تقول العرب: “رُبّ ضارة نافعة”؛ فكيف يجتمع النفع في الضر في آن واحد، أو يكون ما نكره هو ذاته ما ينفعنا؟

توالت على العالم الآن وعلى مر تاريخ البشرية أزمات طاحنة في الشرق والغرب، وهي من المنظور البشري ضربات موجعة نتلقاها إما راضيين أو منزعجين. هي قدرُ شرٍّ في طياته خيرٌ لكننا لا نعلمه ولا ندركه حتى حين. أو لا نعلمه ويبقى الأمر سرا مكنونا في الألواح الإلهية المحفوظة 

تضرب الأزماتُ الناسَ عن بعد أو عن قرب فتقتل وتشرد، تفرق أو تجمع، تفقر أناسا وتغني آخرين. ذلك شر القدر عند المؤمنين والمؤمنات، لكن عند غيرهم فهي “غضب” طبيعي ميتافيزيقي، تمارسه الطبيعة كحق لها في الغضب على أبناء هذا العالم الصغير لأسباب يجهلونها، فيدخل تأويل الأزمات وحدوثها في عالم الغيبيات والإيمان بها، وللآخرين منطقهم في تفسيرها وفهمها إذ لا تأويل فوق “حقيقة” الأحداث، والعقل قاصر عاجز عن الإدراك كما يقول بعض المتكلمين، فما يبقى من الأمر إلا التسليم بالتأويل الغيبي، أو الاعتقاد بالنتائج.

عند غيرنا تأويل مآلات الأزمات وشر الأحداث، هو محاولة لفهم العالم من حولنا، وربما عجز المؤولون فأحالوه “غضبا للطبيعة”، أو يجيبك المتسلح بالعلم الطبيعي تلك “ظاهرة طبيعية!”. 

نعود للتحليل الاستراتيجي؛ فالأزمات تقع تلو الأخرى فيتضرر منها جزء من العالم وينتفع آخرون. فيفسر هذا الانتفاع أحيانا بأنه “خطة استراتيجية” كانت معدة سلفا، محسوبة العواقب من طرف “مختصين” في صناعة الأزمات والاستفادة من تداعياتها. فهل حقا كل الأزمات كانت مصنوعة ومعدة عن سبق إصرار وترصد كما يقول أهل القانون..؟ وهل هناك حدود بين البشرية وقدرتها على تغيير الأوضاع لصالح فئة “خاصة” من الناس؟ 

حدث ويحدث أن يستغل المتحكمون الأزمات في إشغال “العامة” في حدث أو أزمة، ليكونوا منقدين لهم من إفلاس أو ثورة أو موجة جفاف، أو فقر أو غيره من موجات الإشغال.

طالع أيضا  تذكرة في زمن كورونا.. الخطيب: التهويل من الوباء يعقد الحالة الصحية للمصابين به

إذا سلمنا بهذا الأمر. هل نكون أسلمنا القياد لأصحاب “نظرية المؤامرة”، فنفسر أزماتنا بالمؤامرة وأن لا حدث سالم من المحدِث وأنه “لا نار بدون دخان” كما تقول “العامة” نفسها؟ 

الأزمات تحولات تاريخية وسياسية اقتصادية تنبت وتُصنع لأسباب واضحة منطقية، أو لأخرى غيبية محضة لا يعلمها إلا الله وحده هو من يعلم مبدأها ومنتهاها. لكن الأمر عند آخرين يمتد إلى تفسير ذلك بالصدفة، فأفرد لها بعضهم كتبا ومؤلفات حصروا وجمعوا فيها أحداثا مفصلية وقعت بمحض الصدفة، إذ للصدفة عندهم دور تاريخي في قلب الموازين وتحريك عجلة التاريخ (حصان طروادة..)

تضرب الأزماتُ عمقَ المصالح البشرية، فتنجح طائفة من الناس في الاستفادة منها وركوب الموجة الهوجاء. فاللصوص مثلا تهمهم الثورات والانتفاضات كي ينهبوا ويسرقوا ويغتنوا، وبائعوا الخبز تهمهم المجاعات كي يعجنوا مزيدا منه، وصانعوا الأسلحة تعجبهم الحرب بين الإخوة الأعداء، أو بين نُظُم الدول وفصائل معارضتها فيكون السلاح مصدر رزقهم، وصنبور اغتنائهم وهلم جرا.

