عاد النبي صلَّى الله عليْه وسلَّم من ليلة الإسراء والمعراج، فلمَّا أصبح حدَّث النَّاس بما أراه الله من آياته الكبرى، فاشتدَّ تكذيبهم له، وإيذاؤهم إيَّاه وتعدِّيهم عليه، وقالوا: إنَّ العير لتطرد شهرًا إلى الشَّام من مكَّة مُقبلةً، وشهرًا مدْبرة، أفيذهب ذلك محمَّد في ليلة واحدة ويرجع إلى مكة؟!
ثمَّ أراد المشركون استغلالَ هذا الخبر في تضْعيف نبوَّتِه – صلَّى الله عليه وسلَّم – وتوْهين صحابتِه، لكنَّهم واجهوا قلوبًا قويَّة صادقةً من أمثالِ أبي بكر رضِي الله عنْه.

كان هذا الحدث محطة تاريخية في حياة الأمة، غير مسارها، وصنع فعلها، وحدد وجهتها، وزاد من يقين صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في مشروع التحرير والعمران. في المقابل كانت الإسراء والمعراج فاضحة كاشفة، لكل العقليات المريضة المشككة في قدر الله ومعجزات النبوة.

ونرصد هنا أربع عرى شكلت قوة تغيير بعد حدث الإسراء والمعراج، وفي حياة الصحب رضي الله عنهم:
العرى الأربع…
– عروة الصديقية: كانت الإسراء والمعراج مفعمة بمعجزات وبركات، قبلتها عقول النَّوَاةِ الْأولَى للجماعة التي صحبت النبوة بالتصديق والإيمان دون شك أو سقوط في فخاخ المشككين..
وَلَوْ رَصَدَنَا كَيْفَ سُمِّيَ أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقِ رَضِّيَّ اللهُ عَنْهُ بِالصَّدِيقِ، لِعَلِمْنَا أَنَّ الْإِسْرَاءَ وَالْمِعْرَاجَ كَانَتْ سَبَبَا فِي نَيْلِ أَبِي بكر رَضيَّ اللهُ عَنْهُ وِسَام الصديق والصديقية..
وفي ديننا غيب يلزمنا الإيمان به، ومن الغيب ما فيه بشارات عن فتوح في الأمة وبيت المقدس، وزوال وباء علو الفساد، وعودة الخلافة على منهاج النبوة، وتحقيق تمكين في الأرض يعم الأمة بالخير والبركة رغم كل الصعاب، التي نمر بها من محن وفتن وأوبئة.
“نور الصديقية” عروة ينبغي التشبث بها في أيامنا هذه، لنؤمن أن في القدر خير وتغيير سيكون في صالح العالم والأمة المجددة..
– عروة  السببية:  ثانيا في كل تحرك وفعل سببي للنبي  صلى الله عليه وسلم، هناك قدر لله يكون سندا لمشروع النبوة، ليكمل التمكين والنصر والفتح، وهذه سنة الله (إن تنصروا الله ينصركم)، وهذا من عين الإيمان، وهو الاعتقاد بوجود جهد وبناء في الأرض، يحتاج إلى نصر من السماء يعضده ويكمله، لكن هذا النصر رهين بوجود شرط ذاتي وهو صلاح في الأمة، يعمل “بنور سببية” في العلم والعمل لمواجهة الاستبداد والفساد العالمي..
في كل حدث في الكون وقدر لله حكمة من الله، فكان قدر الله في شدة ومحنة النبوة في الطائف هو ابتلاء فيه خير، أعقبه نصرة من الله برحلة ومعجزة هي الإسراء والمعراج.
في عصرنا وقرن التكالبات، يَلْزَمُنَا أَنْ نُعَلِّمَ الْأَجْيَالَ أَنَّ النَّصْرَ مِنَ السَّمَاءِ قَرِينُ بمشروع بناء في الْأرْضِ، أي سبب وعمل ومشروع تغيير، ينقلنا من الانحطاط والغثائية والوهن إلى نور المنهاج النبوي تربية وعلما وعملا، لعلنا نكون خيرا لهذه البشرية التي عانت البعد عن الفطرة ونور الوحي.
ولنا يقين أنه بعد كل المحن والأمراض التي عاشتها الأمة وعاشها العالم، هناك فرصة تاريخية للأمة لتحتضن هذا العالم خصوصا الغربي منه، الذي سيبحث عن حاضن صادق بدل الحاضن الرأسمالي القديم، الذي كانت تتحكم في دواليبه الصهيونية المخربة.
“نور السببية” عروة يلزم التشبت بها لنخرج أمة من الركود إلى الفعل والإنجاز، مع يقين في معية الله.
–  عروة  الرؤية: بعد شدة الطائف جاء خير ونصر من الله أنزل الطمأنينة، لكن أعظم النور والبركة هي الرؤية النبوية التي نالها النبي صلى الله عليه وسلم من  الرؤية الربانية من (لنريه من آياتنا)، وهذه الرؤية التي عاد بها النبي صلى الله عليه وسلم من بيت المقدس كأعظم بركة من سماء الإسراء والمعراج، هو ما لم تصدقه العقول التي لا تفقه علم الغيب والقدر وسنة الله..
“نور الرؤية” أعظم العرى يلزمنا تَعَلُّمَهُ لنفقه كيف نقود عالمنا اليوم بعد الشدة التي يمر بها، برحمة ووفق منهاج يخرجه من أزمات فوضى عارمة.

طالع أيضا  الإسراء والمعراج: ذكرى وعبرة ودعوة

نور الرؤية جوهرة وعروة تربطنا بالمنهاج النبوي روحا وعلما وحركة، وهو المنهاج الذي باتت العالمية في حاجة إليه لإنقاذها.
– عروة التفصيل: في قراءتنا للتاريخ، سنرصد أنه في كل مرحلة  يُقَدِّرُ الله حدثا فيه حكمة، تتقبله العقول السليمة وتخرج عقول متشددة أو جاهلة مشككة في هذا القدر.
ومع حدث الإسراء والمعراج، خرجت عقول جاحدة مشككة مخربة، تنشر تزييفا بين صفوف الأمة والصحابة، وتشكك في زيارة النبي صلى الله عليه وسلم لبيت المقدس فتقول (وشهرًا مدْبرة، أفيذهب ذلك محمَّد في ليلة واحدة ويرجع إلى مكة؟)
ومع حدث هذا الوباء الذي لن يكون سبب فناء العالم، تظهر عقول تشكك في حكمة الله وسنته، ولا تستوعب التفسير وعمق الأحداث، لكن في المقابل تخرج في الأمة عقول توجه القصد وتفسر الحدث بحكمة ورؤية من منظار النبوة دون يأس أو هزيمة أو تنطع أو استهتار.
لذلك كان لزاما أن نصحح المفاهيم والتصورات الخاطئة برؤية واضحة، وعروة متماسكة تسمى “نور التفصيل”، أساسها الشرح والتحليل الإيماني والتاريخي، وفق منهاج شمولي وفهم جامع لأحداث الأمة، وقدر الله، وابتلاءاته، نور التفصيل سبيل لفهم الواقع وحركة التاريخ ومن أنت.
 أي أنت أيها الإنسان المستخلف في الأرض، الحجر الزاوية، الجندي الذي تنتظره العالمية لإخراجها من تحكم الصهيونية العالمية المخربة.