يتمتع الإنسان المؤمن بقوة روحية هائلة، يستطيع بها أن يحطم جدار العادات ويلج عالم العبادات؛ حيث يأنس بربه ويسكن وجدانه لما يرى من عناية ربانية، وألطاف إلهية تحيط به وبالكون كله، فيفهم عن الله معنى “الحي القيوم”؛ الحي الذي يحيي نفوس العباد، وينفخ فيها من روحه إلى أجل مسمى، والقيوم على تدبير شؤون الخلق أجمعين، فلا تأخذه سنة ولا نوم، لأنه هو القائم على رزق العباد من السماء والأرض، ويحفظ السمع والأبصار من التلف، ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، ويدبر كل أمور الإنسان بعناية وإتقان.

 إذا بلغ الإنسان هذه الدرجة العلية في “المعرفة”، أي معرفة ربه، صار عبدا لمولاه، هائما في حبه، لا يفتر عن ذكره، يشتاق إلى لقائه لينعم بلذة النظر إلى خالقه. فترى كلامه حكمة، وصمته تفكر، ونظره عبرة، وسلوكه توكل ويقين، راض بقضاء الله وقدره، لا يجادل ولا يعترض عليه، إن كان خيرا اطمأن به، وإن كان غير ذلك حمد الله عليه واستعان به لينجيه من شر ما أصابه، فهو الذي يمحو ما يشاء ويثبت. لكن يقينه هذا لا يقعده عن الأخذ بالأسباب، والتوكل والحركة والعمل الجاد والمسؤول، استجابة لقوله تعالى وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمومنون 1. مع أخذ الحيطة والحذر ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة 2. وقوله عليه الصلاة والسلام “وفر من المجذوم فرارك من الأسد”. كل هذا في تناغم تام بين اليقين في الله حيث لا لبس ولاريب ولا جدال في قضائه وقدره، وبين العمل الدؤوب والسعي الحثيث للفرار من قدر إلى قدر. فالمؤمن لا يستسلم “للمكتوب” ويقعد متكلا مخذولا، كما أنه لا يجحد ولا يجحد، إيمانا منه بالتوجيه النبوي “بل اعملوا فكل ميسر لما خلق له”. ولنا في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم صورا عظيمة، في الجمع بين هذين الأمرين: (اليقين في قدر الله والعمل بالأسباب). نأخذ على سبيل المثال لا الحصر بعضا منها:

طالع أيضا  اليقين والثقة في الله عز وجل 3/2

1-      اللجوء إلى الغار:

لقد قرر محمد صلى الله عليه وسلم – النبي الداعية إلى الله بإذنه والسراج المنير والرحمة المهداة للعالمين – أن يهجر قومه وعشيرته وأهله، لاجئا إلى “غار ثور” بقمة الجبل ليختفي عن أنظار قريش لما أرادوا به كيدا، ثم يكمل بعد ذلك طريقه إلى المدينة حيث الوطن الجديد الذين تبوؤوا الدار والايمان.

فيا ترى ألم يكن النبي عنده كامل اليقين في ربه أنه ناصره وظاهره على من عاداه، وهو القائل لصاحبه “ما ظنك باثنين الله ثالثهما”؟ بلى. فلماذا إذن لم يلزم الرسول بيته والله يعصمه من الناس؟ ولماذا قصد الغار في قمة الجبل مع منتهى المشاق صعودا ونزولا؟ ولماذا ضنك النفس في طلب الهجرة من مكة إلى المدينة، والتخلي عن أحب البلاد إليه رغم معية الله وحفظه؟ لعل هنا يكمل السر الإلهي، فيمتزج حسن اليقين بالله تعالى بإحسان العمل وإتقانه، والتوكل على الله حق توكله. بتعبير آخر، هنا يحصل التكامل والتناغم بين قدر الله الكوني وقدر الله الشرعي، فقد اقتضت حكمة الله تعالى منذ أن خلق آدم عليه السلام، وعبر امتداد التاريخ البشري، أن يجعل الأسباب -رغم وهنها – سندا معياريا تمضي عبرها مشيئة الله وتنفذ بها إرادته. وأحيانا تتجاوز قدرة الله فعل الإنسان وأسبابه فتخترق العادات ليحصل بذلك ما يسمى “المعجزة” للنبي أو “الكرامة” للولي الصالح. والقصد من ذلك أن الله، وإن شرع لعباده الأخذ بالأسباب، يبقى دائما هو القادر على عباده، والفاعل الأول في كونه لا يعجزه شيء، وأنه إذا قضى أمرا يقول له كن فيكون.

