من المُسَلَّمِ به أن التاريخ في أبسط تعاريفه هو ماضي الإنسانية، وقد اختلفت تعريفاته من زمن لآخر؛ حيث عرفه هيرودوت “بأنه البحث والتقصي في أحوال الماضيين”. واعتبر القاموس العربي “أن التاريخ هو الإعلام بالوقت وما وقع فيه من أحداث ووقائع”. كما عرفه ابن خلدون “بأنه فن من الفنون وصنعة تروم التعرف على عوامل وأسباب نشأة الدول وموتها”. أما هيغل فيرى أن التاريخ “هو مسار تُكَافِحُ فيه الروح لكي تصل إلى وعي بذاتها”. لكن فلسفة التاريخ لا تقف عند أحداثه والفاعلين ظاهريا في مساره، وإنما تحاول الكشف عن القوانين الموجهة لحركة البشرية دُوَلًا ومجتمعات، جماعات وأفراد، سواء في صعودها أوهبوطها؛ أي فهم مجرى التاريخ بغية فهم الحاضر وحسن تدبيره عملا بقوانين الصعود، وتفاديا لقوانين الهبوط، ضمانا لمستقبل آمن وحسن عاقبة! وهذا ما يؤكده القرآن الكريم في قول الله تعالى: قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين دعوة صريحة للبحث في سنن الله وقوانينه حتى نتلمس من جهة، الطريق المستقيم الذي أنعم الله به على الأنبياء والمرسلين والصالحين من عباده، ونتجنب من جهة أخرى، صراط المغضوب عليهم والضالين، عقديا واجتماعيا واقتصاديا وسياسيا.
لكن مع بزوغ الحداثة في موجتها الأولى والثانية، طغت التاريخانية المادية، والوضعانية التاريخية التي تعمدت تهميش عوامل مهمة في التاريخ وحصرته في السياسة والاقتصاد، حتى ظهرت مدرسة “الحَوْلِيَات” بفرنسا “École des annales” والتي اجتهدت لكتابة تاريخ جديد متحرر من لوثة الوضعانية المتطرفة، فأعادت الإيثنولوجيا إلى حضن التاريخ وركزت على أهمية دراسة ” تشكل العقليات” التي يحملها الفاعل التاريخي الفرد، ثم البحث كيف تصبح ذهنية ما هي السائدة في المجتمع، والمؤثرة في صناعة تاريخه. وكان من رواد هذه المدرسة مارك بلوخ، ولوسيان فيفر، وفيرنان برودل، وجورج دوبي، وجاك لوغوف.
من هذه المدرسة سأنطلق لأسهل على من يضعوا ضمادات الحداثة على أعينهم تَلَمُّسَ الطريق إلى القرآن الكريم لعلهم يقرؤونه دونما تحفظ. يقرؤون ما جاء فيه من أخبار السابقين على أنها وحي يرشدنا إلى محطات تاريخية واقعية حتما ستساعدنا على كشف أنواع العقليات والذهنيات التي سادت العالم وستسود كلما توفرت نفس الشروط الذاتية والموضوعية. فإذا كان أرينو فارانياك قد تحدث عن “الأركيو- حضارة” بالماكرو-تاريخ، فإن القرآن الكريم ينطلق من ” الأركيو-سيكولوجيا (أي من الذهنية التي تُصنَعُ داخل كل نفس) ليتجلى انعكاسها على كل جوانب التاريخ. لهذا السبب جعل القرآن الكريم ذلك التلازم بين التغيير الشامل للقوم وتغيير ما بأنفسهم، أي تغيير الذهنيات التي تتحكم في سلوكهم واختياراتهم، و التي تحدد منسوب إرادتهم.
