مقدمة

عن أنس رضي الله عنه قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ، وَأَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ المَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَانْطَلَقَ النَّاسُ قِبَلَ الصَّوْتِ، فَاسْتَقْبَلَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ سَبَقَ النَّاسَ إِلَى الصَّوْتِ، وَهُوَ يَقُولُ: “لَنْ تُرَاعُوا لَنْ تُرَاعُوا” وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ مَا عَلَيْهِ سَرْجٌ، فِي عُنُقِهِ سَيْفٌ، فَقَالَ: “لَقَدْ وَجَدْتُهُ بَحْرًا”. أَوْ: إِنَّهُ لَبَحْرٌ» 1.

ومن روايات أخرى للحديث، نفهم أن الصحابة رضوان الله عليهم، كانوا في المدينة فسمعوا صريخاً من قِبَلِ سلع، وسلع هو الجبل الذي في غرب المدينة، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في لحظة الهلع هذه، أشجع الناس، بادر بالخروج إلى الصريخ يشتد، فمر بفرسٍ لأبي طلحة يسمى المندوب كان يبطأ، أي أنه لم يكن سريعا في جريه، لكن ما أن علاه صلى الله عليه وسلم حتى وجده بحرا، أي سريعا، ثم عاد صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وقد جاءهم بالخبر، يطمئنهم ويقول: “لن تراعوا لن تراعوا، إنها جارية لكعب بن مالك كانت ترعى غنماً على سلع فتردت عليها شاة فذبحتها” الحديث أصله في الصحيحين، وفيه روايات كثيرة، ولن تراعوا من الروع، أي لا خوف عليكم .

هذا الحديث العظيم يذكرنا بحديث آخر للإمام علي كرم الله وجهه يقول فيه: «كنا إذا احمر البأس ولقي القومُ القومَ اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فما يكون منا أحد أدنى من القوم منه» 2.

كيف نستصحب اليوم في زمن الأهوال والمُدلهمات، هذه العناية النبوية وهذه الشجاعة؟ وكيف نتقي برسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد حمي الوطيس واحمر البأس؟ ومن لنا بمطمئن مناد في الناس: لن تُراعوا لن تُراعوا؟

نبحث في هذه الأسئلة عبر الوقفتين التاليتين:

1ـ الصلة برسول الله صلى الله عليه وسلم أمان

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم، ووفاتي خير لكم تُعرض علي أعمالكم، فما رأيت من خير حمدت الله عليه، وما رأيت من شر استغفرت الله لكم» 3. قال القاضي عياض في الشفا: «قال أبو بكر محمد بن طاهر: زين الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم بزينة الرحمة، فكان كونه رحمة وجميع شمائله وصفاته رحمة على الخلق، فمن أصابه شيء من رحمته فهو الناجي في الدارين من كل مكروه والواصل فيهما إلى كل محبوب، ألا ترى أن الله تعالى يقول: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين. فكانت حياته رحمة ومماته رحمة، كما قال صلى الله عليه وسلم: حياتي خير لكم وموتي خير لكم. وكما قال عليه الصلاة والسلام: إذا أراد الله رحمة بأمة قبض نبيها قبلها فجعله لها فرطا وسلفا» 4.

إن حياته البرزخية صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى، هي امتداد لرحمته صلى الله عليه وسلم، وهو من حيث هو صلى الله عليه وسلم يرعى أمته ويستغفر لها، ويطمئنها ويشفق عليها مما أصابها.

طالع أيضا  تمديد حالة الطوارئ الصحية مع وقف التنفيذ

نستحضر هذا بالقدر الذي يعطينا الاطمئنان النفسي اللازم في مواجهة الخطوب، والصلة المعنوية بالوحي والموحى إليه صلى الله عليه وسلم، نفهم عن الله تعالى، ونتخذ رسوله صلى الله عليه وسلم وسنته دليلا، لا نعدو ذلك إلى التواكل والآمال المجنحة والاستسلام.

ومما نقوي به حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا والصلة به، كثرة الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم، فعَنْ عَبْدِ الله بن مسعود قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ لِله مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الْأَرْضِ يُبَلِّغُونِي مِنْ أُمَّتِي السَّلَامَ» 5، وعن أَبِي هُرَيرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً، صَلَّى الله عَلَيْهِ عَشْرًا» 6.

