بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه وحزبه.

قديما كنّا نسمع هذه النُّكتة المُضْحِكة المُبْكِية، فنَضْحك ولا نبكي، كنّا صِغارا يومئذ، وكان بُعْدُ النُّكتة واضحاً بيِّنا؛ “طاحَتِ الصّومعة، فعلّقوا الحجّام”. كان يومها للمسجد صومعة يعتلي سطحها المؤذّن ليؤذّن للفريضة، ويهلّل قبل صلاة الصّبح ليوقظ الوسنان، اليوم لم يعُد لبعض المساجد صومعة أصلا، فهي في خبر كان، مُجرّد قاعات للصّلاة والسّلام، ولبعضها الآخر صومعة ولكنّها للدّيكور فقط. بعد أن هجَرَها المؤذّن وبقي الأذان، وأخرى بقِيَت ولم يبق الأذان لأنّه بات عُنصر تشويش على المرضى والجيران. وفي وَقْتِ كرونا لم يعُد للصّومعة مؤذّن ولا أذان، ولا حتى مَسجد أو صلاة تُقام لِحدِّ الآن. ليس هذا هو موضوع كلامِنا الآن.

“طاحَتِ الصّومعة، فعلّقوا الحجّام” إنما وَطَّأتُ لِما أنا بصدد الكلام عنه بهذا التقديم لأُبيّن ضرورة تحيين هذه النكتة التي لم تعد مُضحكة إلاّ مِن باب السّخرية والاستهزاء، واستُثْمِرَت مُبْكِية لكثير مِن أهل التديّن والفُضَلاء. لكنّ الحجام بَقيَ مُعلَّقا أو مُعلَّقا عليه في أحسن الأحوال، ومُعتقلا يُدان في كثير مِن البلدان، لذا اعذروني أن أتصرّف بلا أمانة، وللأمانة في هذه النّكتة التي اتخذتُها لمقالتي أصْدَق عنوان، فأقول بموجب التّحيين للبيان والتبيين بما يناسب هذا الزّمان مِن ألفاظ ومَعان. هبطت الأسواق فاعتقلوا الحلاّق. هبطت الأسواق سوقا سوقا، فاعتقلوا الحلاّق حقّا وصِدقا. هبطت سوق الحقّ والصّدق، وعلَت سوق الكذب والزّور، فقالوا الحلاّق مَن صَيَّرها بَوارا إذ “حَسّن” رأس مَن لا عقل له ممّن يتحدّثون عن الدّين والأخلاق في دكّان الحلاق وهو المُتلبّس بأوساخ النّاس، الكانِس لها آناء النّهار وطَرفا مِن أطراف اللّيل.

   هبطت سوق التديّن والأصول وعَلَت سوق الإلحاد والشِّرك والنِّفاق، والفسوق والفجور والعِصيان، فاعتقلوا الحلاّق، قالوا هو مَن أسمع المُحَلِّقين والمُتَحلِّقين حوله أغانِيَ المُيوعة والمُجون، فداخِلٌ إلى دكّانه في أحسن ما يكون، وخارج منه عاريا مِن شَعَر وشعور إلاّ بدُنيا الفتون والجنون وسيّء الأقوال والأحوال والظّنون.

طالع أيضا  سلامة المواطن وكرامته بين هيمنة عنف السلطة وسيادة القانون

  هبطت سوق السياسة والنّضال والمقاومة والممانعة والنِّزال، فاعتقلوا الحلاّق؛ قالوا حَلَّق برؤوس زبنائه في الأجواء غير المعقّمة، وفي أخرى غير مُرخَّص له الدّخول فيها، وأخرى حكْرٌ على أصحابها بشكل حصري، لا ينبغي أن يشاركهم في الخوض فيها أحد، ولا جمعة ولا سبت بل الأصل في الاثنين الصّوم والصّوم سُنّة، ولا شيء غير الصوم والصَّمْت حِكمة.

