صادفت هذه الأيام المباركات هذا الوباء وهذه المحنة وهذا الغم، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يصيرها منحة، وأن نسر في هذا الوطن وفي سائر أوطان المسلمين.

دائما يخرج الإنسان بعد المحن قوياً، وأتمنى أن يخرج هذا الوطن قوياً بأحبابه بأبنائه برجاله وبنسائه، بالكل إن شاء الله.

لنا إخوتنا مرابطون في الثغور أطباء ورجال تعليم ومن يحافظون على سلامة الناس وأمنهم، من يجتهدون في المواساة وفي مساعدة المحتاجين، الكل منخرط.

ونحن الذين اضطررنا أحبتي إلى البقاء في البيوت، طاعة لله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم، ورضى بقضائه سبحانه وتعالى، نفتح واجهة، مع ما ينبغي من النظافة ومن الحرص ومن التعلم ومن العلم، ومن الاجتهاد، وكل واحد وإن كان يجلس في بيته فهو عن بعد يساهم بشكل أو بآخر.

نفتح هذه الواجهة بالدعاء والاستغفار والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والإكثار من تلاوة القرآن، والمرابطة.

رسول الله صلى الله عليه وسلم يرغبنا في العمل الصالح، وفيما يرفع الله عز وجل به الدرجات، ويكفر به عن الخطايا، “إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط”.

لاشك أن الإنسان يحزن على المساجد التي أغلقت، لكن المتأمل والحكيم ينظر إلى هذه الأمور بعين الحكمة والعقل والفهم، لأن هذا هو لب الشرع، جاء الشرع ليحفظ المؤمن في دينه، وفي عقله، وفي بدنه، وفي ماله وفي كل شيء، وعلى ضوء المقاصد تفهم الشريعة، فنحن نتعبد ونذكر الله عز وجل، وننقل روح المسجد إلى بيوتنا.

ما معنى المسجد؟ المسجد هو انجماع، هو قوة الصف، هو وحدة الصف، هو التعاون على ذكر الله عز وجل، وعلى استمطار رحمته، وهذه إحدى تجليات ما نفعله الآن، بالتضرع والدعاء والتعاون.

إذاً هذه المعاني أحبتي، هي التي ننقل، وهي التي كان يعيشها الصحابة رضوان الله عليهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يخرجون من مجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشيعوا هذه المعاني فيما بينهم، في مجالسهم وفي بيوتهم.

طالع أيضا  في جلسة ليلية خاصة مع كتاب الله.. الدكتور المسئول يشحذُ الهِمم: "القرآن القرآن"

ألا ترى إلى ابن رواحة إنه يرغب عن إيمانك إلى إيمان ساعة، هذه شكوى من صحابي نظر إلى ابن رواحة وهو مقبل على مجلس من مجالس الذكر، فشكاه إلى رسول الله، وبماذا أجاب صلى الله عليه وسلم، قال: يرحم الله بن رواحة، إنه يحب المجالس التي تتباها بها الملائكة.

ويمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على مجالس الذكر، والحمد والاستغفار، فيجد الصحابة رضوان الله عليهم جالسين فيقول لهم: ما أجلسكم؟ قالوا جلسنا نذكر الله ونحمده على نعمة الإسلام، فيقول لهم صلى الله عليه وسلم: آ الله ما أجلسكم إلا ذاك؟ فيقولون: والله ما أجلسنا إلا ذاك، فيقول صلى الله عليه وسلم: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله عز وجل يباهي بكم الملائكة.

الله عز وجل يباهي ملائكته بمجالس الذكر، ومجالس العلم ومجالس الإيمان ومجالس الرباط، ومجالس المرابطة.

نعم المساجد لها أوقات خاصة، تفتح وتغلق، لكن المؤمن ينبغي أن يجعل من بيته ومن مدرسته، ومن لقاءاته فرصاً لذكر الله عز وجل، والمرابطة، وهذا ما يجتهد فيه الإنسان.

هذه الأيام أحبتي صادفت مواعد خاصة، برباطات إخوانكم في جماعة العدل والإحسان، يفرون ليقرعوا هذه النفس بالزواجر، ليهذبوها وليؤدبوها، وليعلموها كيف تخلص، وكيف تتربى، وكيف تكون في الطريق الصحيح، ويجلسون معها بالتعليم وبالتأديب، وبتلطيف عنادها، والأخذ بزمامها حتى ترعوي وتفر إلى الله عز وجل.

