شهدت الإنسانية في عقد خالد من تاريخها، سموا وتألقا، قادها إلى عليائه موكب النور النبوي الذي أرسله الله تعالى رحمة للعالمين، لتسعد به كل المخلوقات، ولتسقى كل الموجودات والمحسوسات من فيض نوره الكريم، ولتصنع خلقا آخر في سماء الكمال، يرقى رقي الفرقد، ترنو وتهفوا إليه عيون وقلوب البشر، في جيل النبوة والخلافة وفي كل جيل.

علا قدر الكون وابتهجت أساريره ببعثة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فروي البحر، ورضي الشجر، ونطق الحجر وانشق من حسن بهائه القمر. فعلت أقدار المعاني، ولامست الكمال في تكوينها وكنهها، فإحسان وبذل وتواضع ورحمة وصبر وتطوع وجهاد… ومعان عظيمة تشوفت لنوال أنوارها قلوب جيل الصحابة، الذين تلقوا الوحي غضا طريا، ورصعوا لنا في تاريخ الإنسانية أمثلة خالدة، من ملاحم صنع الله تعالى في عباده المؤمنين.

تطاوعت القيم والمعاني بين يدي المؤمنين فأوفت العطاء لهم، واستجاب التطوع لبواعث الخير المكنون في قلوب نورها الإيمان. فغدا التطوع أصلا وخلقا ساد حياة الصحابة رضي الله عنهم والتابعين من بعدهم، حتى وافق طباعهم الإحسانية، فكان دعامة أساسية في تألق دولة الإسلام وانتشارها، وسيادتها للعالم في ظرف وجيز.

وما كان لهذا التألق أن يكون بهذه الجاذبية لولا سيادة قواعد الحرية والعدل والقدوة، في المجتمع النبوي ومجتمع الخلافة على منهاج النبوة، والتي أثلت مجتمعا مؤمنا بقيمه، حرا في اختياره، مبادرا في صنع مجده، مطمئنا لخطواته، وواثقا من قادته وقدوته.

قواعد ثلاث، كانت الأساس الذي جعل من الناس أفرادا وجماعات جنودا للبناء، ورقما مهما وإيجابيا في سلسلة البناء العام، التي أحيت في الأمة عامل الإيجابية، والقابلية المجتمعية العامة للتغيير والتطوير والنهضة.

دعامة القدوة

ما كان لمجتمع تنخره أنانية القائد، واستبدادية الحاكم، وسلطوية الأمير، واستكبار المسؤول، أن يعرف رقيا أو تقدما. ومهما أبدع الحاكم في تجنيد شعبه وراءه، ومهما أصدر من مشاريع وقوانين تحث على العمل الجاد، ومهما دعم ذلك كله بالإغراءات المادية والمعنوية، فلا صوت يسمع له عند الناس، ما دام مقاله وظلمه يخدش في نفوس الناس والرعية أنفتهم، ويسترخص كرامتهم، وينقص من شخوصهم وذكائهم، وفي المقابل، لا يرون فيه إلا استعلاءً واستكبارًا.

طالع أيضا  العمل الاجتماعي وشرط القصد الصارم

وعلى عكس ذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، قدوة لكل الناس مؤمنهم وكافرهم، في خلقه وسلوكه، وقد تمثلت فيه كل الصفات الحميدة، والخصال الرفيعة التي يدعو الناس إليها، في حاله قبل مقاله. وكذلك تمثلت في سلوك الخلفاء والتابعين من بعده. ما كان أحدهم جبارا يستعبد الناس، ويستبد عليهم بشرعية دينية أو تاريخية، ولا كان خوارا يراوغ جموع الناس خدمة لمصالحه أو أنانيته. بل كان التواضع خلقهم، والبساطة رداءهم، وخدمة الناس دأبهم، والصبر مع الصابرين نهجهم وطريقهم.

شهد الناس تواضع الرسول صلى الله عليه وسلم وتطوعه، حين حمل الحجارة على أكتافه الشريفة، مشاركا في بناء دولة الإسلام، ومساهما بجهده بجنب العامة ومعهم. ما كان يعتلي منصة أو برجا عاليا يصدر من خلاله قراراته وأوامره للناس، ويحثهم على الجد والجهد والعمل، وهو النبي المطاع والقائد الملهم، صلى الله عليه وسلم، بل وضع يده الشريفة في التراب كيوم حفر الخندق، وخالطت أنفاسه الطاهرة أنفاس الصحابة رضي الله عنهم، وتقدمهم في الخدمة والعمل الشاق، يصيبه ما أصابهم، ويناله من التعب والإرهاق ما نالهم، وعيون قومه تلحظه، وتخط بعقولها وقلوبها توقيعا من تعلق للقائد القدوة المتواضع، الذي كسب قلوب الناس، فاستحق القابلية العامة من جموع الناس، يأتمرون بأمره، وينتهون بنهيه، ويُقدمون دون تردد، يستجيبون لإشاراته وندائه.

قدوة ترفع قدره، وتجل قراره صلى الله عليه وسلم. فعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: “رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق وهو ينقل التراب حتى وارى التراب شعر صدره، وكان رجلا كثير الشعر، وهو يرتجز برجز عبد الله بن رواحة:

      اللهم لولا أنت ما اهتدينا                    ولا تصدقنا ولا صلينا    

       فانزلن سكينة علينا                         وثبت الأقدام إن لاقينا

       إن الألى قد بغوا علينا                       وإن أرادوا فتنة أبينا  

يرفع بها صوته”. 1.

