اجتاحت “كورونا” دول العالم فأصابت من أصابت، وقتلت من قتلت، بل وفرضت الحظر وحالة الطوارئ الصحية على معظم سكان المعمور، وعزلت الدول والمجتمعات، في زمن العولمة حيث العالم قرية صغيرة.

كل ذلك وقع في زمن قياسي، وفي غفلة من الناس حتى ظن بعضهم أننا في حلم وليس حقيقة، حيث عجز الإنسان عن مواجهة هذا المخلوق العجيب “كوفيد:19″، وضعف أمام سرعة انتشاره وانتقاله بين البشر. فلم يبق للإنسان إلا أن يقول ما قاله رئيس إيطاليا “انتهت أسباب الأرض، الأمر الآن بين يدي السماء”. ومثل هذا القول كثير ومتواتر في زمن كورونا. وهذا يقودنا إلى التفكير: ماذا يمكن أن يستفيد الإنسان كخبرة عملية توجه سلوكاته وأفعاله في قادم الأيام والسنوات؟

من خلال ملاحظة ردود أفعال الناس، وتفاعلهم مع هذه الجائحة، يمكن القول: إن “كورونا” فرصة ذهبية للإنسان من أجل إعادة بناء ذاته، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي أو المجتمعي.

فعلى المستوى الفردي: الإنسان من خلال هذه الجائحة شعر بطبيعة الضعف والنقص، بل والعجز الذي يعتريه رغم كل وسائل القوة التي ابتكرها وطورها، كما أنه شعر بالجهل ونقص المعرفة، رغم كثرة العلوم والمعارف التي راكمها.

إن هذا النقص والضعف والجهل مطبوع في الإنسان مجبول عليه، وملازم له، حتى يدفعه للبحث عن الكمال والتعلق والارتباط به؛ كمال الله سبحانه، وهو العليم الحكيم. وكأن هذا الفيروس يقول للإنسان مهما بلغ علمك فأنت جاهل، ومهما بلغت قوتك فأنت ضعيف، ومهما بلغ كمالك فأنت ناقص، لا تنسَ أيها الانسانُ أنك مخلوق لدور ووظيفة، هي تعمير الأرض وخلافة الله فيها بصالح الأعمال والسلوك، إقامةً للعدل وتكريما للإنسان، كل إنسان عبودية لله.

وعلى المستوى الجماعي: إن هذا الفيروس الكوروني أكد حقيقة اجتماعية الإنسان، إذ لا يمكنه العيش، ولا يقوى عليه إلا داخل جماعة وفي مجتمع، وأن هذا العيش المشترك رحمة للإنسان، به يحصل التعاون والتضامن والتآزر والتبادل الرمزي والمادي أيضا، وكذلك التعارف والتواصل تلبية لحاجات نفسية ووجدانية لهذا الانسان.

طالع أيضا  التضرع والأنين في زمن الوباء

إذن فهذا الوباء فرصة لإعادة بناء علاقة الفرد بالجماعة، فالجماعة يجب أن نحافظ عليها سليمة نقية، طاهرة من جميع الأمراض البيولوجية والنفسية والروحية أيضا، ليعلم الأفراد أن الأمراض تنتقل، والعدوى تنتشر، فلا يمكن أن يقول أحد: هذه حياتي الخاصة، أقول ما أشاء، وأفعل ما أشاء، بل لا بد من الالتزام بقيم وقوانين الجماعة والمجتمع، وإلا فالخطر يهددنا جميعا، ولنا في قوانين الحظر الصحي خير مثال.

وإذا كان كل هذا الحرص اليوم على ضرورة الالتزام بالحظر الصحي، من أجل عدم انتشار “كورونا”، الذي يصيب الجسد. فمن باب أولى وأحرى أن تحرص الإنسانية في قابل الأيام، على عدم انتشار الأمراض القلبية والنفسية التي تعصف بالإنسان، وتجعله يلهث وراء الشهوات والغرائز دون حدود أو قيود.

إن العيش المشترك رحمة ونعمة لا يعرفها إلا من فقدها، ولقد فقدها العالم لأيام أو شهور، وذاق معنى الانعزال والانغلاق والحصار، لذلك علينا أن نحافظ على هذا العيش المشترك، وعلى هذه الحياة الجماعية، بمنظومة قيمية يؤطرها الحب والاحترام والتسامح، وتمجُّ التعصب والتطرف والعنف. 

وعلى المستوي المجتمعي: لقد كشف فيروس “كورونا” أن قوة المجتمعات والدول في نظامها ديمقراطية، وفي مؤسساتها يقظة واستقلالية في القرار السياسي والاقتصادي، وفي قدرتها على تأهيل القطاعات المجتمعية الحيوية، البحث العلمي والصحة نموذجا، مرورا بتوفير كفايتها من الغذاء والدواء ومعهما الأطر المؤهلة وذات الخبرة العالية في شتى المجالات الحياتية.

إن فيروس “كورنا” جعل الدول تعيد النظر في مسألة الأمن القومي، وتدرك  أن هذا الاخير لم يعد مضمونا بالترسانة العسكرية والأسلحة الفتاكة، بل أعاد للنقاش طبيعة النظام العالمي الذي يؤطر العلاقات بين الدول والمجتمعات، بعيدا عن منطق التصادم وما يسمى زورا “صراع الحضارات”؛ نظام تنمحي فيه نزعات الهيمنة والاستغلال نهبا لمقدرات الشعوب المستضعفة، ويدشن فيه عهد المصالحة الدولية تعاونا وتضامنا، وتقاسما للخبرات وتبادلا للتجارب التنموية اجتثاثا للبؤس، واستئصالا لاستغلال الإنسان لأخيه الإنسان، فتعم الرحمة والسلم والتعايش بين الناس أحمرهم وأسودهم وأبيضهم، يتنافسون في إسعاد الغير وتوفير أسباب الحياة الكريمة، تحقيقا للنداء الإلهي الخالد: “إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ”.

طالع أيضا  صلاة الجمعة في ظل الحجر الصحي.. توجيهات للأستاذ حمور

والحمد لله رب العالمين.