سجلت عدسات الكاميرات خلال سريان فترة الحجر الصحي، مشاهد يظهر فيها رجال السلطة يتعاملون بعنف مع بعض المواطنين، وبشكل يمس بكرامتهم وانسانيتهم، مما جعل الرأي العام ينتقد هذا السلوك ويمجه، لكونه مخالفا لروح الدستور المغربي في فصله الثاني والعشرين، والذي ينص على أنه “لا يجوز المس بالسلامة الجسدية أو المعنوية لأي شخص، في أي ظرف ومن قبل أي جهة كانت، خاصة أو عامة ولا يجوز لأحد أن يعامل الغير تحت أي ذريعة، معاملة قاسية أو لا إنسانية، أو مهينة أو حاطة بالكرامة الإنسانية، وأن ممارسة التعذيب بكافة أشكاله، ومن قبل أي أحد، جريمة يعاقب عليها القانون”.

إن الغالبية العظمى أدانت هذا السلوك باعتباره يمس بالحكامة الأمنية، التي تنشدها الأمم الديموقراطية، والتي تعتبره معيارا رئيسيا من معايير التحول الديموقراطي في أي بلاد، إذ لا يمكن تصور وجود تحول ديموقراطي في أي مجتمع، دون أن تطال البنيات الأمنية لهذا المجتمع، تغييرات جوهرية، لضبط تعامل الأجهزة الأمنية مع المواطنين، بحسب ما تقتضيه القوانين، وما تفرضه المواثيق الدولية التي تنظم مجال الاحتكاك بين قوات الأمن والمواطنين.

طبعا هناك من الآراء القليلة جدا من تفهمت هاته السلوكيات، بالنظر للظروف الصعبة التي تشتغل فيها أجهزة الدولة ورجال السلطة أساسا، وبالنظر إلى حجم المخاطر التي تهدد صحة وأمن الوطن أجمع، من قبل بعض المواطنين المتهورين، بالنظر إلى أن البلد أعلن حالة الاستثناء الصحي، واستحضارا لكون السلطة لا يمكنها بسط نفوذها وسيطرتها على الوضع إلا باستعمال القوة أحيانا.

أمام هذا الأمر يجعلنا نستحضر الحقل المفاهيمي للمدارس الفلسفية عبر التاريخ، التي انقسمت بدورها إلى توجهين، الأول توجه مكيافيلي وهو الذي يؤمن بمبدأ “الغاية تبرر الوسيلة”.

هذا المبدأ الذي تبناه نيكولا مكيافيلي، المفكر والفيلسوف والسياسي الإيطالي في القرن السادس عشر، حيث يعتقد أن صاحب الهدف باستطاعته أن يستخدم الوسيلة التي يريدها، أيا كانت وكيفما كانت دون قيود أو شروط، فكان هو أول من أسس لقاعدة الغاية تبرر الوسيلة.

طالع أيضا  تزامنا مع محاكمته.. لجنة دعم المعتقل سيدي بابا بأكادير تنظم وقفة تضامنية

واعتبرت هذه القاعدة هي الانطلاقة الأولى التي ينطلق منها كل متسلط، حيث يضعها نصب عينه ويتبناها، لتبرر له أفعاله الخشنة غير الناعمة والمخالفة للقوانين والأخلاق.

 ويرى مكيافيلي ضرورة استخدام العنف والقوة من قبل القائد السياسي، مبررا ذلك بأنه يولد الخوف، و الخوف أساسي من أجل السيطرة على الشعوب -حسب اعتقاده- ومن لم يفعل ذلك لا يعتبره قائدا سياسيا ناجحا.

إذا كان التصور السياسي لنيكولا مكيافيلي يمركز كل السلط في يد الحاكم، وتبقى القوانين فقط صورية، يمكن اللجوء إليها حينما لا تكون مضرة بمصلحة الحاكم ونفوذه؛ فإن مونتسكيو ظل متأثرا بروح عصره، وبالتراكمات الفلسفية التي خلفها عصر النهضة، حيث فكر في السلطة من منطلق حقوقي وقانوني، تكون السلطة فيه في خدمة المواطن لا في خدمة الحاكم، وهكذا نجد مونتسكيو يدافع على أن الدولة الحديثة تتميز بوجود ثلاث سلط مستقلة عن بعضها البعض؛ وهي السلطة التشريعية والتنفيذية والسلطة القضائية، حيث تتولى كل سلطة مهمة خاصة ومحددة، دون أن تتدخل في السلطة الأخرى، من أجل تحقيق غاية واحدة وهي أمن المجتمع وسعادة أفراده، لذلك دافع مونتسكيو على عدم جمع الحاكم لكل السلط بين يديه حتى لا نسقط في الاستبداد والديكتاتورية، فالفصل بين السلطات ضروري، لتضمن كل سلطة حق ممارسة مهامها بعيدة عن التأثير أو التأثر بسلطة أخرى، وفي هذا الصدد يقول مونتسكيو: “عندما تجتمع السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية بين يدي شخص واحد، أو في هيئة قضاء واحدة، فإنه لا يعود ثمة مكان للحرية، لأنه بإمكاننا أن نتخوف من قيام الحاكم بسن قوانين استبدادية، ولن تكون هناك أية حرية إطلاقا إذا لم تكن السلطة المتعلقة بإصدار الأحكام غير منفصلة عن السلطة التشريعية والتنفيذية”.