فكم أغنتِ الأزماتُ أمما وأفقرت أخرى، وهنا نستحضر تلك النماذج التاريخية التي سجلها التاريخ المعاصر، أحداثا مفصلية وأزمات كبرى شهيرة، كالإثنين الأسود، والأزمة الاقتصادية والمجاعات التي أصابت بلدانا كثيرة وآخرها انتشار الأوبئة الڤيروسية (فيروس كوفيد _19 كورونا نموذجا، وهو إلى حد كتابة هذه السطور مازال يحصد الآلاف من الضحايا شرقا وغربا).

يبقى السؤال المُلِحُّ الآن: هل الأزمة بهذا المفهوم خطة استراتيجية تنهجها جهات تعرف مدى وبُعدَ تأثيرها، فتبدأ بتنفيذ خططها من النقطة التي تنتهي منها الأزمات؟ 

دليلنا على هذ أنه بعد الحروب تبدأ خطط الإعمار، فترصد لها الميزانيات وتجند الشركات ويغتني أصحابها، فتشتهر الشركات ذاتها بكرمها الحاتمي، الذي بنته على جثث القتلى وبعد ذلك تحول أسهمها من السلاح إلى الإرشاد الاجتماعي، أو الاهتمام بنشر الوعي الصحي أو محاربة السرطانات المستعصية، وغيره من العناوين الفضفاضة التي “تلون” أنشطتها البديلة بألوان الحياة وهي التي كانت قاتلة بالأمس القريب.

طالع أيضا  متوكل: آن الأوان لنظام جديد أكثر عدلا وأكثر إنسانية

فهل يرى الجميع الأزمات بنفس العين؟

أكيد أن الجواب سيكون ب (لا) مدوية صارخة، إذ خبر انخفاض ثمن البترول مثلا إلى مستويات تهبط معها بورصة النفط في العالم إلى أدنى درجاتها، قد لا يعني الراعي البسيط الذي يهمه فقط  إزهار الربيع وهطول أمطار الخير على أرضه ومساحات رعيه! وهبوط أسهم “وول ستريت” قد لا يعني ذلك الأجير الذي يعمل مُيَاومةً، فالعمل عنده والبطالة سيان، يلعبان معه أدوار الاختباء والظهور على ركح معاناته اليومية السوداء! وهكذا نرى أن الأزمة كالمرآة التي يعكس زجاجها الصورة شوهاء عند بعضهم، ولدى البعض الآخر يرون فيها البريق اللاّمع داخل الخدوش العميقة المتداخلة!

والاحتباس الحراري الذي يهدد مستقبل العالم قد لا يهم ذلك اللص الذي يسرق خشب غابة الأمازون مثلا، وقد يفتعل اللصوص المحترفون الحرائق كي تخلو المساحات الأرضية، من أجل إقامة التجمعات السياحية والسكنية، التي يسيل لها لعاب ناهبي العقار ومافيا المضاربات المالية السوداء.

إذن؛ النفعُ داخلَ طياته الضرّ يختبئ، والضرُّ يغلف النفعَ أحيانا بلحاف الشقاء.

يقول الكاتب والفيلسوف اليوناني المتميز “نيكوس كازانتزاكس”: “الحياة غالبا ما تُحَدَّد مقاسات السعادة فيها بأيدينا، وطائر السعادة لا يحلق بعيدا عن بيوتنا، بل يمرح ويزقزق في باحة بيتنا باستمرار”. إن الأزمات ضربات موجعة أو تربيت بطمأنة على كتف الإنسان السعيد المنتشي بها!

وجواب ذلك الفقير الكادح عن سؤال الحال (كيف حالك؟)، أشبه بمن يزين عروسا بلهاء، ويلبسها لباس الأرامل الحيرى، وقد فقدن معيلهن ورفيق حياتهن، فهي تسعد بالجمال في انتظار السعادة لكن الناس يرونها غارقة في البله!

نعود لاستراتيجيات الأزمات، فهي منذ أول المقالة هاته، ألبسناها حكم العمل والهدف والغاية الاستراتيجيين. فهل هي كذلك فعلا؟

إن الأزمات تأكيدا، هدايا داخل صندوق مزخرف محكم الإغلاق، لا يُعرَف مرسلها لكنه يعرِف جيدا إلى من يجب أن تصل!

طالع أيضا  حالة الطوارئ.. إضاءات قانونية

وأخيرا؛

فالكون ليس مثل سكّير يقول ما يشاء تأثيرا بسكرته ونشوته الغامرة، ولا هو سرك ألعاب يلعب بهلوناته لعبة الضحك والمرح تحت قناع بشري حزين، ولا هو لعبة بيد صبي يلعب بها كيفما اتفق. إن للكون ربا يحميه ويحفظه من كل شر، ومن كل متلاعب بمصير أبنائه. إن الأزمة أخيرا، خَلْق إلهي للإنسان.