بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

النصف من شهر شعبان فرصة للتطهير والتنوير والتعمير

مقدمة

العالم كله يعيش في ظروف الحَجْر الصحي، في حيرة بسبب فيروس كورونا الذي أتى على الأخضر واليابس، ويبحثون عن لقاح هذا الفيروس، ويتضامنون فيما بينهم للحد من انتشاره بملازمة بيوتهم، إلا أنهم وقعوا في ضيق نفسي نتيجة الفراغ الروحي، أدى بالبعض إلى التوتر والقلق واليأس، وأوصل بعضهم إلى الانتحار، والفرصة مواتية لنمد العالم كله بالدواء الكافي والشافي من القرآن، الذي هو كلام مَن خلق الإنسان وهو أعلم بخلقه من غيره، بعد الانتفاع به شخصيا، قال تعالى: أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ 1.

إذا ضاقت بك الدنيا ففكر في “ألـــم نشرح”   ***   فعسرٌ بين يسرينِ متى تذكرهما تفرح

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (أنه بلغه أن أبا عبيدة حُصر بالشام، وقد تألب عليه القوم، فكتب إليه عمر: سلام عليك، أما بعد: فإنه ما ينزل بعبد مؤمن من منزلة شدة إلا يجعل الله له بعدها فرجا، ولن يغلب عسر يسرين…)، 2.

وفي سورة الشرح يخاطبنا خالقنا ويقول: فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ 3، أي: “فإذا فرغت من أمور الدنيا وأشغالها، فَجِدَّ في العبادة، وإلى ربك وحده فارغب فيما عنده”. 4، وبما أن هذا الحصار قد فرّغنا – دون إرادة منّا- من شواغل الدنيا، فلازمنا بيوتنا، فإن هدا الحجر قد وافق شهر شعبان الذي تتشعب فيه الخيرات، وهو شهر رسول الله، صلى الله عليه وآله، وقد دعا بالرحمة لمن أعانه على شهره هذا بالعبادة والطاعة. ولتسمية شهر شعبان بهذا الاسم بغض النظر عن المعنى اللغوي، غفلة الناس عن هذا الشهر لمَّا اكتنفه شهران عظيمان؛ الشهر الحرام (رجب الأصب)، وشهر الصيام (رمضان المبارك)، عن أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنهما قَالَ: (قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنْ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ، قَالَ: ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ، بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ) 5، ففي هذا الحديث إخبار بأن شهر شعبان، تُرفع فيه الأعمال الصالحة إلى الله – عز وجل-  وإن من الأعمال الصالحة التي تُرفع إلى رب العالمين: الصيام وغيرها من الأعمال الصالحة، وهذا الحديث دليل على ضرورة تحويل أوقات الغفلة، إلى أوقات اليقظة والصحوة بين يدي الله – تعالى- وقد وردت في فضل شهر شعبان أحاديث كثيرة تبين عظمة هذا الشهر الشريف وحُرمته، وتحثّ على اغتنامه بالدعاء والأعمال المسنونة، بما يفيد في عملية البناء الذاتي للإنسان  خاصة وللمجتمع عامة.

شهر شعبان فرصة للمصالحة مع الله ومع الناس

وبما أن شهر شعبان هو شهر رسول الله، صلى الله عليه وآله، فإن صيامه وقيامه، في لياليه وأيامه، يُعد فرصة ذهبية لتحقيق التأسّي بصاحب هذا الشهر العظيم، وبذلك نكون مستجيبين لقول الله تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً 6. وها هو هذا الشهر العظيم سيمضي نصفه، فلنتدارك ما بقي منه، ولنستفد من ليلة النصف منه خصوصا، ومما تبقى من أيامه عموما. وذلك بالإقبال على ما يعنينا، وترك ما لا يعنينا، ولنبدأ بالتوبة قصد المصالحة مع الله أولا، وذلك بالإقلاع عن الذنب، والندم على ما فات، والإكثار من الحسنات، والمصالحة مع الناس ثانيا، برد المظالم إلى أهلها حسية كانت أو معنوية، ولا ندع أمانة في عنقنا إلا أديناها، ولا في قلبنا حقداً على مؤمن إلا نزعناه، ولا ذنباً ارتكبناه إلا أقلعنا عنه، واتقينا الله وتوكلنا عليه في سر أمرنا وعلانيتنا، قال تعالى: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً، ولنكثر من الدعاء في كل وقت وحين، وخصوصا في الثلث الأخير من الليل، وفي السجود، وبعد الصلوات الخمس فهو مخ العبادة، ولنكثر من الاستغفار وتلاوة القرآن، ليقبل شهر الله إلينا الذي هو رمضان ونحن مخلصون له.