هبطت سوق الإعلام فاعتقلوا الحلاّق؛ قالوا هَذَّب لِحْيَة دُعاة الإرهاب كانت طويلة مُخيفة فوضوية تفضحهم فباتَتْ بفِعْل مشطه وماكنته ومِقَصّه قصيرة مهذّبة مشذّبة لا تثير ولا تنبئ عنهم، ولا تفضح مرجعيتهم المتشدّدة المتهوّرة، وخلفيتهم المُتخلّفة غير المُتطوِّرة ولا المتنوّرة.

هبطت سوق الأخلاق فاعتقلوا الحلاّق: قالوا هو مَن حَلَق شَارِبَ كُوبِ الأفكار الممنوعة، والشّارِبَ مِنَ الكأس المخدّرة للأغلبية السّاحقة المخدوعة، ورَفَع مِن رصيد ومنسوب مالِ وحالِ الجماعة المارقة المُتنطِّعة بأشرطته الكشكية والشعراوية الاستفزازية المسموعة، وأخرى الأبوية الراتبيه، والجوديه، والدجانيه بأنغامها وألغامها البكائية الفاجعة، والناطِقة باسم الطائِفَة السّورية المفجوعة.

هبطت سوق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وغيرها مِن الشعارات المرفوعة، فاعتقلوا الحلاق وقالوا هو مَن دعا إلى المراجعة والمُمانعة والمُقاطعة، لـمّا قَطَع شعْر آذان الرّؤوس التي أسْلَسَت له القياد فأَسْمَعها مِن معسول الكلام ضدّ الديمقراطية المصنوعة، والمطبوخة في مطبخ الأُكلات السّريعة، والمُروّجة لانتخابات؛ “أنْتَ حرّ في أن تختار مما تقرّر” حتى لا تحتار، أو لبرلمانات “أنْتَ حرّ في زنزانتي” حتى لا يبقى لك خيار بعد أن صدر القرار مِن الكبار، فهل لك إلاّ أن تصفّق بحرارة، وتقْبَل ولو بمرارة؟ دون أن تلتفت إلى اعتراض الجار وامتعاض الجارة، لئلا تُغيّر مِن رأيك إن وجَدْت فيهم يَقِظاً، وإلاّ فبَرُّ الأَمانِ عَوَّد النّاظِر إليه مِن داخِلِ القاعة، أو مِن خلال شاشة التّلْفَة والميوعة أنَّ مَن تحت القبّة – إلاّ مَن رحِم ربُّك – إمّا غائب أو غائبة، أو شارِدٌ أو شارِدة، أو لا يعرِف قراءة الورقة الموضوعة، وفي بعض الأحيان يَضْبِط المُصوِّر الغَلْطان إمّا هاجِعا أو هاجِعَة.

طالع أيضا  شهداء قطاع الصحة

هبطت سوق التّعليم والصِّحّة والشُّغل، فاعتقلوا الحلاّق؛ قالوا هو مَن جَعَل دُكّانَه قِسْمَ تعليم بلا ترخيص، فهَرَفَ بِما لم يَعْرِف، ومَرَّر إلى زبنائه التلاميذ، والطلبة، ومُحارِبي الأُمّية دروساً في كلّ تافِهٍ ورَخيص، بلا أدنى اعتِبار ولا مُراعاة ولا تمحيص، وعادى بموساهُ الجارحَ، ومِقَصّه الحادّ الجاي الرّائِح الصّحيحَ السّليمَ بِدَم العَليل السّقيم؛ كرونا والسّيدا، وغيرهما مِن كلّ وباءٍ جائِح، شاهِدٍ على الفِعل المُشين القادِح، والخطأ الطبيِّ الفادح، فلا وقاية ولا تعقيم، ولا واقِيَة في اليد، ولا كمّامة في الفَم، فالوباء مِن دُكّانِه ساح مِثْل سائِح، والعَدْوى انتقَلَت منه ولا مِن زاجِر أو كابِح، أمّا شُغْله فقد شَغَل الناس عن أشغالهم، وشغَل النّاس بشُغلِه الذي كان مفروضاً ألاّ يتجاوز ثُلُث ساعة فتعدّى السّاعة بِعدوى الرّقاعَة بِلا حَصافةٍ ولا حَصانة ولا مَناعة.