وبناء على هذه المقدمة أقول أن البحث في بنية الذهنية أو العقلية في القرآن، ينتمي إلى فضاء ما وراء التاريخ (Métahistoire)، وهو بحث يتغيا إنشاء عقل تاريخي حيوي ويقظ “Raison vitale et vigilante”. عقل يمتلك الوعي بذاته على أنه هو الفاعل التاريخي الذي يصنع التاريخ، لكنه يستحضر في الوقت ذاته أن فعله في التاريخ لم ولن يتجاوز حدود وأطر القوانين والسنن التي وضعها خالق هذا الكون مسبقا في حركة التاريخ، والتي لخصها القرآن الكريم في العلية والسببية والجعلية والغائية، والصلاح والرحمة بالخلق، والتعاون على وظيفة الاستخلاف والعمران، كل ذلك بنية التقرب إلى الله عبادة واستجابة. وهو ما تؤكده كل قصص القرآن التي تَعرِضُ علينا أحداثا واقعية مادية، لتصل بنا إلى نهايات وعواقب تختلف باختلاف صلاح أو فساد أصحابها. لنستقرئ من أجزاء هذه الوقائع قواعد كلية نتخذها قانونا نعي به حركة التاريخ. وفي هذا السياق أُذَكِّرُ أن القرآن الكريم نبهنا إلى تجنب جملة من العقليات والذهنيات عدَّدَها في الآتي:
✓ “الذهنية الإبليسية”: وهي التي يَرشَحُ عنها الاستعلاء والأنانية الفردية كما ورد على لسان إبليس “أنا خير منه”. فكان مصيره الطرد من رحمة الله.
✓ “ذهنية بني إسرائيل”: والتي تتمثل في الأنانية الجماعية والتنطع ونقض المواثيق، كما ورد في القرآن على لسانهم وقالوا نحن أبناء الله وأحباؤه، وإخبار الله عنهم: كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم. وهي ذهنية يمكن أن يتلبس بها أي قوم ولو كانوا أهل كتاب كالمسلمين. هذه الذهنية كان مصير أصحابها الغضب والتيه والذل والمسكنة.
✓ “الذهنية الفرعونية”: وهي التي ترمز إلى كل شخص أو جهاز يروم استعباد الناس والاستخفاف بهم، «أنا ربكم الأعلى». فكان مصير هذه الذهنية المتألهة الغرق، في قوله تعالى : وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون.
✓ “الذهنية النمرودية”: وهي التي تعتمد القمع والعنف والقتل والترهيب واستغلال كل قوة مادية أو معنوية للتسلط على البشر، كما جاء في قوله تعالى على لسان النمرود «انا أحيي وأميت». فكان مصير هذه الذهنية القهر تحت مخلوق ضعيف البعوضة.
✓ “الذهنية القارونية: وهي تعتمد الهيمنة على الاقتصاد واحتكار التملك والتخزين والتباهي بالاحتياطات المخزنة وعرضه على العالمين وهم في أمَسِّ الحاجة إلى لقمة العيش، قال الله تعالى مخبرا عن قارون: إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ ۖ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ. فكان المصير الخسف الاقتصادي والذهاب بكل ما جمع وأوعى، مصداقا لقوله تعالى: فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ.
✓ “الذهنية اللَّهَبِية”: وهي عقلية تُسَخِّر كل ما تملك من إمكانيات فكرية وعلمية وجاه ومنصب…. بهدف مواجهة الحق وصَدِّ دعوته عن بلوغ الناس. وهذه الذهنية تذهب كل مجهوداتها ونفقاتها وحملاتها سدى، حيث قال المولى جل وعلى : تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب. سيصلى نارا ذات لهب....
