الحمد لله الذي إذا أراد أمرا قضاه، الحمد لله الذي جل في علاه، الحمد لله الذي ما كان كون لولاه، الحمد لله الذي لا يرفع الضر والبلوى سواه، أشهد ألا إلاه إلا الله يسمع الشكوى ويجيب المضطر إذا دعاه، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمدا عبده ورسوله ومصطفاه، سعد من اتبعه ووالاه، وخاب من خالف وعاداه، اللهم صل عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه ما سبحت الأكوان وسجدت لك الجباه.

إليك إله الخلق أرفع رغبتي، وإن كنتُ يا ذا المن والجود مجرما، ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي جعلت الرجا مني لعفوك سلما، تعاظمني ذنبي فلما قارنته بعفوك ربي، كان عفوك أعظما”.

أما بعد فيقول المولى عز وجل: “وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون”.

أحبتنا الكرام نلتقي في هذه الظروف الصعبة، حيث حبس الأخ عن أخيه، وفر الابن من أمه وأبيه، بل وشغل البعض عن صاحبته وبنيه. سدت الأبواب، وتفرقت الأهل والأحباب، وحبست الأصحاب عن الأصحاب، وأصيبت الدول بالأعطاب وانقطعت الأسباب، ولم يبق إلا باب الملك الوهاب، الذي إذا دعي أجاب، وإذا سئل أعطى بغير حساب، فيا سعد من تاب وآب، وأناخ مطيته في الركاب، وبكى واستغاث وكتم الأعتاب، وخر ساجدا وأناب، وقال لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.

أحبابنا الأعزاء، يقول ابن عطاء الله السكندري قدس الله سره: ربما وردت الظلم عليك، ليعرفك قدر ما من به عليك، آه كم من نعم كنا نتقلب فيها، لم نقدرها حق قدرها، فلما غابت قلنا يا ليتها إلينا عادت، في سنوات خلت، كان الحبيب المرشد بيننا يدعونا إلى لقاءات الأحد، وكنا نتهاون في حضورها، فلما فوجئنا بظلمة فراقه، فعرفنا قدر ما من الله به علينا، لكن هيهات هيهات، كان قد مات.

طالع أيضا  حديث القلب مع الأستاذ باعسو | التوبة والاستغفار 

بالأمس القريب من الله علينا بذلك الفتح العظيم؛ أنشطة متعددة لقاءات كبيرة بيوت مفتوحة، ومع ذلك كنا نتهاون ونتراخى، ولا ندرك قيمة النعمة التي كنا فيها، حتى جاءت ظلمة المنع والتشميع، آنذاك أدركنا ما ضاع منا، لكن هيهات هيهات ما فات قد فات.

واليوم ها نحن أيها الأحباب قد جاءنا وباء سيفه لواح، أبعد الأشباح عن الأشباح، ولولا إطلالة الأرواح، ورسائل نتبادلها عبر الهواتف، لمتنا صبابة، وهل تحلو الحياة بدون مجالسة في ذكر الله، وهل يطيب العيش بدون صحبة وخلة في الله، رضي الله تعالى عن سيدنا أبي الدرداء لما قال: لولا ثلاث ما أحببت البقاء، ساعة ظمأ الهواجر، والسجود في الليل، ومجالسة أقوام ينتقون جيد الكلام كما ينتقى أطايب التمر.

من لم يعرف قدر النعم بوجدانها، عرفها بوجود فقدانها، إذا لم تدرك قيمة النعمة بالوجدان، حتما ستدركها بالفقدان، فكم من فرص ضيعناها، وكم من خيرات زهدنا فيها، كانت أبواب آبائنا وأمهاتنا مفتوحة وقل ما نزورهم، كانت دور أولي القربى قريبة وقل ما كنا نصلهم، كانت زيارة المرضى سهلة وقل ما كنا نعودهم، كانت الجنائز تمر بين أيدينا، وقل ما كنا نتبعها،  وكانت بيوت الله مفتوحة وقل ما كنا نعمرها، وكانت مجالس الذكر تدعونا إليها وقل ما كنا نحضرها، وكانت مكة أو المدينة تنادينا، وقل ما كنا نجيبها، واليوم ها نحن نبكي ونأسف على كل ما فات. لم نعرف قدر النعم بالوجدان فعرفناها حين أتى الفقدان.

أيها الأحباب من يدري ماذا يحدث الله غدا، من يدري ماذا سنفقد بعد هذا، ماذا لو فقدنا حتى أصوات بعضنا ورسائل ودنا؟ ماذا لو غاب بعضنا تحت التراب.

أيها الأحباب هذه فرصة لا تعاد، رباط داخل رباط، رباط داخل بيتك، رباط مع أسرتك جسدا، ومع إخوتك في الله روحا ومددا، فرصة ذهبية للعكوف على باب ربنا سبحانه، والله ثم والله ثم والله، لن يرفع هذا البلاء إلى رب الأرض والسماء، ولن يكشف هذا الغم إلا بالتوبة والإنابة والدعاء، ولذلك رباطنا شعاره: “وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون”.

طالع أيضا  التوبة والإصلاح

فهلموا جميعا أيها الأحباب لنتوب إلى الله جميعا ونفر إليه، ونلجأ منه إليه سبحانه وتعالى، كان مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزه أمر صلى، “يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة”، في غزوة بدر يقول سيدنا علي رضي الله عنه، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح. جاء الهول وجاء الكرب، وجاء المشركون في ألف مقاتل، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم 314 رجلا، بمعنى أنه كان سيحيط بكل مسلم ثلاثة مشركين، هزيمة واضحة، فأي كرب وأي هم وأي هول، فإلى من لجأ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لجأ إلى من يسمع الشكوى ويرفع الضر والبلوى، وبات ليلته يصلي فما أصبح الصبح، حتى أتى من الله نصر فتح قريب.

سيدنا يونس عليه السلام أيها الأحباب، حينما خرج من قريته نينوى، بعدما دعاهم إلى الله عز وجل لسنين طويلة، فلم يتبعوه، خرج مغضبا ووعدهم بالعذاب بعد ثلاثة أيام، فذهبوا إلى أحد سيوخهم العقلاء، وقالوا له أشر علينا فقد قال يونس كذا وكذا. قال: إنه نبي وسيصيبكم ما توعدكم به، فخرجوا جميعا إلى الصحراء، شيوخا وصبيانا، شيبا وشباب، رجالا ونساء، وأخرجوا أنعامهم وأبقارهم وأغنامهم، وإبلهم، فرقوا الابن عن أمه، والبهيمة عن صغيرها، ثم أخذوا يتضرعون ويتوسلون، تابوا توبة جماعية، تابوا إلى الله جميعا ففازوا وأفلحوا. تقبل الله منهم الدعاء، ورفع عنهم البلاء، وأعطاهم بسخاء، “فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين”، هذا ما علينا فعله إيها الأحباب خلال إيام الرباط هاته، نتوب ونؤوب ونبكي ونتضرع، نعم الأجساد متفرقة، لكن القلوب متفقة.

طالع أيضا  حديث القلب مع الأستاذ باعسو | التوبة والاستغفار 

نسأل الله عز وجل أن يرفع هذا البلاء عنا، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، اللهم إنا نسألك من خير ما سألناك، ونسألك من خير ما لم نسألك، يا رب اغفر الذنب، وفرج الكرب، وارفع عنا هذا البلاء الوباء، وصلى الله وسلم على سيدنا وحبيبنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا، والحمد لله رب العالمين.