كعادتها في لحظات الحرج والارتباك، فضلت المصادر الأمنية “المطلعة” و”العليمة” و”الموثوقة” و”المقربة” تدبيج جواب مجهول، معنون بشكل غريب: “بيانات فوق القانون” .. مصدر أمني يرد على جماعة العدل والإحسان” للرد على بيان جماعة العدل والإحسان المكتوب في وضح النهار والمذيل بصفة موقعه بما تقتضيه المسؤولية تفاديا لكل خلط محتمل وتلبيس غير مقبول في مثل هذه اللحظات تجاه واقعة اعتقال الشاب ياسر عبادي التي كانت خطأ من حيث ظرفيتُها وتوقيتُها وموضوعُها والكيفيةُ التي تمت بها. ولعل الصورة المتداولة للباس ياسر بعد خروجه من عند وكيل الملك تبين بعضا من هذا التعسف. وإزالة لكل لبس ودرءا لكل غموض وتوخيا للمسؤولية والوضوح ارتأيت توضيح الآتي وعنونته بأنه همسة في أذن هذا المصدر الأمني المجهول توخيا للهدوء اللازم ولما يقتضيه المنطق إن كان حريصا على سيادة منطق القانون وبعيدا عن لغة الخشب:
1- اختارت العدل والإحسان الوضوح بينما اختار “المصدر الأمني” الغموض والاختباء وراء حجاب إلكتروني انفرد وحده بهذا “السبق الإعلامي”، وهو ما يؤكده أن الرد لم يعمم على وسائل الإعلام جميعها كما يقتضي ذلك التواصل المؤسساتي والحق في المعلومة والمساواة في التعامل مع كل وسائل الإعلام. وهذا “المصدر الأمني” ملزم بتبرير أسباب تفضيله لهذا المنبر عن غيره، وسر هذا الامتياز الذي يضرب الحيادَ اللازم في مؤسسة عمومية يجب أن تكون على مسافة واحدة من جميع وسائل الإعلام، إضافة إلى أن المسؤولية تقتضي أن يفصح عن صفته واسمه وعلاقته بالملف.. وهذا واجب لأن الاختفاء في مثل هذه الحالات دليل على ضعف وفقدان الحجة ورغبة في سد فراغ بأقل كلفة لأنه يدري أن رده مهزوز وغير مبني على أساس قانوني ويفتقد للحجة المادية، وإلا لماذا لم يضف هذا “المصدر الأمني” إلى رده المحضرَ الذي يثبت إطلاع عائلة ياسر عبادي على التهمة التي يساق إلى المعتقل بسببها.
2- يلاحظ من خلال اطلاع بسيط على مضمون فقرات رد “المصدر الأمني المجهول” حجم الجهد الذي بذله، وهو مؤشر على “الأرق” الذي سببه له بيان/بلاغ بسيط، وكان يكفيه فقرة واحدة لتوضيح موقفه، ولكنه التخبط في أعلى درجاته، حيث يفقد المرء فضيلة الاعتراف بخطئه فيستمر في مراكمة الأخطاء.. وهذا الرد كله خطأ.
3- لقد استفرغ هذا “المصدر الأمني المجهول” جهده لجر الجماعة للنهل من قاموسه المؤطر بقانون يتعارض، في الكثير من مقتضياته، مع منظومة حقوق الإنسان التي تناساها كلية فتحدث عن الفرق بين “الاعتقال” و”الاحتجاز” و”الوضع رهن الحراسة النظرية” و”التوقيف”، وهو مما يعرفه طالب مبتدئ في كليات الحقوق، وربما لا يجادل هذا المصدرُ في أن العدل والإحسان تتوفر على أطر قانونية، هو أدرى بكفاءتها وعددها.