وفي سياق سرد هذه الذهنيات سنتناول بالتحليل “الذهنية السامرية” والتي قد لا ينتبه إلى مركزيتها القارئ المتدبر لقصر ورودها في القرآن، فيتعامل معها على انها لحظة عابرة استوجبها سرد الوقائع. وعلى هذا الأساس لم يكن اختياري لهذه الذهنية بالتحليل اعتباطيا، بل كان معتبرا استحضارا لما يعيشه العالم اليوم من تفشي وباء “كورونا”. وقد تتساءل عزيزي القارئ، وما علاقة كورونا بالسامري؟ أليس هذا تعسفا على القصة، وإسقاطا لحدث غابر على حدث طارئ؟ وما هو الحد الأوسط والقاسم المشترك بينهما؟
أقول مختصرا هذه القصة، لقد خرج موسى ببني إسرائيل وخَلَّصهم من عبودية فرعون وأغرقه الله أمام أعينهم بعدما شق لهم البحر ونجاهم من بطشه وملاحقته. ولما تركهم موسى أربعين يوما لميقات مع ربه بجبل الطور، استحوذ على عقولهم السامري، واستغل حداثة عهدها بالإيمان، ومن داخل الإيمان أخرجهم من الإيمان. دعاهم أن يسلموه الذهب الذي غنموه من آل فرعون على انه حرام عليهم، وصنع لهم به ومعه حفنة من تراب عِجْلًا له خوار، وقال لهم إنه إله موسى الذي نسيه هنا وذهب يبحث عنه! فظلوا عاكفين عليه، يعبدونه ويسجدون له. فلما عاد موسى غضب غضبا شديدا ونسف العجل نسفا ودعا على السامري في قوله تعالى فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مِسَاس، قال ابن كثير “دعا عليه ألا يمسه أحد معاقبة له على مس ما لم يكن له مسه”. وقال القرطبي، قال الحسن: “جعل الله عقوبة السامري ألا يماس الناس ولا يماسونه عقوبة له إلى يوم القيامة. فمن كان يمسه يصبه الحمى”. إن رمزية هذه القصة تتجاوز الأحداث وتدعونا إلى العبرة؛ أي العبور من الزمن البعيد إلى الزمن الذي نعيش فيه، كيف تشكلت العقلية السامرية من جديد لتنطلي على الأمة الإسلامية كما انطلت على بني إسرائيل. لقد أغرق الله سبحانه الفرس والروم وخسف بعروشها وقضى على أكاسرتها وقياصرتها، ثم مَكَّنَ لهذه الأمة في الأرض وهَوَى بقلوب الناس من شتى الأعراق والأجناس لاعتناق الإسلام وخدمته حتى بزغت حضارته وظهرت شوكته (مع استحضارنا لما شاب هذا التاريخ من أخطاء لا نقرها زمن العض والجبر)، وانتشرت العلوم في رحاب دولته وتوجيهات شريعته، وازدهرت البلاد الإسلامية حتى أصبحت قبلة العالم أجمع. ولما استيقظت أوروبا من سباتها وخرجت من دهاليز قرون ظلامها واكتشفت “فانوسا” سمته “الحداثة” أخرجها من الظلام الدامس الذي فرضه القساوسة المتسلطون إلى نور خافت عظمه أصحابه لِما كانوا فيه من ظلام. نور على خفوته ضل طريق قلوبهم ولم يعرف السبيل إلا لعقولهم ومعاشهم. نور كفاهم ومكنهم من صناعة الآلة التي طورت كل مناحي الحياة إلا الإنسان. وأمام صدمة الاستعمار وسقوط آخر إمبراطورية إسلامية(الدولة العثمانية)، نسي المسلمون تاريخهم، وراحوا يعكفون على عِجْلِ الحداثة الذي أصبح له خُوار في العالم بإنجازاته واختراعاته وهيمنته على الشجر والحجر والبشر. وبذلك أقنعنا سامريُّ الغرب الجديد أن إله العصر هو الحداثة بما أحدثته من أصوات تتمثل في العقلانية والمادية والوضعانية والتاريخانية؛ أصوات امتلكت الجرأة لِتُخْرِسَ أصوات الغيب والآخرة والمصير، معلنة موت الإله في السماء وتعويضه بإله الأرض وهو الإنسان المتفوق(superman). انسان بعقلانيته المتطرفة تجبر في نفسه حتى ظن أنه قادر على الخلق من عدم، غير مقتصر على الصنع من موجود. وظن أيضا أنه سينهي ارتباطه بالسماء قريبا عند اكتشاف دواء الموت! حينها في اعتقاده تبدأ مرحلة الخلود على جنة الأرض!
