يروج في مواقع التواصل الاجتماعي مقطع من برنامج بثته قناة ب ب س (BBC) كان من بين من دعي إليه السيد ريشارد هورتن Richard Horton، رئيس تحرير مجلة ذو لنست The Lancet، وهي مجلة علمية عريقة متخصصة في مجال الطب. وقد جاء في مداخلة السيد هورتن نقذ لاذع للحكومة البريطانية، معتبرا أن تدبيرها لجائحة كورونا يرقى إلى “فضيحة وطنية”. فمنذ الأسبوع الأخير من يناير الكل كان يعلم أن الفيروس قادم، وأن الرسالة من الصين كانت غاية في الوضوح. فالأمر يتعلق بفيروس بإمكانية التحول إلى وباء، والذين يدخلون إلى المستشفيات كثر، والوفيات تزداد باطراد. لم يلتفت المسؤولون في ابريطانيا إلى ذلك، وضاع وقت كثير كان يمكن أن تتخذ فيه الاحتياطات اللازمة، وتوفر فيه المعدات الضرورية لحماية الطواقم الطبية وعامة المواطنين من الخطر. ثم يختم كلامه بما يشي بالشعور بالمرارة قائلا: إنها مأساة وكان بالإمكان تفاديها… (انتهى كلامه ملخصا). 
ليس مستغربا في مجتمع تربى على سماع النقد والاعتراض والتقييم لمن يحكمونه أن يتكلم رجل بهذه الصراحة وهذه القوة. فذلك حقه المقدس الذي لايستطيع أحد المساس به. ولذلك لم يتهمه أحد بالخيانة، ولابمحاولة كسر الإجماع الوطني، ولم يذكره أحد أن البلد يعيش مرحلة استثنائية تقتضي الإحجام عن الإشارة إلى الأخطاء والهنات، وتأجيل ذلك إلى حين اختفاء الوباء. ولم يتردد الرجل في التعبير عما يشعر به، ويصرح على الهواء مباشرة بما هو مقتنع به رغم حساسية الظرف. ذلك أنه ليس هناك أي تناقض بين مراعاة الظروف وما تقتضيه المصلحة العامة من ضرورة التنبيه على الخلل في التدبير أو التقصير في القيام بما يلزم.
هذا مثال من ابريطانيا، وتجد الأمر نفسه في غيرها من البلاد الديمقراطية التي تحترم شعوبها. أما في فرنسا التي يقلدها بعض ساستنا ومثقفينا في كل شيء إلا في الجيد النافع، فحدث ولا حرج. فالمعارضة هناك شرسة، تتكلم وتتابع الصغيرة والكبيرة، وتعبر عن رأيها بكل حرية، وتجد المنابر التي تنقل رؤاها بأمانة. ومن الأمثلة التي تابعناها قبل أيام الارتباك الذي حصل حول ضرورة ارتداء الكمامات من عدمها، وما اعتبره البعض تناقضا وعدم اتساق في إجراءات الحجر الصحي. أما قصة الدواء الذي اقترحه البروفسور ديدي راولت Didier Raoult وتم رفضه أول الأمر، ثم اعتمد في النهاية بعد حملة شعبية قوية، فقد أضحت معروفة لدى الجميع. وما سمعنا أحدا يلاحظ على المعترضين على السياسات الحكومية وما أعتبروه سوء تدبير لجائحة كورونا وقضايا أخرى بأنهم خونة يعملون لحساب جهات أجنبية، أو تحركهم دوافع شيطانية، تستهدف ضرب المصالح العليا للوطن، وكسر الإجماع الوطني الفرنسي.
 القوم هناك فهموا من خلال صراعهم الطويل مع الاستبداد أن المعارضة جزء لايتجزأ من النظام الديمقراطي السليم، وأن يقظة الجميع لامناص منها لحمايته، يقظة المجتمع المدني، والإعلام، والمنظمات غير الحكومية، كل في مجال اختصاصه، والمثقفين والمفكرين، كل من زاوية نظره، فالكل يتابع ويراقب أداء الحكومة وسياساتها والتزاماتها، ولايترددون في التنبيه والاحتجاج إن لاحظوا تجاوزا أو تقصيرا. وقد يسقط منتخبو الشعب الحكومة إن أمعنت فيما يعتبرونه مضرا بمصالح المواطنين أو ينال من حقوقهم. ليس الاستبداد قصة كانت وانتهت، فإغراءاته لاتزال رابضة في النفوس الأمارة بالسوء، تتربص الفرص، وتتحين الثغرات لتقضم من مساحة الحرية التي من أجلها سالت دماء غزيرة، وأزهقت أرواح بريئة كثيرة.

