يا له من اكتشاف غير مسبوق!
قبل الحَجْر الصحي كنت بلا وقت تقريبا. جله كان ضائعا، أو مسروقا مني على الأصح. هكذا بدا لي!
كنت أنفقه بسخاء لكن على الآخرين، كنت أتحسر بصمت على هذا الكرم الحاتمي الذي كنت أبديه تجاه التصدق بوقتي كله من أجلهم. وقتي كان يملكه آخرون، هم كُثر لدرجة أنه كانت ساعات يومي لا تكفيهم فمنهم من يأخذه جله، ومنهم من يأخذ الباقي فأبقى متحسرا كل يوم أجتر مرارتي، وكان العزاء يأتي من إجماع خبيث من الجميع: إنه زمن السرعة والوقت إن لم تنفقه هكذا فقد تهلك. بالجوع أو بالحرمان أو حتى بالعطالة التي قد تبقيك عالة دون عمل أو معيل!
ما فضل لي من وقتي كانت اهتماماتي الشخصية-الذاتية تتزاحم أيها تظفر به ومن كانت تفوز لا تجد لها متسعا كي تستمتع بما نالته بشظف، بل كنت أقضيها على عجل أو بدون عدل.
فكثرت الشكاوى من اهتمامات دون أخرى، لم يكن “يحسم” هذه المحاكمة الضاجة غير ساعة النوم التي يكون سلطانها قويا فتستميل القاضي الذي غالبا ما أمثل -أنا- دوره بعدل وسماحة فأحكم بالحق لها وآمر بتنفيذ الحكم دون توانٍ لأجد المتقاضين الآخرين قد غضبوا مني فأحيلهم كقضايا مؤجلة وملفات ومشاريع على رف الانتظار وأعِدُ ثم أُعيد أنني غدا سأعدل وأقضي مآرب اهتماماتي وأعرف من أكون وأقبض ثمن وقتي الضائع!
كنت غريقا في بحر الأسبوع إلى آخره، مكبلا بالتزاماتي مكرها لكن بإحساس قوي بالمسؤولية والواجب! إلا أن الواجب اتجاه خصوصيتي وذاتي كان معلقا ينتظر الإفراج أو ينتظر سويعات شحيحة آخر الأسبوع كنت أتصارع مع متقاضين آخرين أيُّنا يفوز بها فينتهي النزال الضاري بأن أفوز لكن بخسارات كبيرة كما كنت أتوقع!
يحدث أن أكتب خاطرة شعرية في وقت قصير من راحتي اليومية وأنا أبتلع لقيمات على عجل وسط صخب الصغار وضجيجهم وقضاياهم الملحة التي تنتظر تدخلاتي العاجلة وإلا وقع المحذور. أو أرتشف قهوتي الباردة دون تلذذ ودون سكر كذلك!
أو أجري محادثة هاتفية مع من أحب في وقت كنت أقتطعه اقتطاعا من لصوص سلبوني وقتي الثمين. كنت أعتقد أنني أمارس الغش، لكن هو حقي الضائع -لاشك -!
ويحدث أن أغافل نومي المظلوم فأسرق منه بعض اللحظات سهرا لأطل على عالم موار ضاج متحرك من شاشة هي الأخرى كانت متآمرة حقودة عليّ، فأضطر لأن أمنحها حقها بإكرامية سخية فتعاتبني عقارب ساعتي الحائطية لأقوم نادما مستسلما معاتبا نفسي على هذه الفوضى التي أعيش فيها دون انضباط. أقوم إلى فراش ينتظرني هو الآخر ليسلمني باكرا تحت شعار المسؤولية والواجب فأتركه دافئا قبل أن تؤذن الشمس بقدوم النهار! كنت أنام ليلي أو بعضا منه لأقتطع منه جزءا دافئا أضيفه ليومي عله يكفيني أو بعبارة أخرى يرضي لصوصا متربصين به، فأكرمهم كما أفعل بسخاء دائما!
رغم أنني أحادثكم الآن بضمير المتكلم إلا أنني لم أجد دليلا على وجودي في النص!