هل جاؤوا بشيء جديد؟ هذا ما كان عليه السلف الصالح رضوان الله عليهم، جعلوا بيوتهم مساجد وأقاموا فيها الصلاة، وذكروا الله عز وجل وتبتلوا.

إن من ينظر إلى آيات الله عز وجل، وهي تصف المتبتلين “كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون”، ينبغي أن يعيب على نفسه النوم، ينبغي أن يعيب على نفسه الغفلة، والاستهتار بهذه المعاني الجليلة.

طالع أيضا  "برومو" رباط العشر الأواخر من رمضان عن بعد (فيديو)

إن من يقرأ في كتاب الله عز وجل “يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً وسبحوه بكرة وأصيلا”، وإن من يقرأ “فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها”.

إن من ينظر إلى ترغيب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإكثار من الكلمة الطيبة: جددوا إيمانكم، قالوا: وكيف نجدد إيماننا يا رسول الله؟ قال: أكثروا من قول لا إله إلا الله. وأيضاً خيركم من تعلم القرآن وعلّمه.

من نظر إلى حياة الصحابة وحياة التابعين، سيجدها ملآى بالذكر الكثير، بالاستغفار بالختمات القرآنية، بالتبتل وبالتضرع. هذه المعاني أحبتي عاشها الأوّلون.

ومن تنقل عبر مساجد المغرب الحبيب، المساجد الموجودة بالمدن القديمة، في مراكش وفاس ومكناس والشمال، وعبر ربوع المغرب كله، سيجد أن المغاربة هم أهل ذكر، واستغفار وتبتل. سلوا المساجد والمآذن والقباء، وستحدثكم عن الساعات الأولى قبل طلوع الفجر، كيف كان يعمرها أهل الله، يعمرها الآباء والأجداد بذكر الله عز وجل.

سلوا الصبح وجلسة الشروق كيف كانت ملآى بالذاكرين ومجالس العلم، اسألوا مسجد بن يوسف في مراكش، اسألوا المساجد عبر ربوع المغرب ستجدون أن العلم والذكر والتبتل والاستغفار، كان هذا شأن المغاربة ولا زال.

فهذه الأمور عرف بها المغاربة، هم أهل رباط وأهل ذكر وأهل استغفار، وأهل تضرع وأهل تبتل، فلذلك هذه المعاني لما انغرست، إنما يحب الإخوان ومن يعملون بهذا الأمر، أن يحييوا هذه المعاني، هذا هو جوهر الدين، التطلع إلى معاني الإحسان، التطلع إلى هذه المعاني الكبرى التي شغلت الجيل الأول، وخرجت الجيل الفريد الذي عاش مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمل الهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

كيف نجعل من بيوتنا في هذه الفرص أحبتي مجالس للذكر والمرابطة، مع استحضار الحكمة، “وامر أهلك بالصلاة واصطبر عليها”.

طالع أيضا  رباط: رجع ورفع ودفع

نسأل الله عز وجل أن يملأ بيوتنا بذكر الله عز وجل، هذه فرص أخي الحبيب، لك وأنت مع أهلك وأحبابك، وأنت في بيتك أن تحيي هذه المعاني.

هذه فرص لننجمع جميعاً، وأن نستحضر جميعاً النيات، ونحن نذكر هذا البلد، لابد أن نخرج من هذه المحنة إن شاء الله أقوياء أحباء مترابطين فيما بيننا، وأن نتطلع إن شاء الله إلى غد مشرق، يشترك فيه جميع أبناء هذا الوطن السعيد.

نسأل الله عز وجل أن يقوينا وأن يرحمنا، وأن يجعل حياتنا كلها في ذكره سبحانه وتعالى، وأن يجعل آخر كلامنا من الدنيا لا إله إلا الله، محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

نسأل الله عز وجل أن يحيي في قلوبنا حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحب سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن ننظر إلى الجواهر وإلى اللآلئ التي كان يتناقلها الصحابة فيما بينهم، هذه المعاني وهذه التجليات، هذه هي مجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه هي مجالس الصحابة رضوان الله عليهم، كان الذكر الكثير، والبعد عن الغفلة وعن التيه، وعن هذه الأمور التي تعتبر من السفاسف.

نسأل الله عز وجل أن يرفع البلاء عن هذا البلد الحبيب، نسأل الله سبحانه أن يتجاوز عنا التقصير، نسأل الله عز وجل أن يرحمنا وأن يغفر لنا، نسأل الله عز وجل أن يجعل لنا من كل ضيق مخرجاً ومن كل هم فرجاً، وصلي اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.