومحاوره الكبرى، التي تعد قواعد وكليات، يرجع إليها في فهم مراد الله عز وجل، وفي الاجتهاد والاستنباط، مما نجده عند علماء التفسير في مقدمات تفاسيرهم.


[1] مختصر منهاج القاصدين (ت: الأرناؤوط)، المؤلف: أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن قدامة المقدسي، ص46. المحقق: شعيب الأرناؤوط – عبد القادر الأرناؤوط، الناشر: دار البيان – مؤسسة علوم القرآن، سنة النشر: 1398 – 1978.
[2] سورة النساء، الآية 82.
[3] تفسير القرطبي، ( 5/290). الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي) (ت: التركي)، المؤلف: محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي أبو عبد الله، المحقق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر: مؤسسة الرسالة، سنة النشر: 1427 – 2006، رقم الطبعة: 1.
[4] سورة المائدة الآية 118.
[5] مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة (ط. مجمع الفقه)، المؤلف: ابن قيم الجوزية، (1/187). المحقق: عبد الرحمن بن حسن بن قائد، الناشر: مجمع الفقه الإسلامي – جدة، سنة النشر: 1432، رقم الطبعة: 1.
[6] سورة التوبة، الآية 6.
[7] سورة الإسراء، الآية 9.
[8] سورة الأنعام، الآية38.
[9] سورة فصلت، الآية42.
[10] سورة الجن، الآيتان1-2.
[11] الدر المنثور في التفسير بالمأثور،(6/ 376)، والحديث أخرجه الدارمي في السنن 2/526، والترمذي في السنن (2906)، وقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإسناده مجهول، وفي الحارث مقال.
[12] مقاصد المقاصد، الدكتور أحمد الريسوني، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 2013م، ص8.