ليلة النصف من شعبان في الهدي النبوي

ورد في ليلة النصف من شعبان من طرقٍ كثيرةٍ أحاديث صححها بعض أهل العلم، وحسنها بعضهم، وردها البعض الآخر وقالوا: لم يصح في ليلة النصف من شعبان أي حديث؛ وواضح في شأن الأحاديث الضعيفة أن الضعيف يمكن الأخذ به في فضائل الأعمال كما هو معروف عند علماء المصطلح. وهذا الإمام النووي رحمه الله تعالى – على سبيل المثال لا الحصر- قد نقل اتفاق المحدثين والفقهاء على جواز الأخذ بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، والترغيب والترهيب في كثيرٍ من كُتبه… وقد نقل ذلك في كتابه (الروضة)، وفي كتابه (الإرشاد والتقريب)، وفي كتابه (الأذكار). وهذا واضح، فإن المُطالع لكثيرٍ من كُتب المُفسرين، وكُتب المواعظ، وبعض السنن، يجد أن هذه الكُتب لا تخلو من بعض الأحاديث الضعيفة، وهذا هو مذهب الإمام النووي رحمه الله، والذي عزاه إلى بعض المُحدثين والفقهاء: (أنه يجوز رواية الحديث الضعيف والعمل به في فضائل الأعمال والترغيب والترهيب ما لم يكن موضوعاً)، وسنقتصر على حديثين نستنبط منهما أحكام إحياء هذه الليلة المباركة، وما تبقى من أيام شعبان:

1 – غفران الذنوب في ليلة النصف من شعبان

قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَه تَعَالَى لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ» 7. مشاحن: أي مخاصم لمسلم أو مهاجر له.

فهذا الحديث وأمثاله مما صححه بعض أهل العلم، فيه إثبات مغفِرة الله تعالى في ليلة النِّصف مِن شعبان لعباده، إلاّ لِمُشركٍ بأيِّ نوع مِن أنواع الشِّرك، ولِمُشاحِن بينه وبين أخيه هجرانٌ وقطيعة لأمرٍ مِن أُمور الدُنيا.

2 – إحياء ليلة النصف من شعبان بالإكثار من العبادة

مع فضل شهر شعبان الذي ترفع فيه الأعمال إلى الله تعالى، ويغفل عنه كثير من الناس عموما، وما ورد في ذلك من حديث معتمد، واطلاع الله على الناس في هذه الليلة، وغفرانه للذنوب خصوصا، من خلال الحديث الحسن السابق الذكر، يكفي أن يكون ذلك دليلا كافيا لتخصيص هذه الليلة بمزيد من الطاعات، وصيام نهار النصف من شعبان، ليتعرض المؤمن والمؤمنة لنفحات الله في هذه الليلة وهذا اليوم، بغض النظر عن سائر الأحاديث النبوية الأخرى، والرغبة في معرفة درجتها من الصحة، وبغض النظر كذلك عمن لم يجز تخصيص هذه الليلة بشيء مميز من العبادات عن سائر ليالي شعبان، وهذا ما ذهب إليه بعض علماء السلف والخلف، فقد رأى بعض العلماء القدامى كالإمام القسطلاني، والمعاصرين كعطية صقر – رحمهما الله تعالى- عدم الممانعة من الاحتفال بالليلة من نصف شعبان، بشرط أن يكون الأسلوب مشروعا، ومما يقوله عطية صقر رحمه الله: (والإحياء شخصيًا أو جماعيًا، يكون بالصلاة والدعاء وذكر الله سبحانه، وقد رأى بعض المعاصرين أن يكون الاحتفال في هذه الليلة ليس على النَّسَقِ، وليس لهذا الغرض، وهو التقرب إلى الله بالعبادة، وإنما يكون لتخليد ذكرى من الذكريات الإسلامية، وهي تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى مكة، مع عدم الجزْمِ بأنه كان في هذه الليلة، فهناك أقوال بأنه في غيرها، والاحتفال بالذكريات له حُكمه، والذي أراه عدم المنع ما دام الأسلوب مشروعًا، والهدف خالصًا لله سبحانه). وليس للنصف من شعبان دعاء خاص، وإنما الأصل أن العبد قريب من ربه يدعوه في أي وقت، وبكل صيغة فيها من الأدب والخضوع لله تعالى ما يكون أجدى معها للقبول. كما أنه ليس لهذه الليلة صلاة معينة مخالفة لصلوات النوافل المعروفة.

الخاتمة

بما أن كل نقمة في طيها نعمة، فلنجعل من هذا الحَجر الصحي المضروب علينا في بيوتنا، فرصة للتعاون على البر والتقوى بين أفراد أسرنا، صياما وقياما وذكرا، بعد التصالح مع أبنائنا وزوجاتنا لنحظى بمحبة الله لنا فقد قال تعالى في الحديث القدسي: (حقت محبتي للمتحابين في، وحقت محبتي للمتجالسين في، وحقت محبتي للمتزاورين في) 8.


[1] الملك: 14.
[2] رواه الحاكم في “المستدرك” (2/329) بسند صحيح، وقال فيه: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي في “التلخيص”.
[3] سورة الشرح، الآيتان 7- 8.
[4] التفسير الميسر (5/11، بترقيم الشاملة آليا).
[5] صَحِيح الْجَامِع: 3711، الصَّحِيحَة: 1898.
[6] سورة الأحزاب: 21.
[7] أخرجه ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في ليلة النصف من شعبان، رقم (1390)، وحسنه الألباني.
[8] أخرجه الطبراني عن عبادة بن الصامت (20/81، رقم 154).