قررنا، جريا على عادتنا أنا وزوجي في بعض الأحيان، أن نغير من رتابة الحياة وأن نتناول وجبة الفطور خارج البيت، في مكان هادئ بعيد عن ضوضاء المدينة. وقد وقع اختيارنا على مقهى ذو واجهتين زجاجيتين إحداهما تطل على البحر المتوسط الذي قاسمنا هدوءه بعد أيام مضت كان في هيجان وغضب مريع. منظر هدوئه الساحر، وقد توزعت فوق أرجاء سجادته الزرقاء قوارب صيد صغيرة تحت سقف سماء صافية انتشرت فيها بعض الغيوم، يخطف الأنفاس ويعطي للأجواء بهاء وجمالا.

وبينما نحن نتناول ما جادت به مائدة الفطور الصباحي، إذ ظهر أمامنا طفل صغير في الشارع المقابل، خلف الواجهة الزجاجية، في سن العاشرة تقريبا، يرتدي ثيابا رثة ويبيع المناديل الورقية ويطلب منا شراءها منه، فاعتذرت له، وإذا به يلوح لي من خلف الزجاج  بيده بحركة فهمت منها أنه يريد  طعاما يسكت به جوعه، آلمتني حاله فقطعت فطوري وذهبت نحوه أحدثه مستفسرة عن حاله، وبعد حوار قصير دار بيننا، علمت أنه انقطع عن الدراسة بسبب ظروفه الاجتماعية الصعبة، فهو يبيع المناديل طيلة اليوم ليساعد أمه التي بدورها تقاسي وتعاني من عملها في حمل السلع المهربة من “باب سبتة” وتعول أسرتها المكونة من خمسة أطفال وأبيهم الذي أصيب بمرض منذ سنتين أصبح بسببه طريح الفراش ومقعدا.

كيف لهذا الواقع المزري أن يساعد في صقل شخصية هذا الطفل ليصبح في مستقبل أيامه منتجا في المجتمع، وهو يجتر كل هذا الألم والمعاناة، ويعيش طفولة مهمشة محرومة بائسة، لاشك سترخي بظلالها على ما بقي من حياته؟

لن أنسى شدة تأثري بملامح ذاك الطفل الجميلة البريئة المليئة بالحزن، ولا تينك العينين اللتين حدثتاني بغصة عميقة فياضة بكل أنواع الألم والخوف من المجهول، واللتان رغم الظروف القاسية  لم تفقدا من جمالهما الأخاذ شيئا. أحتاج لمليون قصيدة كي أشرح كيف كانت عيناه تخاطباني بحزن عميق آلم قلبي. ناهيك عن جسده الهزيل الذي يتحدى به الكون بأكمله.

طالع أيضا  عالم المغالطات المنطقية، أولوية الصحة وأسبقية المال.. رحلة قصيرة في ملابسات الحجر على الوحدات الصناعية

وما هي إلا لحظة حتى التحق به بقية رفاقه…

تتمة المقال على موقع مومنات نت.