4- إن تجاهل هذا “المصدر الأمني المجهول” لطريقة الاعتقال وتوقيته والملابسات المحيطة به وعدم الإخبار بموضوعه وأساسه القانوني يخرجه عن دائرة القانون وعن معجمه المصطلحي، ويضعه، حقوقيا، في خانة أخرى، وقد كانت العدل والإحسان، للحقيقة والتاريخ، متلطفة جدا في انتقاء المصطلح المناسب لحالة ياسر حين وصفته بالاعتقال التعسفي وليس شيئا آخر.
5- لقد حاول “المصدر الأمني المجهول” من البداية جر الجماعة إلى مجال لم تقصده نهائيا من بيانها، وهو أنها تدافع عن ياسر عبادي من منطلق عقدي وعائلي وبمقاربة تمييزية. وهذا خاطئ لأن الجماعة تدافع عن احترام الحقوق والحريات بشكل كامل وعدم خرقها تجاه أي أحد، ومواقفُ الجماعة واضحة في هذا الباب في نصرة كل مظلوم بغض النظر عن معتقده وانتمائه و… والتاريخ والوقائع شاهدة، ودفاعها عن ياسر وحريته يدخل ضمن هذا الإطار، والجماعة هي أكبر متمسك بالمساواة تجاه القانون الذي يشاهد المغاربة خرقه يوما بعد يوم وبتواتر.
6- لقد سقط الموقع الناشر في خطأ مهني وأخلاقي لأنه أفرد المقال كله لرأي واحد دون استحضار الرأي الآخر والرواية الأخرى، ولأن الاقتصار على أن الرأي الآخر موجود في البيان لا يستقيم بحكم أن بيان الجماعة أصبح موضوعا لمادة إعلامية وليس رأيا بتواجه مع رأي “المصدر الأمني المجهول”.
7- لقد طبع كلام “المصدر الأمني” انتقائية مخلة وكيل بمكيالين لأنه فضل الجواب عما يريده هو ويناسبه هو ولم يتطرق لكثير من القضايا التي أثارها بيان العدل والإحسان بما ينبغي من التفصيل والأهمية والتوازن، ولذلك فهو كان في الحقيقة بعيدا عن الرد كما تقتضيه المهنية في التواصل وتنوير الرأي العام، بل كان يحاول تبييض صورة خرق قانوني على حساب الجماعة.
8- يلاحظ أن حجم الرد وتقعره في البحث عن مخارج قانونية لفعل السلطات وتزامنه مع قرار تمتيع ياسر بالسراح المؤقت كان مبالغا فيه يعكس حجم الحرج الذي أوقع فيه فعلُ الاعتقال السلطةَ التي أرادت الخروج بأخف الضررين بهذا التوضيح الذي أتى معاكسا لما أراده صاحبه. وهذه مناسبة أخرى للتذكير بأن المتابعة فارغة من أساسها ومنطق القانون والعدالة يستلزم إيقافها.
9- لقد نعت المصدرُ البيانَ بالمشوب بعيب سماه “التجاوز الاصطلاحي”. وأطلق العنان لتفسير ذلك متطرقا لمصطلحات كثيرة تناولها من زاوية نظره، وهي كافية لتسقط كلُها لنصبح بصدد اعتقال تعسفي طالما أن من قام بعملية الاعتقال لم يخبر العائلة بموضوع الاعتقال وأساسه القانوني، وكان حريا به أن يثبت كلامه بنشر المحضر القانوني الذي ادعى توفرَه عليه ويتضمن إخبار العائلة بموضوع الاعتقال. هذا ما يقتضيه التواصل المؤسساتي المسؤول وتنوير الرأي العام لأننا تجاوزنا مرحلة تصديق الكلام المرسل إلى وجوب الإدلاء بالحجة القانونية.