هذه الصلة بالصلاة والسلام عليه، صلى الله عليه وسلم، تتأكد يوم الجمعة لقوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ؛ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرِمْتَ (بَلِيتَ)؟ فَقَالَ: إِنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ» 7.

والصلاة عليه صلى الله عليه وسلم من أعظم موجبات الأمان من كل روع ومصيبة، فعن أبي بن كعب أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ فقال: ما شئت، قال: قلت: الربع؟ قال: ما شئت، فإن زدت فهو خير لك، قلت: النصف؟ قال: ما شئت، فإن زدت فهو خير لك، قال: قلت: فالثلثان؟ قال: ما شئت، فإن زدت فهو خير لك، قلت: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: إذاً تكفى همك ويغفر لك ذنبك» 8.

قال أبو الحسن المباركفوري ـ في مرعاة المفاتيح ـ : الهم: ما يقصده الإنسان من أمر الدنيا والآخرة، يعني إذا صرفت جميع أزمان دعائك في الصلاة عليَّ كفيت ما يهمك من أمور دنياك وآخرتك، أي أعطيت مرام الدنيا والآخرة، وأما ابن القيم رحمه الله، فله كتاب حافل في هذا الموضوع، سماه: جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام ـ عقد فيه الباب الثالث: في مواطن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم التي يتأكد طلبها، ومنها: عند الهم والشدائد وطلب المغفرة. وذكر فيه حديث أبيّ السابق.

2ـ قيامنا بوظيفة «لن تراعوا» واجب

مما نفهمه من الحديث الذي جعلناه منطلقا لهذا المقال، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتلكأ أن ينطلق ليعرف مصدر الصوت المفزع وخبره، لقد توسط صلى الله عليه وسلم هذه الشدة المخيفة، واقتحم العقبة صلى الله عليه وسلم، على فرس عُري بطيء بارك الله سيره، ولنحن اليومَ أحوجُ ما نكون إلى هذه المبادرة وهذا الاقتحام في غير استخفاف وتهور، ولا ركون وجمود، متخذين في ذلك كل الأسباب المادية، فاعلين حاضرين مع أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرائها وضرائها، متوكلين على الله تعالى سائلين مدده وعونه وبركاته جل وعلا.

طالع أيضا  مع الأستاذ ركراكي.. أسئلة مزعجة محرجة تنتظر أجوبة مثلجة مبهجة (1)

ثم إن نداء لن تراعوا وطمأنته، مطلوب من كل واحد منا أن يجسده عمليا في محيطه، فيكون في زمن الاضطراب ولحظة الهلع، نسمة هواء منعشة تدخل على الجو الراكد العفن، لتزيل كدورته وتنظف عفنه.

أ ـ «لن تراعوا» مع الأهل والأبناء:

جاء في حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثةٌ كلُّهم ضامنٌ علَى اللهِ عزَّ وجلَّ، وفيهم: رجلٌ دخل بيتَه بسلامٍ فهو ضامنٌ علَى الله عزَّ وجلَّ» 9. إن الأصل في بيوت المؤمنين أنها سكن وسكينة على الدوام، وهي أحوج في زمن الاضطرار إلى لزومها والبقاء فيها على مدار اليوم والليلة، إلى هذه السكينة وهذا السلام، وهو من أعظم الأخلاق مع الأهل والأبناء، فهو التجلي العملي لرابطة المودة والرحمة، ثم يتعين بعد هذا الخلق المعنوي، أن يكون للمؤمن من أشغال البيت نصيب، وألا يستنكف ذلك ولا يشمئز منه، بل يبادر إليه بحب ورغبة، اتصافا بأخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته فقد روت أمنا عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «كان  يخصف نعلَه، ويخيط ثوبَه، ويعمل في بيته كما يعمل أحدُكم في بيته»، وفي رواية لأحمد: «كان بَشَرًا مِن البَشَرِ؛ يَفْلي ثوبَه، ويَحلِبُ شاتَه، ويَخدُم نفسَه» 10.

وإن من الأخلاق الذميمة كثرة الملاحظة على عمل الزوجة، فإنه من سوء العشرة، ومن مجالب الفرقة والاختلاف، روى ابن عساكر عن أنس بن مالك قوله: «لقد خدمتُ رسولَ الله صلَّى الله عليهِ وسلَّمَ عشرَ سنينَ، فو الله ما قالَ لي: أُفٍّ قطُّ، ولا قالَ لشيءٍ فعلتُهُ: لمَ فعلتَ كَذا ولا لشيءٍ لم أفعلْهُ ألا فعلتَ كَذا» 11.