سامرية تلبست بالقوم فعبدوا العقل والعقلانية وهي مادة العجل وقِوامه، وسار بعض بني جلدتنا وراءهم، معتبرين أن ما تحافظ عليه الأمة من دينها في انتظار تحررها، إنما هو محض خرافة وأسطورة، ناسين أو متناسين، أن ما صنعه سامري الغرب من عجل الحداثة ما كان ليصنع لولا ما أخذه من حُفَنِ العلم التي انتقلت إليه من بلاد المسلمين. فكيف بنا لو أعدنا دورنا الحضاري والتاريخي بشروطنا، وعدنا كما عاد موسى عليه السلام لننسف عجل هذا السامري المتجدد الذي أوصل كوكب الأرض جميعا ولأول مرة في تاريخ البشرية، وفي لحظة سامرية منقطعة النظير، أوصله أن يعاقب نفسه بنفسه حاملا شعار “لامِساس” خشية حمى الموت. فمتى ستستيقظ البشرية من سامريتها وتعلن انعتاقها من هذه الذهنية، وتستعيد عقلها الأداة من جبة العقل الإله؟
لقد جمعت الحداثة بين كل ما تفرق عبر تاريخ البشرية، من إبليسية ونمرودية وفرعونية وقارونية ولَهَبِيَة؛ إبليسية في المخططات، ونمرودية في الحروب، وفرعونية في تأله المستكبرين، وقارونية في الاقتصاد، ولهبية في محاربة الإسلام. ومما ساعد الحداثة على هذا النجاح تَلَبُّسُنَا بذهنية بني إسرائيل، الذين أراد الله لهم العزة والكرامة والسيادة، وطلبوا هم من نبيهم البَقْلَ والفُومَ والعدس والبصل، فاستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، فاستعبدتهم أنفسهم. وكذلك شأن المسلمين اليوم لما اثاقلوا إلى الأرض ورضوا بالحياة الدنيا. فلا مناص إذن من تجاوز كل هذه الذهنيات، إن كنا نرغب حقا في استرجاع وظيفتنا الرسالية والاستخلافية المحققة للعمران الأخوي بين كل بني البشر. إننا نخشى اليوم كما أدخلَتنا مُخرجات “الحداثة السائلة” بيوتنا تحت الحجر الصحي، أن تدمرنا أو تبيدنا غد أو بعد غد ونحن صامتون إزاء خرابها المتزايد اقتصاديا وبيئيا وإنسانيا. صمت وتواطأ وسلبية أضحت مساهمة في الخطر الداهم الذي يهدد حاضرالبشرية ومستقبلها، وهي غافلة عن قوله تعالى: واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة.
ليس عبثا أن ينال التاريخ كل هذا الحظ الوافر من آيات القرآن وسوره، بل لحكمة وغاية تتمثل في ضرورة تشكيل عقل مؤمن حيوي ويقظ تجاه القوانين التي جعلها الله سبحانه في حركة التاريخ، يأخذ بأسبابها ويتفاعل معها.
وختاما أقول أن هذا الوباء السامري الذي أصاب العالم كفيل أن يفتح أمام البشرية تاريخا جديدا يستعيد فيها الإنسان قلبه، وزمنه، وقيمه الجمالية، وإنسانيته، وحسه الجماعي، ويستعيد آدميته لِيَنْجَمِعَ في رحمها، وكل غايته في هذه الدنيا التعارف بما هو تواصل وتكامل وتعاون وتضامن، استجابة لقول ربه سبحانه عز وجل: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم صدق الله العظيم.

طالع أيضا  العفو الدولية تدعو المغرب للتوقف عن استغلال قانون الطوارئ "المعيب"

✓ إشارة هامة: نقدي لمخرجات الحداثة لا أقصد به نقد العقل والعلم والتطور والتحديث، وإنما أقصد به إيديولوجية الحداثة التي جاءت لتصور لنا أن الدين تخلف، وقيم الخير والشر والفضيلة أصبحت متجاوزة وعلينا ان نعوضها بقيم الصواب والخطأ النسبي. إيديولوجية قتلت روح الإنسان مقابل تقديس جسده، قتلت الجماعة من أجل الفرد، قتلت الماضي وسَفَّهته وأجهضت المستقبل من أجل حاضر لا هم فيه للإنسان إلا الإستهلاك.