أما قبل

إن إقامة العدل وتكريس مبادئ العدالة، لا ترتبط بزمان أو مكان أو ظروف، فمهما اشتدت الأزمات ومهما قست الظروف وفي أحلك الكوارث وجب التقيّد بمعايير حقوق الإنسان التي كفلتها الشرائع والقوانين والأعراف، ففي ديننا الإسلامي الحنيف الكثيرُ من الأصول التي تحثنا على الأخلاق الفاضلة والقيم الإنسانية النبيلة في عز المعارك والحروب.

قصدنا من خلال هذه المقالة التي تمتح من الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، أن ننبه من موقع المسؤولية، وموقع الغيرة إلى ضرورة التقيد بمجموعة من المبادئ والتدابير، ونحن نواجه جميعا هذا الوباء الذي أصاب العالم وخيّم على المكان والزمان، نسأل الله عز وجل أن يلطف بنا جميعا، وأن يرفع عنا هذا البلاء وهاته الغمة ويحفظ بلدنا وبلاد المسلمين والإنسانية جمعاء. اللهم آمين.

وقبل الشروع في تأصيل مفهوم حالة الطوارئ في منظومة حقوق الإنسان الأممية، وما يقتضيه من أحكام والتزامات، أنوه بالمجهودات التي تقوم بها الأطقم الصحية المغربية، وبمستوى الوعي المتقدم الذي أبان عنه عموم المغاربة طيلة هذه الأيام، بغض النظر عن بعض الانفلاتات التي لا تخدش في وعي المغاربة بمتطلبات المرحلة، وما تقتضيه من إشاعة معاني التضامن والتعاون وتغليب منطق الإجماع، بعيدا عن افتعال الصراعات وفتح جبهات مواجهة هامشية.

أولا: حالة الطوارئ في القانون الدولي لحقوق الإنسان

 تجدر الإشارة ابتداء أن حالة الطوارئ، قد تحمل مسميات قانونية تختلف من بلد لبلد، ومن وضع لآخر، بحسب طبيعة الأزمات، مثل “حالة الاستثناء” و”حالة الطوارئ” و”حالة التأهب” و”الأحكام العرفية” وما إلى ذلك.

وعندما نبحث في مقتضيات القانون الدولي لحقوق الإنسان عن حالة الطوارئ، نجدها واردة في الفقرة 1 من المادة 4 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تنص  على ما يلي: “في حالات الطوارئ الاستثنائية التي تتهدد حياة الأمة، والمعلن قيامها رسميا، يجوز للدول الأطراف في هذا العهد أن تتخذ، في أضيق الحدود التي يتطلبها الوضع، تدابير لا تتقيد بالالتزامات المترتبة عليها بمقتضى هذا العهد، شريطة عدم منافاة هذه التدابير للالتزامات الأخرى المترتبة عليها بمقتضى القانون الدولي وعدم انطوائها على تمييز يكون مبرره الوحيد هو العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الأصل الاجتماعي”. هذا المضمون هو ذاته الذي تنص عليه الفقرة 1 من المادة 27 من الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان.

وفي نفس الاتجاه ذهبت إلى ذلك الفقرة 1 من المادة 15 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، كما أن المادة 30 من الميثاق الاجتماعي الأوروبي لعام 1961، تنص على ما يلي: “في حالة الحرب أو غيرها من حالات الطوارئ العامة التي تتهدد حياة الأمة يجـوز لكـل طرف سـام متعاقـد أن يتخـذ تدابيـر تخالـف الالتزامات المنصـوص عليها في هذا الميثاق في أضـيق الحـدود التي يتطلبها الوضـع وبشـرط أن لا تتناقـض هذه التدابيـر مع بقيـة الالتزامات المنبثقـة عن القانون الدولـي”.

طالع أيضا  د. متوكل: النظام يضيق على الجماعة لأنها تصر على فضح الفساد ومقال "جون افريك" مشين

وقد صيغ مفهوم الطوارئ الوارد في الفقرة 1 من المادة 27 من الاتفاقية الأمريكية لحقوق الانسان بطريقة مختلفة عن نظيره العالمي والأوروبي. وبدلا من الإشارة إلى تهديد “حياة الأمة”، فإنه يسمح بعدم التقيّد بالالتزامات في أوقات الحرب أو الخطر العام 1 أو سواهما من الحالات الطارئة التي لا تشكل بالضرورة تهديدا للأمن الداخلي أو الخارجي ولكنها قد تنشأ على الرغم من ذلك 2.