10- كما نعت المصدرُ البيانَ بالمشوب بعيب “التقعيد القانوني”. وهذا محض افتراء لأن البيان لم يتطرق إلى هذا الأمر نهائيا، بل اكتفى بتوصيف الوقائع ولم يذكر أي أساس قانوني يقعد للمتابعة بأي شكل لأن من صاغه يعي جيدا أنه مهما بلغ علمُه وفقهه بالقانون فإنه سيكون عاجزا عن فهم ما يدور في مخيلة السلطة ولأنه يدرك، بحكم التجربة، عبقريتها في تكييف كل واقعة وفق ما يخدم “هواها” لأن القانون يسعفه دائما، فهو مفصل منذ صياغته كمشروع على مقاسه.
11- نعت المصدرُ البيانَ ب”الانزلاقات الأخلاقية”. وهذا دفع يصح عليه “رمتني بدائها وانسلت” لأن رد “المصدر الأمني”، المجهول للأسف، كله انزلاقات أخلاقية وقانونية ومهنية، حيث نسب للجماعة أمورا لا علاقة لها بها ولم ينص عليها البيان تلميحا أو تصريحا، من قبيل أن الجماعة تريد أن تُشعر هي بالاعتقال وليس العائلة، حيث جاء في الرد ” لكنه نفى في المقابل أن يكون قد تم “إشعار جماعة العدل والإحسان بأسباب التوقيف، لأن القانون لا يفرض على ضباط الشرطة القضائية إشعار القبيلة وأهل العترة والجماعات والمنظمات بأسباب التوقيف، إلا ما نص عليه القانون صراحة بالنسبة لذوي الصفة، مثل مؤسسة النقيب بالنسبة لأعضاء هيئة الدفاع…الخ”.”.. هذا نوع من الهروب عن الموضوع لافتعال قضية غير ذات موضوع ولم يثرها أحد.
12- لاحظ، أخي القارئ أختي القارئة، حجم هذه الفقرة وهذا التوسع في شيء غير مطروح نهائيا، ولاحظ حجم التهكم المفتقد لحس المسؤولية ولاحترام المغاربة، والأغرب، وهذه لا يمكن مرورها بسرعة دون تعليق. لقد نسي “المصدر الأمني المجهول” أن يرفق اسم “العدل والإحسان” بالقاموس المعروف “المحظورة” أو “غير المعترف بها” أو “غير القانونية”. فهل هو متعمد؟ أم مجرد نسيان؟ أم هو تصرف من الصحفي؟ لكم الاستنتاج، ولكن لا أظن هذه السقطة بريئة، ولا أظنها ستمر عليه بدون حساب، وعندنا سوابق في هذا الباب ليس المجال لذكرها.
13- اتهم “المصدر الأمني المجهول” الجماعةَ باستباق مجريات البحث. وهذا نوع من تحريف الكلم عن مواضعه لأن بيان الجماعة لم يتضمن أي استباق لموضوع الاعتقال، بل الذي قام به هو من سرب التهمة للإعلام المشهور بالتبعية له.. ويمكن ببساطة التأكد من ذلك من خلال اطلاع بسيط على ما نشر في مواقع التشهير المعروفة التي نسبت كل ما نشرته لمصادر أمنية اجتهدت من “تلقاء ذاتها”.
14- إن نفي هذا المصدر للتسريب يجعله أمام مسؤولية قانونية يجب أن يباشرها بشكل آني وهي تحريك الدعوى العمومية ضد هاته المنابر التحريضية التي استبقت مجريات البحث ونشرت موضوع المتابعة ونسبته لمصادر أمنية. وبإطلالة بسيطة على ما نشر سيتضح ذلك جليا. سيكون تفعيل هذه التوصية أهم مؤشر على مصداقية هذا المصدر وحرصه على سيادة القانون بدون خلفيات سياسية. ونحن في الانتظار.
15- لا يمكن تجاهل الخلفية السياسية لواقعة التوقيف كأساس وبأن الجانب القانوني تبع لهذا الطابع السياسي. وطبعا هذا رأي ومقاربة يمكن أن يقع بشأنها الاختلاف وعادي جدا أن يتمسك “المصدر الأمني المجهول” بأنه قانوني بينما ترى الجماعة أنه سياسي ويستهدف الجماعة، ولكن هذا الاختلاف في التقدير لا يسمح للمصدر المجهول أن يحاجج بالقانون.
