بسم الله الرحمان الرحيم والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه واخوانه وحزبه.

الحصار، والأدق لغة هو الحصر لأن الحصار هو مكان الحصر، والحصر يكون من الآخر الذي حصرك، هل هو حصار؟ نعم هو حصر، لأن العالم كله قد اتفق أو كاد على أن الحجر الصحي هو أفضل وسيلة للحد من انتشار هذا الوباء. فألزم الناس بيوتهم ويمكثوا فيها وألا يخرجوا منها إلا لضرورة ملحة ولعذر قاهر، وبوثيقة أو شهادة ترخص للخارج أ يخرج وللداخل أن يدخل.

هو حصر ما في ذلك من شك، حصر امتزج فيه التطوع بالإلزام، فهناك من يشعر بأنه أُلزام البقاء في بيته وهو غير راض عن ذلك، وهو حصر امتزج فيه أيضا الحق بالباطل، فحقٌّ أن الحجر الصحي ضرورة ملحة لا يرقى إليها جدال ولا شك، ولكن هذا لا يعني أن نترك الناس نهْبا للتوجس، للخوف، للهول وليس لنا من إعلامنا وتعليمنا وسبل تواصلنا مع الناس الذين حصرناهم في دورهم ليس لنا من ذلك شيء يخفف عنهم ويواسيهم ويأسو جراحهم ويمدهم بالبدائل في مثل هذه الكوارث والنوازل، فلا ينبغي أن نترك الحابل على النابل.

إذن هو حصر ما في ذلك من شك. لكن أناسا أبوا إلا أن يجعلوا هذا الحصر منحة، وأن يجعلوه فرصة لرباط، أو اعتكاف مادام الاعتكاف قد سنه رسول الله صل الله عليه وسلم في العشر الأواخر من رمضان وسنه في غير رمضان. ويأخذ هذا الرباط صفة الاعتكاف إن صحت منا النية، لأن الذي حبسنا عن بيوت الله التي غلقت أبوابها بسبب من هذا الحصار لمنع الانتشار، حبسنا عنها حابس، وإلا فكان أولى أن يكون هذا الرباط في بيوت الله كما سن رسول الله صل الله عليه وسلم.

طالع أيضا  القطاع النسائي للعدل والإحسان يحمل الدولة مسؤولية ملف العالقين وخاصة واقع اللاجئات المأساوي

ها هم المؤمنون يجعلون من بيوتهم بيوت الله تنوب مناب بيوت الله، في بيوت أذن الله أن ترفع و يذكر فيها اسمه، فيها رجال نسأل الله تعالى أن نكون منهم، هؤلاء جعلوا الحصر رباطا بل اعتكافا فيه حصص وفرص، واشركوا في ذلك أهلهم وذويهم ومن في الدار، حصة للنوم على أفضل العزائم بعد محاسبة النفس محبة للقاء الله حتى يحب الله لقاء العبد والأمة، حصة للاستغفار والتوبة واستحضار الذنوب الكبار، حصة لذكر الكلمة الطيبة والإكثار من قولها في نشأة الليل التي هي أشد وطئا وأقوم قيلا، لذكر لا اله الا الله مع التفكر في أسمائه الحسنى تحققا وتعلقا وتخلقا؛ تحققا باسم الحق “الله”، وتعلقا بالأسماء الجلالية (الجبار المتكبر القهار…)، وتخلقا بالأسماء الجمالية (كريم رحيم حكيم…)، ثم الدعاء مع ما تيسر من القرآن نتلوه في قيامنا، ثم سور وآيات فاضلة ومراجعة محفوظك من القرآن، ثم الصلاة جماعة مع أهلك وذويك، ثم الجلوس إلى الشروق لذكر الله عز وجل والصلاة على رسول الله صل الله عليه وسلم، التي تخرج من الظلمات الى النور، وتسبيحا وتحصينا وأذكارا صباحية بين يدي ركعتين لنيل أجر حجة وعمرة تامتين، ثم صلاة الضحى صلاة الأوابين، وهي زكاة عن عظيمات في أجسادنا، وهذا أفضل تحصينا وأفضل تلقيحا تجاه هذا البلاء الوبيء. ثم السنن الرواتب القبلية والبعدية مع النوافل، من استخارة عاصمة من الخيبة وحاجة مانعة من الندم، فلا خاب من استخار ولا ندم من استشار. ثم ملء هذه الفراغات انتظارا للصلاة بعد الصلاة، بفرص لمجالسة الأهل والأبناء، وفرصة لوجدان العلم النافع، فرصة أيضا للقراءة والكتابة لمن له شغف بالقراءة والكتابة.

وينبغي أن يكون لنا هذا الشغف بالكتابة ليكون لنا عمر ثان، لأن العلم النافع عمر ثانٍ إن كان العمل الصالح عنصر بانٍ. فنبني شخصياتنا ونحاول أن نرممها ونؤهلها إلى ما بعد هذا الرباط، لنخرج على الناس بزينته بعقل غير العقل، ووجه غير الوجه، وخلق غير الخلق، وسمت غير السمت، وأمل في الله تالى والرجاء فيه.

طالع أيضا   كورونا وأسئلة المعنى والمآل

نسأل الله سبحانه عز وجل أن يلهمنا الصواب وأن يؤتينا الحكمة و فصل الخطاب. ومسك الختام صلاة وسلام على سيد المرسلين والحمد لله رب العالمين.