مشاركة في البناء وعمل ميداني وتواضع يشهده الناس، وتعظمه قلوبهم وتستقبله بإيجابية، فتنشرح له صدورهم وصدور العامة التي كانت ممسكة عن العمل، وتستجيب هذه الأخيرة لدوافع الخير المكنونة في المجتمع، ولنداء التطوع والمبادرة المدعم والمساهم في بناء المجتمع الإسلامي، وتحررت الإرادات من أنانيتها تباعا، ويعظم رأس مال الأمة الاجتماعي، ويعم الخير، إلى أن سادت أمة الإسلام.

طالع أيضا  التطوع المؤسسي، والحراك الجماعي المنظم

 دعامة العدل

أمر الله تعالى الإنسان بالعدل في الأرض، كل العدل. فاستجاب القدوة صلى الله عليه وسلم للأمر الباني، فكان أعدل الخلق قولا وعملا، بدءًا بأن قال أفلا أكون عبدا شكورا فكان يرمي صلى الله عليه وسلم إلى أن يعدل بين عطاء الله تعالى له فضلا منه ومنة، وبين وجوب شكره وتبتله وإخباته لربه، فقام الليل حين نام الناس، وصام النهار حين أفطر الناس، وثقل جسده الشريف حين أهمه أمر الناس، وشج رأسه الشريف وكسرت رباعيته حين احتمى بظهره الناس، وتفطرت رجلاه حين رق قلبه وفاض دمعه يناجي ربه لأجل غيره ويقول: أمتي أمتي. وما حين إلا وصف لمشهد من مشاهد الربانية والكرامة النبوية، التي لا يتلوها إلا رقي وكمال. صلى الله عليه وسلم. فمن كان هذا حاله مع نفسه فكيف بينه وبين غيره من الناس؟ 

قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ 2 أمر إلهي صدع به الحق سبحانه على لسان نبيه، ليكون شريعة تتراحم به الأمم عند قيامها بالعدل، وتتزاحم به عند مصاف الأمم والحضارات الراقية حين تشهر مقتضياته وتتحاكم بها بين الناس. فلا خابت أمة كان قوام حكمها العدل، ولا انتكست إرادة شعب تسوده الثقة في الحاكم والقائد العادل.

وقد اطمأن الناس لعدل النبي صلى الله عليه وسلم وصدقه قبل بعثته، حين سماه قومه “الصادق الأمين”، فما كان ليظلم أحدا أو يخون أمانة أو ينكث عهدا أو يبخس أحدا حقه، ضعيفا كان أو شريفا. وهو الذي قال صلى الله عليه وسلم بعد البعثة: إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْـحَدَّ، وَايْمُ اللهِ! لَوْ أَنَّ ‏‏فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ ‏سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا. 3.

أقسم النبي صلى الله عليه وسلم بالقصاص العادل على ابنته رضي الله عنها إن هي سرقت، وحاشاها، وإنما ضرب مثلا، حتى تجنح النفوس الشاكة، والتي لم يبرَح تكوينها بعد خلجات الظنون، إلى ساحة الاطمئنان الكلي، وإلى حاضر ومستقبل الاستقرار النفسي، الذي يذكي في المجتمع الثقة والمصداقية، ويعمق بين الناس القابلية للتعاون والتآزر والتطوع. فبالعدل تستقيم حياة الفرد والمجتمع، وتتقوى الروابط بينهم، حين يطمئن كل على حقوقه، ولا يخشى حيفا قد يطاله أو تعسفا ولا ظلما.

طالع أيضا  ذ. بوستا: تنظيم التطوع من وسائل النهوض بالأمة

دعمة الحرية

جعل الله تعالى يوم فتح مكة نصرا على الأرض وتمكينا لدين الله، وأجرى فيه سبحانه وتعالى فتحا آخر، حين فتح لنبيه صلى الله عليه وسلم قلوب أهل مكة وصدورهم، عندما قال لهم صلى الله عليه وسلم قولته الشهيرة التي اطمأنت لها قلوب الناس، وسرت أساريرهم، وانشرحت صدورهم وهم يسمعون بلاغ الحرية: اذهبوا فأنتم الطلقاء.

حرية يطلقها القائد والقدوة في موطن قوة ونصر وتمكين، يأسس بها لعلاقة تفاعلية بين الناس والمجتمع، تكون متحررة من كل إقصاء أو وصاية. لا إجبار، ولا إرغام، ولا إكراه على فعل أو قول لا يرضاه صاحبه ولا يومن به، لا إكراه في الدين 4.

سادت الحرية والعدل، واستتب الأمن الروحي، وصفا قصد الناس، وعمت رحمة الله تعالى الجميع، وأمنوا واطمأنوا لصاحب الرسالة الذي أخذ عنه أصحابه رضي الله عنهم، وتلقوا منهاجه وسلوكه الذي يحترم في الإنسان حريته وشخصيته وعقله وقلبه، فكان أن شهد التاريخ ودون قاعدة تتباهى بها الأمم إلى اليوم، التي انبرى لها سيدنا عمر رضي الله عنه حين قال “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا”.

حرية حقيقية، من غير مزايدات ولا مراوغة سياسية كما الحال والشأن في أيامنا، بل كانت روحا سائدة في المجتمع وأصلا أصيلا، إنْ خرقٌ أو مسٌّ بأي شكل من الأشكال، تجدْ ميزان العدل الماسك بمجامع الدولة ينصره، ويحق حقه، ولا يحابي في ذلك أحدا، مسؤولا كان أو مواطنا من الرعية. على هذه الحرية تربي الصحابة رضي الله عنهم في وسط معافى من الظلم والتعسف والإكراه.


[1] رواه البخاري.
[2] النساء الآية 135.
[3] رواه البخاري ومسلم.
[4] سورة البقرة، الآية 256.