أين أنا، ذاتي، مواهبي، هواياتي … ؟
سرعان ما أحصل على الجواب: اُسكت. إنك تقوم بواجبك فكفاك تذمرا، إن مشكلتك أنك لا تجيد تنظيم وقتك الثمين، “اقطعه قبل أن يقطعك”! يأتيني هذا الجواب قاطعا مقنعا وأنا في حيرة من أمري، إنني المذنب ولا شك عن خسارة وقتي. فأنا في الواقع لا أقرأ إلا قليلا ومكتبتي تقف بشموخ تنتظر أن أداعبها فتمنحني كتابا بعد آخر لمطالعته. وأوراقي بيضاء تستنجد بي أن أسودها بخواطري وألونها بشعري أو بمقالات كانت عناوينها تطن كالنحل الجائع في عقلي لكنني كنت أمارس السادية فأبقيها معلقة دون أن أعتقلها على أوراقي البيضاء.
وأطفالي؛ تلك الكائنات اللطيفة التي تمتلئ حبا وحيوية وجمالها، كانت اللحظة التي تُصدِر مفاتيح باب منزلي صريرها هي أجمل لحظة لديهم فكانوا أمام الباب يظفرون مني بقبلة منهكة كانت جائزتهم بعد يوم طويل كانوا فيه ضحايا السرقة الموصوفة مثلي. لكن سرعان ما تبقيهم تأوهاتي وقسمات وجهي المتشنجة من التعب والإرهاق بعيدا عني وهم يرقبونني في براءة حائرة ولسان حالهم يقول : متى ينتهي أبونا فنظفر به؟
أما زوجتي فكانت متفهمة جدا تدعو الله أن أسْلَم ولا تنتهي بطاريتي الصحية فأهزم، ترمم المسكينة ما تهدم من يومي، تطعمني وتجلب دواء الضغط والسكري. أضيف ملفات كانت تشغلها والتي لازالت إلى القاضي المشهور بتأجيلاته القاسية فلا تتذمر مثلي، فكلانا ضحيتان لسرقة مكتملة الأركان!
الكثير من تأجيلات وقتي لن أضمنها قصتي هاته لأنني لو دونتها لفضحت نفسي فأُتهم بمعارضة قانون العيش وأُحسَب _لا قدر الله _ ضمن قائمة الكسالى المتذمرين من أي وضع ولو كان الوضع هو: “عش حياتك دون وقت وبدون تذمر!”.
لكن يكفي أن أحدثكم أنه ذات يوم عيرني أحد الأشخاص_الأصدقاء (كان لديه وقت على ما أظن!) عندما اعتذرت له بأنني لا أملك وقتا لطلبه الروحي: إنك تضيع عمرك هباء! ويا ليته استعمل المضارع مع واو الجمع لكان أهون علي!
إلى أن جاءت الجائحة فانتبهت إلى أن لي وقتا كان مسلوبا مني تحت الإكراه، وكنت مجبرا على أن أتكتم على اللصوص سرا للأسف!
وكي لا تكون قصتي دون “أدب” فأنا أطمئن القارئ الكريم أنها “غير واقعية” وأنها جزء قصير جدا من شريط حلم راودني أثناء نومة متأملة. وأطمئنه أيضا أن حليمة التي تبخل بالسمن وتضِنُّ به على ضيوف حاتِمها الكريم ستعود إلى عادتها القديمة، وسأتعود على منح كنزي الثمين بسخاء يضاهي حاتمها الطائي في سخائه وكرمه. فقط أنتظر صك الحرية من السجان الخبيث: “كورونا” الملقب برقم ( ك_ 19) فأخرج منتشيا من سجني الجميل لأتمتع بها وأعود إلى موالِيَّ من اللصوص الذين يملكون وحدهم الحق في التصرف في زمن منحته لهم بالخطأ ربما تحت قارعة الندم…!
وأخيرا؛ وددت لو ما شكوت لكن اكتشافا كهذا جدير بالاعتراف لقرائي الأعزاء.
وجانب هام أيضا، قد يكون أحدكم أو إحداكن مثلي قد سلبت وقتها وسلب وقته أطمئنه أن الحرية قريبة جدا منا فلنستمتع بسجننا الصحي الجميل.
ملاحظة هامشية:
*نخبر السادة القراء أن أي تشابه مع الواقع هو “حاجةُ أدبٍ” لتكون القصة أحلى أو أقسى. لا أعلم !