هبطت سوق العدل والإحسان، فقاطعَني الحلاّق بِحِدّة، ولم يدَعْني أُتِمُّ كلامي بِشِدّة، وقال يوضِّح فِعله، ويُبَرِّر قصده؛ إلاّ سوق العدل والإحسان فلم يهبِط لسلعته سِعر، وقد حلَقْتُ لهم أكثر مِن رأس فلم ينطِق فمه إلاّ بحكمة، ولم ينبض ما تحت شَعْرِه إلاّ بأفكارٍ في القِمّة، تُنْبِئ عن ذِمّة وهِمّة، فمرّة كلّمَني أحدُهم عن شِعار “أُسرتي جَنَّتي”، وآخَر حَدَّثني عن شعور “أستاذي العزيز”، وثالث عن مشروع “قرّة العين”، ورابِع عن شِراع “رمضان للخير عنوان”، وخامس عن حَجْر كرونا فرصة رِباط لا غُصَّةُ إحْباط”، وسادِس عن لاءاتهم الثّلاث: “لا للعنف، لا للسِرّية، لا للتّبعية للجِهات الأجنبية” ما أحلاه مِن كلام في أكثر مِن مجال! وما أطْيَبَها مِن رؤوس رِجال، تُحَلِّقُ شَعْرَها فتُحَلِّقُ بِك في عوالِم مِن الأقوال والأحوال والأفعال ما لا يعرِفه الأطفال ولا أشباه الرّجال.

سوق العدل والإحسان وحدها سيّدي مَن ثَبَت في ميدان النِّضال، ولم يَبِع دين العِزّة وطلب الكمال بِتين المال والتّطبيع مع مَن مال إلى دُعاة الضّلال، أو الميوعة والانحلال، أو دعاة الصِّدام والصّراع والنِّزال، أو باعة بِنْت الخبال لِتَخدير المجتمع، وتمرير ما استعصى تمريرُه طيلة أجيال من القوانين، والقرارات… وما شِئْتَ أن تقول مِن الحماقات والفظاعات والشمّاعات والفزّاعات والفقاعات.

طالع أيضا  الدولة وجائحة كورونا: هل نشهد سعيا لإحياء ثقافة سياسية بائدة؟

سيدي لا تَقُل هبط سوق العدل والإحسان، هُم زبناء لي، وليتني زبون لهم، ولو أنّهُم اعتقَلوني بسبب انتمائي إلى هؤلاء الأطْهار الأخيار الأحرار، لكان فِعْلُهم مُبَرّراً ومعقولا ومقبولا لدى أيٍّ كان، ما دام أهلُ العدل والإحسان قِلّة قليلون، وإلاّ لو أرادوا اعتقال المُستبِدّين المُفسِدين لَضاقَ بِهِم كلُّ مكان، وليس ذلك في الإمكان، أَتَمنّى على الله أن يرفع هذا الحَجْر الصحّيَّ عنّا وعنهم، وعن المُسلمين، وعن النّاس كافّة أجمعين، بما شاء وكيف شاء ومتى شاء، وأن يقيَني شَرَّ الحَجْزِ غير الصحّي، فإن كتبَ الله لي أن أخرُجَ مِن هذا الاعتقال المعنوي للأسباب الواهية التي ذكرت، وخرجوا هُم مِن الحَجْرِ التربوي بعد الرّباط الاعتكاف الذي دخلوا فيه كما عَلِمْت، فإنّي أسْأل الله العليّ القدير أن يجْمَعني بِهِم مُحَلِّقا لرؤوسهم كزبائِن، ومُحَلِّقاً بدُروسِهم في عالٍ مِن المحامِد وغالٍ مِن المحاسِن، ومُتَحلِّقا في حِلَقهم الطّافِحة بكلّ خير وبِشر، وحُبّ وأمْنٍ وسِلْم في دنيا الكمائِن والضّغائِن، وآخِرة الجزاء والنّعيم، وبرفقة المُنعَم عليهم في أعلى علّيّين مِن النبيئين والصِدّيقين والشهداء والصّالحين. وصلّى الله وسلّم على خير الأنام مسك الختام، والحمد لله في الأوّل والآخر وعلى الدّوام والسّلام.