والملاحظ أن كل هذه المواد شددت على ضرورة حماية الحقوق الأساسية في حالة الطوارئ، وشددت على ضرورة الالتزام بمقتضيات القانون الدولي في حالة إعلان حالة الطوارئ، التي قد تفرضها بعض الظروف، ومنها ما نعيشه اليوم في المغرب، خاصة وأن الحكومة المغربية أصدرت مرسوما بقانون 3، يتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها، لذلك، فإن أي أحكام وتشريعات أو إجراءات وتدابير، سوف تترتب عن تنفيذ هذا المرسوم بقانون، ينبغي أن تلتزم وتتقيد بمقتضيات القانون الدولي، خاصة ما يتعلق بحماية الحقوق الأساسية للأفراد.

ثانيا: حماية حقوق الانسان في حالة الطوارئ

لقد أقر القانون الدولي لحقوق الإنسان مجموعة من الضمانات لحماية حقوق الإنسان خلال حالة الطوارئ، وحصر مجموعة من الحقوق “التي لا يمكن بأي حال من الأحوال انتهاكها في كل الظروف، وتتعلق بالحقوق والحريات” 4، وفيما يلي الحقوق التي تحميها المواد الواردة في العهد الدولي: الحق في الحياة، الحق في عدم التعرض للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة بالكرامة، لا يجوز إجراء أية تجربة طبية أو علمية على أحد دون رضاه الحر، الحق في عدم التعرض للاسترقاق والرق والاتجار بالرقيق، الحق في عدم التعرض للسجن لمجرد العجز عن الوفاء بالتزام تعاقدي، الحق في عدم الخضوع لتشريعات رجعية (القوانين المطبقة بأثر رجعي)، حق الإنسان في الاعتراف له بالشخصية القانونية، الحق في حرية الفكر والوجدان والدين، الحق في عدم التعرض لعقوبة الإعدام…

طالع أيضا  جائحة كورونا والقيم.. مجرد سؤال

كما أن التشريعات الدولية أقرت ضمانات لحماية حقوق الإنسان في حالات الطوارئ واعتبرت أن الحقوق المعطلة والمقيدة بموجب الحالات الاستثنائية فهي قيود “ترتبط ارتباطا وثيقا وتؤلف متوالية قانونية وليست مجرد فئتين متميزتين من القيود” 5 وينبغي ويجب ألا تلغيَ هذه القيود جوهر الحقوق المتأصلة في الشخص الإنساني.

وفي هذا الاتجاه ذهب الاجتهاد الفرنسي، معتبرا أن مبدأ عدم جواز إهدار حقوق معينة “ضمانا سليما ودائما”، وأقر بأن هناك فرقا أساسيا بين تقييد حقوق معينة وتعليق تطبيق العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية 6 وفي هذا الاتجاه ذهبت الجمعية الاستشارية لمجلس أوروبا إلى حصر الأحكام التي تتعلق بالتعطيل، وقامت بعد ذلك لجنة الخبراء التي أسندت إليها مهمة إعداد صيغة الاتفاقية بتقديم 30 فرضا بمثابة قيود عامة 7 وفي رأيها الاستشاري حول الضمانات القضائية في حالات الطوارئ، أعلنت محكمة البلدان الأمريكية في معرض تعليقها على تدابير التعطيل، أنه يجب أن تتوفر وسيلة ملائمة لمراقبة التدابير المتخذة في أي حالة طوارئ حتى تتناسب مع الاحتياجات وحتى لا تتعدى الحدود الصارمة التي تفرضها الاتفاقية أو التي تنبثق عنه 8 ولهذا ينبغي أن نفهم أن أحكام التعطيل، من زاوية حقوق الإنسان تأتي لتحقق توازنا دقيقا بين احتياجات الدولة من ناحية وبين حقوق الأفراد، من ناحية أخرى، في الحماية الفعالة لمعظم حقوقهم وحرياتهم في حالات الطوارئ العامة، وفي التمتع بضمانات تكفل عدم فرض قيود غير واجبة على ممارسة حقوقهم الأخرى، لذلك ينبغي الانتباه إلى أن قيود وإجراءات الحجر الصحي الذي تتخذها السلطات اليوم، تستوجب إجراءات وتدابير مواكبة من قبيل تفعيل صندوق التضامن لمواجهة وباء كورونا، الذي ضخت فيه أموال كثيرة، وصرف الإعانات للأسر ذات الدخل المحدود، حماية لحقوقها، واحترازا من أي انفلاتات يسببها نقصان في التغذية والحاجيات الأساسية، فضلا عن تيسير الإجراءات الإدارية لتسهيل وضبط تنقلات الأفراد.

