الهندسة رسالة قبل أن تكون مهنة

 ”L’ingénierie est une mission avant qu’elle soit un métier

بقلم: ابراهيم الصقلي

في اللغة العربية لفظ مهندس مشتق من الكلمة الفارسية هندز والتي معناها القياس والحد والأسد، الهندز هو الجريء ومن الرجال ذوو النظرة البعيدة والثاقبة، فالمهندس لغة هو صاحب النظرة البعيدة والثاقبة، الشجاع في تصوره وقراره المعتمد على القياس العقلي.

ويمكن أن نعرف المهندس بأنه من يقوم باستخدام ملكة العقل ونتاجات العلوم الكونية لتطويع وتحويل وتسخير ممكنات الطبيعة وطاقاتها مما خلق الله ليجعله في خدمة الإنسانية. فهو بالتالي ليس منفصلا عن هموم واهتمامات الإنسان وإن كان تعامله مع الحجر والشجر أكثر من تعامله مع البشر. فالمدرسة التي يدرس بها المعلم ويتلقى فيها التلميذ تكوينه يبنيها المهندس، ووسائل التعليم عن بعد يصممها ويطورها المهندس، والأجهزة الطبية التي يستخدمها الطبيب للكشف والتحليل والعلاج من صنع المهندس، والطريق والجسر اللذان يفكان عزلة القرية ويوصلان إليها موارد الحياة هي نتاج تصميم المهندس. المهندس وراء الضوء الذي ندرس على نوره، ووسائل النقل التي تقرب البعيد، ووسائط الاتصال التي تجمع العوائل. هو إذن فاعل مجتمعي أساسي ومركزي.

لكن للأسف أدت الظروف الاجتماعية التي أصبح يعانيها المهندس كما هو الحال لعدد من المهن الأخرى، إلى خلل في بوصلة الأولويات، ليصبح المهندس تحت وطأة هموم المعاش والحياة، شبه منقطع عن هموم المجتمع، ولتصير الهندسة مهنة لكسب المال بدل أن تكون رسالة لخدمة الإنسان ونيل الأجر.

فكيف آل الوضع الى هذا الحال؟ وهل من المناسب الحديث عن أهمية رسالة الهندسة في هذا الظرف بالذات؟

لقد بدت ملامح هذا الوضع منذ عقود حين كان هم المسؤولين إعداد وتكوين أطر هندسية ذات طابع تقني صرف، بعيدا عن أي انشغالات أو اهتمامات بالشأن العام، الشيء الذي حذا بهم على سبيل المثال إلى تحويل المدرسة المحمدية للمهندسين إلى نظام شبه عسكري، وما تلا ذلك من توجيه فلسفة التكوين الهندسي نحو التدبير عوض الابتكار والاختراع. ثم تكرس المشهد في العقد الأخير بسن برامج تكوين آلاف المهندسين دون مراعاة شروط ومقومات التكوين الهندسي، الشيء الذي أنتج تفاقم معضلة البطالة في صفوف المهندسين، وتردي الوضع الاجتماعي لفئات أخرى منهم، وغياب المشاريع والمقاولات الهندسية الموجهة نحو التصنيع والابتكار والاختراع.

طالع أيضا  ذة. الرياضي: الدولة استغلت الجائحة بشكل "مقيت" لمزيد من الاستبداد والاستغلال والهيمنة

لكن الظرفية الحالية المتمثلة في مجابهة فيروس كورونا وما أظهرته من تعثر في قنوات الاستيراد، بل وانكباب كل دولة على حاجياتها الخاصة، فأصبحنا نرى دول الاتحاد الأوربي ترفض مساعدة بعضها البعض، نظرا لأن موارد كل منها لا تكفي لسد خصاصها الوطني، بل إن كل دولة برهنت للعالم أن لا شيء ولا مصلحة ولا تحالف يعلو فوق مصلحتها الخاصة، هذه الظرفية جعلت البلد يلتفت مضطرا لكفاءاته الخاصة، إذ انجلى أن الخصاص الحاصل في قطاع الصحة، لا يتعلق بالأطر الصحية فحسب، بل يتعدى ذلك إلى خصاص صناعي كبير في الآليات والتجهيزات الطبية. فإذا، فالبلد يحتاج ليس فقط لرسالة ومهنة الهندسة بل إلى ربط جسور التواصل بين قطاعات لطالما اضطرت للتغريد كل في سربه. هكذا أصبح المغرب مضطرا بفعل هذا الفيروس للاختراع والابتكار والتصنيع الداخلي بما يخدم الصحة ويحفظ الأنفس من التهلكة.

لقد برزت في هذه اللحظة التاريخية روح الوطنية والتضامن من داخل هذا المهندس وذاك وانبرى عدد من المهندسين يسارعون الزمن لاختراع آلات التنفس بوسائل محلية، لا يبغون في ذلك أجرة ولا منفعة خاصة، بل يقولون إلى جانب عدد من المواطنين الأحرار: “الوطن أولا”.