16- لم ينس “المصدر الأمني المجهول” فكرة الاعتقال خارج وقت حظر التجول، وأثارها وكأنه حصل على تهمة الإدانة للجماعة، ونسي أنه طبيعي جدا أن تستغرب الجماعة هذا التوقيت لأن الأمر ليس استعجاليا، وخاصة أن التدوينة موضوع المتابعة مرت عليها أيام ولم يكن هناك داع للاعتقال في هذا التوقيت، للتذكير تم قبيل المغرب بنصف ساعة وهو خارج الوقت المسموح بالخروج فيه، وإزعاج السكان والعائلة إلا إذا كان هذا الإزعاج هدف في حد ذاته.
17- أنكر المصدر المجهول على الجماعة الزعم بأن هذه المتابعة تستهدفها، وادعى أن هذا ضرب من التكهن والتنجيم واستشراف الآتي. ولعمري أن هذا مؤشر على “سطحية” هذا المصدر لأنه لم يستطع استيعاب أن هناك شيء اسمه الاستنتاج المنطقي والتحليل السياسي الذي يقوم على أساس وقائع وليس تكهنات، ولكن هذا عادي جدا بالنسبة لموظف ألف تنفيذ الأوامر والتعليمات.
18- إن إثارة اسم ياسر عبادي ليست سرا وغير مشمولة بالسرية طالما أن السكوت وعدم النشر الاستباقي يطلق يد السلطة في هذا الملف، وهذا تدبير عادي يقوم به الجميع، ومن ذاق مرارة الاعتقال والاختطاف والعسف والشطط في استعمال السلطة يعي هذا الأمر جيدا، ولا نحتاج إلى التذكير بهذا لأن البيانات والتقارير الحقوقية خير شاهد على ما نقول.
19- ويبقى التساؤل الغريب عن كيفية التئام الأمانة العامة كاف لوضع “المصدر المجهول” وكلامه وعلمه وفقهه موضع تساؤل، ولا نقول سخرية. يحتاج هذا المصدر نصيحة بوجوب عدم التدخل في شأن داخلي لا علاقة له به، لأن هذا ينم عن جهل بأدوات التشاور غير التقليدية، وكان الأولى به تجنب استعراض ذكائه لأنه خانه في هذه كثيرا مما سيجعله عرضة للتنكيت من طرف كل النشطاء الذين يعرفون كيفية التعامل مع هذه اللحظات للتشاور واتخاذ القرارات.. وإن كان يشكك في أن هذا قرار للأمانة العامة فما عليه إلا أن يثبت العكس وهو الذي يملك كل وسائل المراقبة والتنصت. وبالمقابل، على هذا المصدر الأمني توضيح كيفية تصريفه لهذا الرد الفضيحة. هل هو من تلقاء نفسه؟ أم ارسله مكتوبا؟ هل بطلب منه؟ هل بطلب من الصحفي؟ ولماذا أفرد هذا الموقع بالرد؟
20- إن الغائب الأكبر في كل هذا الرد هو السلطة القضائية التي تداس من طرف هذه المصادر الأمنية التي يفضل صمتها لأنها حين تزيدُ إلى خروقاتها القانونية “الكلام الفارغ” لتبرير ما لا يبرر تضر نفسها وتضر السلطة القضائية وتسيء لسمعة البلاد أكثر.
في الأخير، نؤكد أن هذه الخرجة الإعلامية “المجهولة المصدر” غير موفقة جملة وتفصيلا وتثبت تخبط وارتجالية وارتباك هذه الجهة التي أقدمت على هذا الخرق وتريد الاستدراك بمزيد من الأخطاء، ولذلك ف”الصمت حكمة” وخاصة في مثل هذه المواقف.

طالع أيضا  زمن الفزاعات المخزنية قد ولى