السكينة غاية مبتغى المرء في دنياه، إذ لا راحة لصاحب المال ولا الصحة ولا السلطان إلا بالسكينة والاطمئنان، فهي ينبوع السعادة ومناط ارتياح الأبدان، فإذا اطمأن القلب وسكنت الجوارح استقام الرأي، ونطق اللسان بالحكمة التي تخاطب العقل بالبرهان وتحرك سواكن الوجدان، فصاحب السكينة لا ينخدع ولا يغتر بظواهر الأشياء عن حقائقها، فهي نورٌ يقذفه الله في القلب، يرى به الحقَ على حقيقته والباطلَ على بطلانه، إنها الجمال في المظهر والجلال في المخبر، ومع توالي الأحداث واختلاط الألوان، وتشوه الأفكار والتيه بين وسائل الإعلام، وضياع مفهوم القيم بين الصحة والبطلان، مما يجعل الحليم حيرانا، فما السبيل إلى السكينة والاطمئنان والثبات في الميدان؟
فصل المقال أن السكينة فضل من الله يوتيه من يشاء، فهي من منازل المواهب، لا من تجارب المكاسب، فقد وجدها إبراهيم عليه السلام في النار بردا وسلاما، ووجدها يوسف في غياهب الجب وظلمة السجون نورا و أمانا، ووجدها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في أحلك الظروف يوم معركة الأحزاب، وقبلها في أحداث الهجرة هو وصاحبه في الغار معية وتحصينا، ووجدها يونس في ظلمات بطن الحوت فلاذ إلى ربه مستغفرا ومسبحا فنجاه، ووجدها موسى وهو في اليم رضيعا عاجزا، وأمام سحرة فرعون وهو وحيدا مترددا، ووجدها غلام أصحاب الأخدود يوم نصب نفسه مخلصا للناس من ظلم الحاكم …
وهكذا تحول السكينة العبد من ضعيف عاجز بنفسه إلى قوي مطمئن بربه، والقرآن الكريم حافل بالآيات الدالة على نعمة السكينة وسبيل اغترافها، وقد ذكرها الله سبحانه في كتابه في ستة مواضع منها:
قوله تعالى: (ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ) التوبة/26.
وقوله تعالى: (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا) التوبة/40.
وقوله تعالى: (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ) الفتح/26.
والعالم اليوم أحوج إلى سكينة تبعث فيه الأمل، وتزيل عنه الخوف واليأس والهلع، وأقرب الطرق وأبسط السبل والناس في بيوتهم كرها، ومساجدهم مغلقة حكما جراء الحجر الصحي، هو التصالح مع الفطرة وتنظيم وجبات تغذيتها بحقيقة العبودية لخالقها فتعلن بالحال والمقال، عجزها ليمدها من قدرته، وضعفها ليمدها من قوته، وفقرها ليعطيها من فضله، ورضاها بقضائه ليرضى عنها بأمانه، وصبرها على بلائه ليصطفيها على خلقه، وشكرها على نعمه ليزيدها من عطائه، وإقبالها على ذكره لينزل عليها سكينة منه وينجيها من بلائه. “فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون” صدق الله العظيم.
السكينة والوقار في انسجام بين القلب والجوارح يتوق من خلاله إلى طلب الخلاص الجماعي ونبذ الأنانية الفردية، ويؤكد سلطان القلب على الحواس الرعية، فهو حامي الحمى ومدخل العطية والبلية، والمسؤولية تقتضي بعد النظر، ودقة المقصد، وقسط القسمة، وحكامة التدبير، وتصالح العقل مع النقل.
دعونا نفصح أن الأمة الإسلامية اليوم تمتحن في عقيدتها وإرثها وخيريتها ورسالتها السماوية، لتكون ملاذا آمنا للإنسانية العاجزة أمام مخلوق تكاد لا تراه، فهل ستستطيع الأمة اليوم أن تفهم الدرس، وتستثمر الفرصة الممنوحة لتخرج للإنسانية بما يخلصها مما يجثم على أنفاسها في مستقبل الأيام من ضنك العيش وخواء الروح، وما تستوعب به علم العالم المعتمد على العقل واستفراغ الجهد في البحث والتحليل، والأخذ بالأسباب في عالم المادة. وحقيقة العابد المتبتل المناجي لربه الموقن في جلال سلطانه وعظمة قدرته ورحمته بعباده، ليجتمع شمل مستقبل الإنسان وتكتمل أركان العمران.
تتجلى اليوم في كل الوقائع والأحداث آيات للإنسان أن زمن العلمنة قد ولى وفات، و أنه ملزم أن يسمع لصدع فطرته طوعا أو كرها.
غدا سيلتقي الفكر مع الذكر، وتعانق حكمة العقل رشاد النقل، ويبسط العدل الطريق للإنسان ليرتقي في مدارج الإحسان، غدا يتصالح السلطان مع القرآن فيسعد الإنسان، وكل الناس يغدو فبائع نفسه، فمعتقها أو موبقها.

طالع أيضا  بوْصلتُنا قِيمُنا.. الحُب (1)