 على سيبل الختم

ننتهز هذه الفرصة ونحن بصدد الحديث عن قضية حقوقية، لنؤكد على أن المغرب يجتاز امتحانا وتمرينا في مجال حقوق الإنسان دولة ومجتمعا مدنيا؛ دولة من خلال تدبير مسؤول للمرحلة يراعي التوازن بين مقتضيات واجب حفظ الصحة العامة للشعب والأمن العام للبلاد، وبين الانضباط لمقتضيات حقوق الإنسان، إذ لا يقبل أن يهان أو يُتعسف على المواطنين باسم حالة الطوارئ، وكأن لا سبيل لتطبيق متطلبات المرحلة إلا بلغة السب والضرب والعسف؛ ومجتمعا مدنيا من خلال دوام اليقظة  بتكثيف حملات التوعية والتحسيس، وبمراقبة أفعال السلطة حتى لا تزيغ عن الشرعية ومبادئ القانون بدءاً بشجب طريقة سن قانون الحجر الصحي وكيف سبق قرار الحجر سن قانون الطوارئ، مرورا بالقفز على حقوق الفئات الهشة اجتماعيا واقتصاديا، إذ كيف يطلب من مُعْدم أن يلزم بيته ويغلق عليه بابه دون توفير حاجياته المعيشية ولو في حدها الأدنى، وانتهاء بتهرب الدولة من واجباتها الاجتماعية في مثل هذه الحالات وتحميل الشعب من خلال إحداث صندوق للتضامن قبل أن تفكر الدولة في صرف درهم من صناديق تئن بــ 90 مليار درهم، لا ندري لما تدخر إذا لم تصرف على الفئات المعوزة أو التي فرضت عليها العطالة لمدة غير معلومة.

طالع أيضا  كورونا تهزأ بتعليم المغاربة!!

[1] OAS doc. OEA/Ser.K/XVI/1.2, Conferencia Especializada Interamericana sobre Derechos Humanos, San José, Costa Rica, 7-22 de noviembre de 1969, Actas y Documentos, OAS, Washington D.C., p. 22
[2] نفسه المرجع، ص 264، ترجمة للعربية.
[3] مرسوم بقانون رقم 2.20.292 صدر بالجريدة الرسمية عدد6867 مكرر.
[4]   I-A Court HR, Advisory Opinion OC-8/87 of January 30, 1987, Habeas Corpus in Emergency Situations (arts. 27(2), 25(1) and 7(6) American Convention on Human Rights), Series A, No. 8, pp. 40-41, para. 25
[5] Anna-Lena Svensson-McCarthy, International Law of Human Rights and States of Exception – With Special Reference to انظر the Travaux Préparatoires and Case-Law of the International Monitoring Organs (The Hague/Boston/London, Martinus Nijhoff Publishers, 1998) (International Studies in Human Rights, vol. 54), pp. 49 and 721 (hereinafter referred to as Svensson-McCarthy, The International.
[6] Council of Europe, Collected Edition of the “Travaux Préparatoires” of the European Convention on Human Rights, vol. III, Committee of Experts, 2 February – 10 March 1950, pp. 190, 280 and 282.
[7] Council of Europe, Consultative Assembly, First Ordinary Session, 10 August – 8 September 1949, TEXTS ADOPTED, Strasbourg, 1949, Recommendation 38 (Doc. 108), p. 50 (art. 6).
[8] I-A Court HR, Advisory Opinion OC-9/87 of October 6, 1987, Judicial Guarantees in States of Emergency (arts. 27(2), 25 and 8 of the American Convention Human Rights), Series A, No. 9, p. 31, para.