بقلم: عبد العزيز بقال محام وفاعل حقوقي

على هامش انتشار وباء كورونا، في هذه المقالة سوف لن أتطرق للتعريف بكورونا أو أسبابها ومن المسؤول عن انتشارها وملابسات ذلك ولكن سأخوض في بعض تداعياتها خصوصا في الشق القانوني الذي يلامس الشق السياسي والحقوقي.

فقد أعلنت وزارة الداخلية المغربية وقبلها وزارةالصحة حالة الطوارئ الصحية يوم الخميس والجمعة 19 و20 مارس 2020، في شكل بلاغ أعلنت بموجبه مجموعة من الإجراءات الاستثنائية الاحترازية والتحفظية لتقليل تنقل الأفراد ومنع التجمعات العامة وإغلاق بعض المرافق وإغلاق المساجد…

ويلاحظ أنه في الدستور المغربي لم يرد أي نص صريح لحالة الطوارئ وإجراءات تنظيمها إلا ما يستشف من بعض الفصول فيه، منها الفصل 21 الذي يقول: “… تضمن السلطات العمومية سلامة السكان، وسلامة التراب الوطني، في إطار احترام الحريات والحقوق الأساسية المكفولة للجميع”، وكذا الفصلان 39 و40 منه، وقد نص هذا الأخير على ما يلي: “على الجميع أن يتحمل، بصفة تضامنية، وبشكل يتناسب مع الوسائل التي يتوفرون عليها، التكاليف التي تتطلبها تنمية البلاد، وكذا تلك الناجمة عن الآفات والكوارث الطبيعية التي تصيب البلاد”، وهي بالتالي غير محددة بدقة دستوريا وتتميز عن حالة الحصار المنصوص عليها في الفصل 74 وعن حالة الاستثناء المنصوص عليها في الفصل 59، وسأحاول باقتضاب شديد أن أعرج بتعريف على حالتي الاستثناء والحصار مع تحليل لحالة الطوارئ الراهنة من الزاوية القانونية والسياسية.

وحيث إن السلطات المغربية تداركت هذا القصور التشريعي بعد مرور عدة أيام من صدور إجراءات الحجر الصحي بعد المصادقة على مرسوم بقانون رقم 2.20,292 تحت عنوان: “سن أحكام خاصة بحالات الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها” ثم  مرسوم رقم  2,20,293 كآلية لتطبيقه، وهو الذي أعلن عن تاريخ انتهائه ولكن لم يعلن عن تاريخ بدايته مما خلف نوعا من الارتباك لدى الجميع خصوصا في شق الآجال القانونية وغيرها، غير أن بلاغ رئاسة النيابة العامة أكّد أن التدابير الزجرية الواردة في النص ستطبق ابتداء من 24 مارس تاريخ نشره بالجريدة الرسمية وهو ما عالج جزءا من المشكل.

أ) حالة الاستثناء: نص عليها الدستور المغربي الحالي في الفصل 59 في الباب الثالث المخصص للمؤسسة الملكية، وقد نصت عليها دساتير 1962 و1970 و1972 و1996 في الفصل 35 والفصل 34 في دستور 1992، وقد جاءت في الدستور الجديد كالتالي: “إذا كانت حوزة التراب الوطني مهددة، أو وقع من الأحداث ما يعرقل السير العادي للمؤسسات الدستورية، أمكن للملك أن يعلن حالة الاستثناء بظهير بعد استشارة كل من رئيس الحكومة، ورئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس المستشارين، ورئيس المحكمة الدستورية، وتوجيه خطاب للأمة. ويخول ذلك للملك صلاحية اتخاذ الإجراءات التي يفرضها الدفاع عن الوحدة الترابية، ويقتضيها الرجوع، في أقرب الآجال، إلى السير العادي للمؤسسات الدستورية. لا يحل البرلمان أثناء ممارسة السلطات الاستثنائية. تبقى الحريات والحقوق الأساسية المنصوص عليها في هذا الدستور مضمونة. ترفع حالة الاستثناء بمجرد انتفاء الأسباب التي دعت إليها، وباتخاذ الإجراءات المقررة لإعلانها”.