لابد في هذه الظروف من إنصاف هذه الفئة المجتمعية؛ بأن نقول أن سياسات الدولة في الحقل الهندسي أدت الى تكريس التوجه المهني الصرف للمهندسين، وإلى تغييب البعد الرسالي للمهندس سواء أثناء مزاولة مهمته أو خارجها. لابد أن نكون أكثر إنصافا ونقول بأن الفاعلين الهندسيين نادوا في غير ما مرة بأن السياسات الممنهجة منذ عقود، سواء على المستوى التكويني أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو السياسي، فوتت على البلد بأكمله فرصة الانتفاع بكفاءاته الهندسية، وجعلت المهندس يصارع مشقة الحياة وينشغل بالاكتساب والتكسب، بدل نشدان المنفعة والمصلحة المتعدية للغير والمتجاوزة للأفق الضيق للوظيفة والعمل والأجر. وفي المقابل يلزم التأكيد على أن كل هذه الظروف لم تمنع عددا من المهندسين والمهندسات من الحضور المجتمعي الفاعل، ولم تثنهم عن الدفاع المستميت عن رسالة الهندسة في خدمة الصالح العام.

طالع أيضا  زمن "كورونا".. رمضان بروح مسجدية

السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح، هل نحن أمام حلم سرعان ما سنستفيق ويعود كل إلى مكانه، أم أن البلاد ستحافظ على هذه الكفاءات وتصبح الهندسة ركنا من أركان بناء المجتمع والدولة، ونقول حينها أن المغرب استفاد من أزمة كورونا وأصبح له قطاع هندسي فاعل متفاعل منظًم منظِم.

في هذا السياق، لا بد مستقبلا، للمهندسين وللدولة من اعتبار الهندسة رسالة مجتمعية، واستشعار ضرورة الانتظام والتحلي بالمسؤولية تجاه سياسات الدولة في مجالات التكوين والتشغيل، وتجاه ما ينتظر منهم للمساهمة في تقدم ورقي مجتمعهم. ومما يمكن اقتراحه والعمل على تنزيله لتطوير هذا الوعي وتفعيل هذا التأطير:

§         إعادة النظر في برامج تكوين المهندسين، وبلورة سياسة تعليمية كفيلة بتخريج مهندسين مخترعين قادرين على رفع تحدي الابتكار والتطوير، ومعبئين لتحقيق الاكتفاء الذاتي والاستجابة لحاجيات البلد زمن الطوارئ.

§         توطيد علاقة المهندس بمحيطه وبباقي القطاعات كما هو الحال في بلدان أخرى، وترسيخ القيم الهندسية والأخلاقية. والمقصود هنا ليس الشكل (برامج ومخططات) ولكن المضمون وأثر ذلك في الحياة المهنية للمهندس والحياة اليومية للمجتمع مما يوطد الوعي، عند كل الأطراف، بأخلاقيات وقيم الممارسة الهندسية.

§         الانخراط في المشاريع الهندسية التي تقدم خدمة مجتمعية وطنيا ودوليا، والمشاركة في مبادرات المجتمع المدني الهادفة وتشجيعهم على إنشاء المقاولات الاجتماعية.

§         العمل على توحيد جهود الفاعلين الهندسيين كالجمعيات والهيئات الهندسية والنقابة والاتحاد لضمان تأطير أكبر وتمثيلية أوسع في أفق تنظيم للمهنة.

§         إحداث يوم وطني للهندسة من أجل التنمية، وإطلاق مبادرات شبابية تعطي المثال وتجعل من المهندس فاعلا مركزيا في التنمية المتوازنة والمستدامة.

§        توطيد خدمة المهندسين والطلبة المهندسين للمناطق النائية، والانخراط في مشاريع من قبيل حفر الآبار وتشييد الطرق والقناطر، مع الاعتماد على شراكات مع مقاولات وطنية ودولية، مما يساهم في معرفة واقع البلد والمجتمع وفهم التحديات التي تنتظرهم.

طالع أيضا  بناجح: المجتمع كسب الشوط الأول وعلى الدولة معالجة الأعطاب المستمرة

§         إحداث مسابقة للمهندس المؤثر والفاعل وطنيا، هدفها التعريف بإنجازات المهندسين التي لها تأثير صريح في واقع الناس والبلد، وتشجيع المهندسين على إحداث الفارق والتأثير الإيجابي على محيطهم.

إنه لا بد من وعي عميق لدى المهندس، والدولة والفاعلين الهندسيين على حد سواء، حول هول حاجة الدولة والمجتمع للكفاءات الهندسية، فالخصاص ليس حاصلا فقط في التكوين والتشغيل بل في صميم رسالة المهندس ودوره داخل المجتمع. لذا وجب تكثيف الجهود للخروج من واقع ما قبل كورونا، واقع ضبابية الحاضر وقتامة المستقبل، لإعادة الاعتبار للمهندس داخل مجتمعه ليقوم بالمهام المنوطة به عن وعي ومسؤولية وليصبح صاحب رسالة ومهمة لتطوير بلده.