هكذا أخبرنا بول ريكور بأنّ العنف لا يؤسس للأخلاق، بل ينفيها، وهو ما يجعله صنواً للسلبية المحضة، فلئن كان استخدام القوّة من طرف الدولة واحتكارها لوسائل الإكراه، يجد ما يشرّع له في السعي إلى تطبيق القوانين وحفظ النظام وبسط الأمن العام، فإنّ تحقيق الدولة لرغبات صاحب السلطة يجعل من العنف ممارسة قهرية قمعية، وهنا تفقد الدولة شرعية العنف.

طالع أيضا  مع الأستاذ ركراكي.. أسئلة مزعجة محرجة تنتظر أجوبة مثلجة مبهجة (1)

إن منتقدي سلوك أجهزة السلطة في تعاملها مع مواطنيها ورعاياها، يؤسسون رأيهم على كون هذا الحدث العظيم الذي تعيشه البشرية جمعاء وتعيشه الأمة والوطن، ينبغي أن لا يجعلنا نتراجع إلى الوراء ونضيع بعض المكتسبات الحقوقية والإنسانية على أقليتها، بل ينبغي على الفاعل الحقوقي والسياسي والقانوني والإعلامي، أن يتحمل مسؤوليته في حماية الحقوق التي ناضل من أجلها أجيال من الفاعلين، ونصت عليها العهود والمواثيق الدولية.

إن إعلان حالة الطوارئ لا تخول للدولة بسط رجليها، وإطلاق يديها بحجة حفظ الأمن وتطبيق القوانين على حساب المبادئ والقيم والحقوق، وهذا ما تؤكده المادة الرابعة من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، التي تنص على أنه “في حالات الطوارئ الاستثنائية التي تتهدد حياة الأمة، والمعلن قيامها رسميا، يجوز للدول الأطراف في هذا العهد أن تتخذ، في أضيق الحدود التي يتطلبها الوضع، تدابير لا تتقيد بالالتزامات المترتبة عليها بمقتضى هذا العهد، شريطة عدم منافاة هذه التدابير للالتزامات الأخرى، المترتبة عليها بمقتضى القانون الدولي، وعدم انطوائها على تمييز يكون مبرره الوحيد هو العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الأصل الاجتماعي، ولا يجيز هذا النص أي مخالفة لأحكام المواد 6 و 7 و 8..”

وبرجوعنا مثلا إلى المادة 7 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، نجدها لا تجيز إخضاع أحد للتعذيب، ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة بالكرامة.

وهذا يتساوق مع مقتضيات المادة 5 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي تؤكد على نفس الحق والمبدأ الأصيل.

إن قوة الدولة وأجهزتها تكون في قوة أخلاقها وقيمها وصيانتها لكرامة وإنسانية مواطنيها، وهذا ما نادى به المفكر وعالم الاجتماع المغربي عبد الله العروي، الذي يعتبر دولة الحق في نظره هي “دولة القانون والمؤسسات، وتجمع السياسة والأخلاق، القوة والإقناع، في حين أن دولة الاستبداد تبقى معزولة عن الناس، وهذا ما يجعلها هشة ومعرضة دوما للفردانية والتسلط”.

طالع أيضا  كيف أستفيد من جلوسي الاضطراري في البيت؟.. خبير: ضع برنامجا بسيطا وعمليا

وهو المنحى نفسه، الذي ذهبت إليه عالمة الاجتماع جاكلين روس، التي تعرف دولة الحق باعتبارها صيغة قانونية قائمة على القانون والحق، الخاضعين لمبدأ احترام الشخص، باعتباره وازعا لضمان الحريات ومراعاة الكرامة الإنسانية، والعمل تبعا لذلك على تجنب ومناهضة كل ما من شأنه أن يخل بهذا المبدأ من ظلم وطغيان وتعسف وعنف.