طالع أيضا  خدام الأعتاب الشريفة أو مشرعنو الاستبداد

فما بال أقوام في مغربنا يطلبون إلينا الصمت، صمت الأموات، وإذعان المغلوبين على أمرهم الذين لاينبسون ببنت شفة حتى وإن ارتكبت أمام أعينهم الخطايا والخطيئات بدون عد. يطلبون إلينا التوقيع على بياض بحجة داحضة وهي أن المرحلة تقتضي ألا نشوش على الإجماع الوطني الذي ينبغي أن يعبأ لمواجهة فيروس كورونا. وهل يكون الإجماع الوطني بالسكوت عن المنكرات؟ وما الذي يضر الإجماع الوطني أن يكون هناك من يعبر عن رأيه اتفق معه من اتفق أو خالفه من خالف؟ ما بالهم يحركون أقلاما، أشفق على حال أصحابها مع ضمائرهم وأزواجهم وبناتهم وأبنائهم، كيف يصبحون وكيف يمسون، أقلاما أكثرها مرابض في الدهاليز المظلمة، لإعلان الحرب على كل من يجرؤ على تسجيل ملاحظة، أو الإشارة إلى خلل أو تقصير أو سوء تدبير، أو غير ذلك مما لايخلو منه مجتمع، حتى وإن كان معدودا من المجتمعات المتقدمة، فكيف الحال في التي فشا فيها الفساد حتى النخاع.
نحن في زمن “الانكشاف العظيم”، نظرا لتطور التكنولوجيا الحديثة الرهيب. فأعمال الخير تنتشر بسرعة فائقة في كل أرجاء المعمور، وكذلك الأعمال السيئة، أو على الأقل كثير منها لم يعد بالإمكان إخفاؤه. ومع ذلك، وفي هذا الزمان الذي يتسم بتقارب المسافات، وسرعة انتقال الأخبار، ويقظة عالمية، وتعدد التقارير التي تكشف المستور، وتفضح المخبوء، لازال هناك في بلدنا، كغيره من البلاد المبتلاة بأنظمة سياسية فاشلة، من يعتبر أن تدبيج المقالات الوردية عن واقع غاية في السوء، وملء الجرائد والمواقع الممولة بأموال المستضعفين بكلام يخالف الحقيقة، حتى لانقول شيئا آخر، ولوك الشعارات وترديد الدعايات الفارغة في وسائل الإعلام الرسمي… لازال هناك من يعتبر أن هذا الأسلوب ذو جدوى ويمكن أن يكون ظهيرا للفساد والاستبداد، وينفع في خداع الناس ورب الناس والمتابعين لشؤوننا الداخلية.
امدح ماشئت، يا هذا، فإن كل شيء قد انكشف. امدح ما شئت وقل ماشئت عن القرارات الحكيمة، والمبادرات الفريدة، والسياسات الرشيدة. وتحدث ماشئت، وأطنب ولاتألو، عن قصة النماء والرخاء الموعود، وأوراش المجد والخلود، وعن التجربة الديمقراطية المغربية التي سار بذكرها الركبان، ويغبطنا الإنس عليها وحتى الجان، والآفاق المشرقة في ظل السياسات الرشيدة القائمة ووو… قل ما شئت. فهل تراك سيؤخذ كل كلامك على محمل الجد؟ فالخبر ما ترى لا ما تسمع. فإن لم يكن مع كلامك طعام للغرثى، ودواء للمرضى، وللمشرد وأشباهه المأوى، وللأيامى واليتامي نصيبهم من ثروة بلدهم، وللمظلوم السند حتى يأخذ حقه، ولصاحب الحاجة العون حتى تقضى حاجته، فقل ماشئت. فإنه لايسلك في أذن، إن سلك، إلا ليخرج من الأخرى. لن يكون له أثر يذكر، هذا إن التفت إليه أحد أصلا. ذلك أن عضة الجوع، وألم المرض، ولأواء المعيشة، ومحنة الإقامة فيما يسمى تجاوزا بيتا، لا ترضاه حتى للسوائم، كل ذلك يصم الآذان عن سماع حتى المفيد من القول، فكيف إن كان كذبا صراحا تجد ريح زيفه ونفاقه من مسيرة ألف عام. ولله في خلقه شؤون.

طالع أيضا  د. منار: الانتقال الديمقراطي يتأسس على الوثيقة المذهبية ثم الوثيقة الدستورية