2-      الاجتهاد في الطاعة:

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فتشفق عليه زوجه عائشة رضي الله عنها وتذكره بأن الله قد غفر له ما تقدم وما تأخر، فلم التعب! لكن الرسول يظهر حقيقة الأمر وسر العمل الذي يقوم به في قوله أفلا أحب أن أكون عبدا شكورا، فرغم يقينه في الله أنه سيد ولد آدم وأنه حبيب الرحمان وأنه أول من يدخل الجنة بلا تعب ولا نصب أبى إلا أن يقابل نعمة الله بالشكر والعمل، إظهارا لعبوديته وافتقاره إلى مولاه ليؤكد لتلامذته ومحبيه عبر الزمان قاعدة ربانية مفادها ومن أراد الاخرة وسعى لها سعيها وهو مومن فأولئك كان سعيهم مشكورا 3. فالتعب والسعي في طريق الله تعالى عبادة وشكر، وجهاد لا يتنافى مع الإقرار بما قضى الله تعالى على عباده والاطمئنان إليه.

طالع أيضا  فجر يوم جديد

وهذا رجل يدخل على رسول الله ويطلب منه مرافقته في الجنة، فيوجهه إلى الأخذ بسنة الله ولزوم الوقوف على بابه فأعني على نفسك بكثرة السجود رواه مسلم، تبيانا منه عليه الصلاة والسلام أن بلوغ المرام يقتضي مجاهدة النفس ودوام الطاعة.

3حفر الخندق:

لما اجتمعت الأحزاب وأعلنت حربا ضروسا على رسول الله وأصحابه، بادر النبي إلى حماية قاعدة الإسلام وعاصمته، فبدأ بحفر الخندق قبل أن تدهمهم قوات أعدائهم. وفي أثناء هذا الحفر، اعترضت صخرة سلمان الفارسي رضي الله عنه وعجز عن كسرها، فقال النبي لأصحابه دعوني فأكون أول من ضربها، فقال بسم الله، فضربها، فوقعت فلقة ثلثها، فقال الله أكبر قصور الروم ورب الكعبة، ثم ضرب بأخرى، فوقعت فلقة فقال: الله أكبر قصور فارس ورب الكعبة. فقال عندها المنافقون: “نحن نخندق على أنفسنا وهو يعدنا قصور فارس والروم” المعجم الكبير للطبراني.

كان المسلمون في شدة الأزمة وكنف المحنة يحفرون الخندق لينجووا بأنفسهم فقط، لكن قائدهم وإمامهم عليه الصلاة والسلام، يزف لهم بشرى النصر والتمكين وهم في أحلك الظروف، لأن معه يقين صادق بأن الله منجز وعده وهازم الاحزاب وحده، أما الحفر فما هي إلا وسيلة من وسائل الإعداد، لتكتمل سنة الله في خلقه وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل 4.

وكأن التاريخ يعيد نفسه، فالأمة اليوم تعيش على وقع المحن والفتن كقطع ليل مظلمة، فإذا بصوت خافت ينبعث من بينها، حاملا معه النور، يزف البشرى للناس مناديا فيهم: إن الله منجز وعده، إن الله ناصر جنده، فهلا كنت في الموعد وتهيأت لاستقبال موعود الله فإنه لا يخلف وعده.

إن اليقين في الله تعالى، وحسن التوكل عليه، قوة عظمى يستطيع صاحبها أن يقنع من حوله بقرب فرج الله وإن خالفه طولا وعرضا، أصلا وفرعا، قال عثمان بن طلحة: “كنا نفتح الكعبة في الجاهلية يوم الإثنين والخميس فأقبل النبي (صلى الله عليه وسلم) يوما يريد أن يدخل الكعبة مع الناس فغلظت عليه ونلت منه، وحلم عني ثم قال: يا عثمان لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدي أضعه حيث شئت!! فقلت: لقد هلكت قريش يومئذ وذلت، فقال (صلى الله عليه وسلم): بل عمرت وعزت يومئذ، ودخل الكعبة فوقعت كلمته مني موقعا ظننت أن الأمر سيصير إلى ما قال”. 5.

طالع أيضا  اجْتَهِد أنْ تكُونَ عارِفاً بالله

ترى هل اليقين سحر يسري من روح إلى روح حتى تراه العين حقيقة لا خيال، أم أنه نور يقذفه الله في قلب من يشاء من عباده فيكشف به أسرار الأشياء وحقائق الأمور؟


[1] التوبة /105.
[2] البقرة/195.
[3] الإسراء/19.
[4] الانفال/أية 60.
[5] (الاكتفاء) للكلاعي الأندلسي.