ب ـ «لن تراعوا» مع ذوي القربى:

إن الاضطرار إلى العزل الاجتماعي، لا يجب أبدا أن يعني قطع الصلة بالأرحام وذوي القربى، قال تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تقل لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيما. وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً 12. وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله: «إن الرحم شُجْنة متمسكة بالعرش تكلم بلسان ذُلَق، اللهم صل من وصلني واقطع من قطعني، فيقول تبارك وتعالى: أنا الرحمن الرحيم، وإني شققت للرحم من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن نكثها نكثه» 13.

ومن حسن الصلة، السؤالُ الدائم عن الأحوال وتعهدهم بالرعاية والدعاء، وطمأنتهم وخدمتهم والإنفاق عليهم، قال تعالى: يَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ 14.

ولنتَّقِهِ سبحانه في الرحم كما أوصانا: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً 15. فصِلَتُها منجاة من الهلاك والاضطراب، وزيادة في العمر وبركة فيه، قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: «من سرهُ أن يبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثرة فليصل رحمه» 16.

طالع أيضا  الحجر الصحي وتوزين الذات

ج ـ «لن تراعوا» مع الجوار:

يقول الله تعالى: وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ 17، جمع سبحانه في هذه الآية بين الأمر بعبادته والإخلاص في ذلك وبين الأمر بالإحسان إلى خلقه، ومنه الإحسان إلى الجار مسلمًا كان أم كافرًا، قريبًا أم غريبًا، ملاصقًا أم بعيدًا. قال الحافظ ابن حجر: «واسم الجار يشمل المسلم والكافر، والعابد والفاسق، والصديق والعدو، والغريب والبلدي، والنافع والضار، والقريب والأجنبي، والأقرب دارًا والأبعد» 18، وعن عائشة وابن عمر رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما زال يوصيني جبريل بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» 19.

هذه الرعاية للجار تتأكد في زمن الاضطراب والحجر كما هو الحال اليوم مع وباء كورونا، حيث قد يحتاج الجار طعاما أو دواء، وقد يكون ممن لا دخل قار له، فيتعين الانتباه إلى وضعه وصلته بما يقدر عليه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه ذبح شاة، فقال: «هل أهديتم منها لجارنا اليهودي، ثلاث مرات، ثم قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» 20.

 إن هذه الالتفاتة للجار والمحتاج هي مظهر الإيمان بالله تعالى، وجوهر الدعوة، قال صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره» وفي رواية: «فليحسن إلى جاره» 21. وفي رواية لمسلم: “والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب لجاره أو قال لأخيه ما يحب لنفسه” 22، وهي مناط الخيرية، روى البخاري قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره» 23.

نسأل الله تعالى جلت قدرته، أن يكتب لنا وللأمة الإسلامية ولسائر البشرية أمانا تاما من كل بلاء، ويكتب لنا العافية والمعافاة، وأن يجعلنا على قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين. 


[1] متفق عليه.
[2] رواه مسلم وأحمد والنسائي وغيرهم.
[3] صححه السيوطي في الخصائص الكبرى وجوده الولي العراقي في طرح التثريب، وقال الهيثمي في المجمع: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح.
[4] القاضي عياض، الشفا ص 24- 25.
[5] رواه النسائي.
[6] رواه مسلم.
[7] رواه أبو داود والنسائي.
[8] رواه الترمذي وقال: حسن صحيح ـ وأحمد، وحسنه ابن حجر.
[9] أخرجه أبو داود والبخاري وابن حبان.
[10] رواه أحمد.
[11] رواه ابن عساكر.
[12] الإسراء:27.
[13] رواه البزار بإسناد حسن.
[14] البقرة:215.
[15] النساء الآية 1.
[16] متفق عليه.
[17] النساء الآية 36.
[18] فتح الباري 10/441.
[19] متفق عليه.
[20] رواه أبو داود والترمذي وأحمد.
[21] متفق عليه.
[22] رواه مسلم.
[23] رواه البخاري وأحمد وغيرهما.