طالع أيضا  إرباك الأسر بين "التعليم عن بعد" و"التعليم الحضوري".. الوزارة وقرارات "آخر الليل" (تقرير)

وقد أعلنت حالة الاستثناء في المغرب سنة 1965 وحكم الملك البلاد دون مشاركة الأحزاب السياسية ودون برلمان وفي غياب للحكومة وبمساعدة مستشاري الملك المدنيين والعسكريين فقط وبدعم لبعض النخب، واستمر الحال إلى غاية 31 يوليوز 1970 مع إصدار الدستور الجديد فانتهت حالة الاستثناء الرسمية، ولكن نظام وروح الاستثناء امتدت بأشكال مختلفة إلى تاريخ أبعد من ذلك وخاصة إلى غاية رجوع الحياة النيابية سنة 1977. وإذا كانت هذه الفترة نجح فيها النظام في تحييد الأحزاب السياسية وجعلها فيما بعد مجرد واجهة برلمانية لحكم مطلق في جوهره حيث عزلت عن الجماهير، وحرمت من قواعدها نتيجة التدابير الاستثنائية التي طال أمد استعمالها، فقد أدت إلى توسيع دور الجيش المغربي الشيء الذي أدى إلى حدوث محاولتين للانقلاب على النظام الملكي أوائل السبعينيات من القرن الماضي.

ب) حالة الحصار: نص عليها الدستور الحالي في الفصل 74 في الباب الرابع المخصص للسلطة التشريعية وجاء فيه: “يمكن الإعلان لمدة ثلاثين يوماً عن حالة الحصار، بمقتضى ظهير يوقعه بالعطف رئيس الحكومة، ولا يمكن تمديد هذا الأجل إلا بالقانون”. ويلاحظ أن الدستور الجزائري ميز بين حالتي الطوارئ والحصار، وكذلك ميز الدستور الاسباني بين حالات الاستثناء والحصار والاستنفار، وفي المقابل فالمغرب في الفصل المذكور لم يُفصّل في الأمر ولم يتطرق للظروف والأسباب الداعية له والجهات التي يستشار فيها على ذلك، واكتفي الفصل بذكر المدة وهي ثلاثين يوما وإعلانها بواسطة ظهير ملكي قابلة للتمديد بقانون يصدره البرلمان. كما يلاحظ أن النظام المغربي لم يسبق له تطبيقه، وكان على وشك تطبيقه في أحداث الخليج سنة 1991 في خطاب ملكي بتاريخ 15يناير 1991.

ج) حالة الطوارئ: تعتبر حالة الطوارئ حالة غير عادية تخول للحكومة القيام بأعمال وفرض أعمال وسياسات لا يسمح بها عادة، وتعلنها أثناء الكوارث الطبيعية أو حالات العصيان المدني أو النزاعات المسلحة، فتنبه المواطنين إلى تغيير سلوكهم الطبيعي وفق توجيهات الجهات المعنية وفق خطط الطوارئ المقترحة، وحيث إن الدستور سكت عن الموضوع وفق التوضيح أعلاه فيمكن توضيحه بالرجوع للعهد الدولي للحقوق والحريات لسنة 1966 كأهم مرجع قانوني وحقوقي في الموضوع والذي صادق عليه المغرب مبكرا، والذي أكد على ضرورة وجود خطر عام واستثنائي يتهدد وجود الأمة، وأورد مجموعة من الحقوق خصوصا في المادة الرابعة منه والتي لا يجوز تقييدها أو المساس بها أثناء سريانه وهي: الحق في الحياة- الحق في عدم التعسف- مناهضة أشكال التعذيب- تجنب سوء المعاملة.

طالع أيضا  هل كورونا حصار أم رباط؟.. أسئلة مزعجة محرجة تنتظر أجوبة مثلجة مبهجة (2) (فيديو)

ويجب أن تصدر حالة الطوارئ وفق شروط مهمة :

أولا: أن تصدر بشكل علني.

ثانيا: أن تكون ذات طابع عام ومجرد أي أن لا تكون ذات نزعة تمييزية على أساس اللون أو العرق أو الدين أو اللغة.

ثالثا: أن لا يمس فيها الدستور كإطار مرجعي لتوزيع السلط والحقوق والحريات بالتعديل إطلاقا.

رابعا: أن تكون وفق معيار التناسب أي وفق تقدير دقيق وموضوعي للأحداث التي فرضتها دون إفراط أو تفريط.

