بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:

أيها المسلمون أيها المؤمنون، بعدت بيننا الشقة وقضى أمر الله بسبب ذلكم الوباء، أن تخلوا جنباتي من أنفاسكم الطاهرة لأجل كتبه الله ولحكمة يعلمها الله، ويلتقطها كل أريب لبيب ويصرف عنها كل عنيد مريب.

·       عـتــاب

لطالما فتحت أبوابي لتنزل رحمة الله لكل منيب تائب، ولكل سائل طالب، ولكل راج لدرجات القرب راغب، سبع وعشرين كاملة فوق أجر الفذ أعرضها غنيمة لكل عبد فذ. فكم ذا سمعتم نداء الفلاح، أن هلموا إلى ربط وثاق الصلاح واغنموا القرب من العليم الفتاح، فكان منكم الحبيب الملبي المستجيب، وكان منكم المعرض عن النداء غير مجيب، وكان منكم المتلكئ تشغله أدنى الشواغل عن رب رقيب حسيب.

والآن وقد حيل بيني وبينكم هلا عرفتم فضل ربكم عليكم، وهلا عرفتم تقصيركم وتفريطكم؟

أما سمعتم قول ربكم إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ۖ فَعَسَىٰ أُولَٰئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ  1، ألم تكفكم شهادة ربكم لعمار المساجد بالإيمان، ألم يكفكم قول رسولكم صلى الله عليه وسلم: “إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان” 2. فأي تاج أشرف من تاج الإيمان، وأي وسام أسنى من وسام عمارة المساجد.

عمر المسجد أي سكنه، فاذا سكنته سكنك وإذا عمرته غمر قلبك إيمانا ومحبّة للبيت ولرب البيت، ألم تعلم أن للبيت ربّا يحميه ويحمي كل من عمره، وهل يحمى البيت ولا يحمى ساكنه، فما دمت في أحضاني فأنت في ذمة الله سبحانه، ما دمت في أحضاني وإن حبسك عذر البلاء والوباء، فقد دخلت في سلك حماة العباد من عذاب رب العباد، وفي سلك الزمرة المستثناة من استحقاق العذاب، فقد قال صلى الله في الحديث القدسي، فيما يرويه سيدنا أنس مرفوعاً يقول الله تعالى: “وعزتي وجلالي إني لأهم بأهل الأرض عذاباً، فإذا نظرت إلى عمار بيوتي، وإلى المتحابين فيّ، وإلى المستغفرين بالأسحار، صرفت ذلك عنهم3.

طالع أيضا  الجوري يكتب.. نقول تم تمديد الحجر الصحي ومعها نقول للأسف الشديد

من أين لك بالنور التام يوم العرصات الا مشيا إليٍ في ظلمة الطرقات؟

من أين لك برفع الدرجات ومحو السيئات إلا مسرعا إلي ملبيا بتلكم الخطوات؟

من أين لك بوارف الظلال يوم العرض على ذي الجلال إلا بقلب تعلق بي دون انشغال؟

·       رجــاء

فهلا أسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان المسجد أول ما أنشأه في دولة الاسلام في المدينة، فأقم المسجد في دولة قلبك، إذ لا يليق ببيت الله إلا أطهر بقعة منك وهي قلبك، ورجل قلبه معلق بالمساجد عسى أن يصبح على الدوام ساجدا.

ولمسجد أسس على التقوى في قلبك أحق أن يقوم فيه حب رسول الله واتباع رسول الله، وأحق أن يقوم فيه حب رجال يحبون أن يتطهروا. لم تكن مشاركة رسول الله في بناء المسجد وحمل حجارته بيديه الشريفتين إلا تعبيرا واضحا عن المكانة التي يجب أن أتبوأها في كيانك، فإذا تعلق قلبك بي لا جرم يحمل حجارته رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليشيد لك صرح الإيمان بناء متينا لا ينقض أبدا بل أساسا مكينا لطود الإحسان، وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار…

فمن مواضع السجود في جنباتي تخرج العابدون، ومن مدرستي نبغ العلماء العاملون، ومن جوانبي تخرج المجاهدون والقائمون على كل ظالم جبار مفتون. يقول الحق سبحانه: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن ترْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَّا تلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ..  4 فكن من أولئكم الرجال يرفع لك ذكرك في الأجيال، بل يكن حقا على الله أن يكرمك وأنت على تلك الحال، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من توضأ في بيته فأحسن الوضوء، ثم أتى المسجد فهو زائر الله تعالى، وحق على المزور أن يكرم زائره. 5.

وليكن المسجد بيتك ومستراحك تكن من المتقين، بل تكن من أهل الرضوان وجنات النعيم، فعن أبي الدرداء – رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: المسجد بيت كل تقي، وتكفل الله لمن كان المسجد بيته بالروح والرحمة، والجواز على الصراط إلى رضوان الله إلى الجنة 6، ولا تمنع روحك المشتاقة إلى ذكر الله من ذكر ربها في مساجد الله فتكون من الظالمين. ألم تسمع قول الله تعالى:

طالع أيضا  الجوري يقترح ثلاثة تدابير متوازية من شأنها الحد من تصاعد الإصابات بكورونا

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا 7.

بل كن ممن رآهم سيدنا عبد الله بن مسعود في السوق، حين نودي للصلاة المكتوبة فتركوا تجارتهم وقاموا إلى الصلاة، فقال رضي الله عنه: هؤلاء الذين قال الله: لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله 8.

وأشهد ملائكة الحق عليك بعمارة المسجد، ألم يأتك الخبر مما ورد في الأثر أن لله تعالى ملائكة تقف على أبواب المساجد ترصد الداخلين أولا بأول، وترفع سجلات الأعمال إلى الله تعالى، وتخبر عمن قرب الجمل والبقرة والبيضة، وتطوى الصحف فلا ناقة ولا جمل للكثير من العباد، ولا ينال من تخلف النقير ولا القطمير. 

·       اشتيــاق

وفي الختام أقول لكم اشتقت إليكم يا عماري، اشتقت إلى خطواتكم وأنتم إلي تهرعون، اشتقت إلى خرير مياه وضوئكم وأنتم استعدادا لدخولي تتطهرون، اشتقت إلى دعاء استفتاحكم وإنتم من بابي تدخلون، اشتقت إلى تحيتكم لي وأنتم لركعتيها تصلون، اشتقت إلى تسبيحكم و تهليلكم وأنتم للفريضة تنتظرون، اشتقت إلى استواء صفوفكم وانتم لتكبيرة الإحرام تنتظرون، اشتقت إلى تلاوتكم للقرآن وأنتم لآياته جهرا ترتلون، اشتقت إلى نصاعة جباهكم وانتم لله خضوعا تسجدون، اشتقت إلى دفء دموعكم وأنتم خشعا لها تذرفون، اشتقت إلى صدق دعواتكم  وأنتم إلى الباري تتضرعون، اشتقت إلى محبة بعضكم لبعض وأنتم بعد الصلاة تتصافحون، اشتقت إلى طيفكم وأنا لذكراه لن أخون.

أعادكم الله إلي أحبابي سالمين من كل داء ووباء وبلاء، غانمين من كل طاعة وأعمال صالحات، والسلام عليكم  ورحمة الله تعالى و بركاته.


[1] سورة التوبة 18
[2] رواه الترمذي وابن ماجه.
[3] أخرجه البيهقي في الشعب.
[4] النور37
[5] رواه الطبراني.
[6] رواه الطبراني
[7] البقرة114
[8] أخرجه الطبراني، والبيهقي في الشعب.