خامسا :أن تكون مرتبطة بأجل معلوم أو مؤقتة استلزمتها الضرورة فقط وترفع بارتفاع حالة الضرورة.

وقد صنف الاختصاصيون من رجال القانون حالات الطوارئ الطبيعية الى سبع حالات؛ حالة الطوارئ الكونية، حالة الطوارئ الجيوفيزيائية، حالة الطوارئ الجيولوجية، حالة الطوارئ الأرصاد الجوية، حالة الأرصاد الجوية الهيدرولوجية، حالة الطوارئ الهيرولوجية البحرية، حالة الطوارئ الهيدرولوجية.

ولمعرفة خطورةفرض حالات الطوارئ على الحياة السياسية وكذا على الحقوق والحرياتة نستعرض تجارب بعض الدول العملية التي توسعت في تطبيقها وتغيت بها أهدافا سياسية تخدم سياسات القبضة الحديدية:

فرنسا: أعلن الرئيس الفرنسي حالة الطوارئ في 13 نونبر 2015 استنادا لقانون مؤرخ سنة 1955 ومددها البرلمان لمدة ثلاثة أشهر على إثر هجمات باريس، ويلاحظ أن هذا القانون سن أصلا لمواجهة الثورة الجزائرية إبان حرب التحرير الجزائرية وهو مضبوط بعدة ضوابط دستورية وقانونية بخصوص المدة وكيفية تمديدها.

سوريا: أعلن عنها بعد استيلاء حزب البعث على مقاليد الحكم عام 1963، وقام بتمديدها لأربعة عقود تحت ذرائع مختلفة إلى حين اندلاع الثورة السورية في 2011.

الجزائر: أعلن عنها بعد انقلاب العسكر على الشرعية الانتخابية عقب فوز جبهة الإنقاذ الجزائرية بالجولة الأولى من الانتخابات التشريعية ولم ترفع إلا مؤخرا.

مصر: عاش المصريون تحت قانون الطوارئ رقم 162 لسنة 1958 منذ سنة 1967 إبان الحرب ضد “إسرائيل” إلى غاية عام 2012 مع تسجيل تعليقه لمدة 18شهرا بين سنتي 1980 و1981، وقد فرضه حسني مبارك منذ توليه عقب اغتيال السادات إلى غاية تنحيته وعزله فيما يقارب ثلاثة عقود.

طالع أيضا  ذ. الجوري: تجاهل فتح المساجد للجمعة يضع شعار "الأمن الروحي" للمغاربة بين أقواس

الأرجنتين: أسيء استخدام هذا الإجراء خدمة للاستبداد في هذا البلد فبين سنة 1854 تاريخ إعلان أول دستور بالبلاد إلى غاية سنة 1984 أعلنت حالة الطوارئ 52 مرة.

وفي ختام هذا المقال يستلزم التأكيد أن حالة الطوارئ تكون في المرتبة الثالثة من حيث خطورة الإجراءات الاحترازية والتحفظية بعد حالة الاستثناء وحالة الحصار، وحيث أنه إذا كانت حالة الاستثناء كما هو مبسوط أعلاه تراعي في تطبيقها احترام والحفاظ على الحقوق الأساسية المنصوص عليها في الباب الثاني من الدستوروكماهو منصوص في متن الفصل 59 المشار إليه أعلاه والذي يعالج حالة الاستثناء بقوله: “… تبقى هذه الحريات والحقوق الأساسية المنصوص عليها في هذا الدستور مضمونة”، فإنه من باب أولى احترام تلك الحقوق في حالة الطوارئ التي هي أقل خطورة منها مستضيئة بما ورد في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية وقواعد العدالة والانصاف وكذا ما ورد في الدستور المغربي في الفصل 22 منه: لا يجوز المس بالسلامة الجسدية أو المعنوية لأي شخص ،في أي ظرف ،ومن قبل أي جهة كانت، خاصة أو عامة.

لايجوز لأحد أن يعامل الغير، تحت أي ذريعة، معاملة قاسية أو لاإنسانية أو مهينة أو حاطة بالكرامة الإنسانية.

ممارسة التعذيب بكافة أشكاله، ومن قبل أي أحددجريمة يعاقب عليها القانون”.