كتب الدكتور في القانون الدستوري والعلوم السياسية خالد العسري تدوينتين/ مقالين يناقش فيهما الوضع القانوني المؤطر لحالة الطوارئ الصحية والارتباك القانوني والدستوري الذي صاحب تدبير الحكومة. فيما يلي نصهما:

التأطير القانوني الملتبس لحالة الطوارئ الصحية

ملاحظة قبل البدء:

–  هذه مقالة قانونية متخصصة، وهي تستهدف كل مهتم بالقانون الذي يسائل كيفية تدبير هذه المرحلة التي لا ينبغي أن تخرج عن التأطير الدستوري على علاته.
–  كما ستحوز اهتمام كل من ينشغل بقضايا الحقوق والحريات الأساسية لكل مواطن ومواطنة، حيث ينبغي أن يستوعب كل فرد أنه يتنازل عن حرياته بشكل طوعي وليس بفعل قسري من السلطة.
–  كما يجد فيها ذاته كل من له تخوفات مشروعة من استثمار أي سلطة للأوضاع الاستثنائية لترسيخ سلطويتها في الأحوال العادية.
–  إن لم تكن أو تكوني من هذه الأصناف الثلاثة فالتدوينة غير موجهة لك، مع الاحترام الكلي لاختياراتكَ.
—————-

–  من المؤكد أن العالم يعيش جائحة خطيرة تجتاح دولا متقدمة وتخلف وراءها مئات الضحايا، وقد اتخذت جل دول العالم خيار الحجر الصحي لكل تراب الدولة أو أجزاء منه، مستندة في ذلك إلى مرجعياتها القانونية التي تسعى إلى حماية الساكنة من هذه الجائحة الخطيرة، مع ضمان أن هذه “الوضعية الاستبدادية” الاستثنائية موضوعة تحت الرقابة من المؤسسات الدستورية، حتى لا تترسخ سلطوية تعتدي على الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين والمواطنات (حرية التنقل، والتجمهر، والسفر، والتجول…).

–  وعندما نثير المسألة في المغرب، فإننا نعي ضرورة اتخاذ كل الإجراءات الضرورية لحماية الصحة العامة، وحفظ سلامة المواطنين، ولكن الإجراءات التي تتخذ يجب أن تكون بقدر الحاجة إليها، وأن تصدر عن جهة ذات اختصاص، وإلا استغلت الظرفية لتتغول سلطة وزارة الداخلية وتترسخ السلطوية بأكثر مما هي عليه؛ رغم أن اللحظة لحظة إجماع وطني على ضرورة مواجهة هذه الجائحة بإجراءات استثنائية تسعف بنية صحية جد متهالكة للأسف.

♣  صادق مجلس الحكومة على مشروع مرسوم بقانون رقم 2.20.292، مؤكدا في بلاغه أن المشروع يشكل “السند القانوني للسلطات العمومية من أجل… الإعلان عن حالة الطوارئ الصحية”، ومن الملاحظ أنه صدر بتاريخ 22 مارس 2020، ولن يتم اعتماده حتى يصدر في الجريدة الرسمية. إن ذلك ما يثير الاستغراب باعتبار أن بلاغ وزارة الداخلية المعلن عن “حالة الطوارئ الصحية” صدر يوم 20 مارس 2020 (وقبله البلاغ المشترك بين وزارة الداخلية ووزارة الصحة يوم 18 مارس الذي أعلن عن “العزلة الصحية” من خلال التقييد والحد من حرية التنقل للمواطنين والمواطنات) بدون مرجعية قانونية، وهو ما يجعل كل القرارات التي صدرت من قبل وزارة الداخلية والمتعلقة بتقييد حريات المواطنين في حالة الطوارئ الصحية المعلنة مخلة بمبدأ الشرعية، وغير ذات قيمة قانونا، لأنها صدرت من جهة ليس لها اختصاص إصدار مثل تلك القرارات.

طالع أيضا  د. إحرشان: حصيلة عقدين من حكم محمد السادس لم تكن في المستوى.. وهذه مؤشرات ذلك

♣  من المؤكد أن مدعاة بلاغ الحكومة، وسعيه إلى سن مشروع مرسوم بقانون كان بسبب غياب السند الدستوري والقانوني الذي يخول لوزارة الداخلية اختصاص الإعلان عن “حالة الطوارئ الصحية” في مجموع التراب الوطني، وقد اجتهد البعض في إيجاد مخرج لهذه الوضعية اعتمادا على:

1.    (الفصل 21) من الدستور، الذي نص على أنه: ” تضمن السلطات العمومية سلامة السكان، وسلامة التراب الوطني، في إطار احترام الحريات والحقوق الأساسية المكفولة للجميع”، لكنه مخرج لا يستقيم لاعتبارين على الأقل:

‌أ. أن الفصل يتحدث على ضرورة احترام الحريات والحقوق الأساسية، ولكن كثيرا من الحريات الأساسية تصبح مقيدة أو ملغاة في كامل التراب الوطني بمجرد بلاغ صادر عن وزير الداخلية.

‌ب. أن ضمان سلامة السكان، وسلامة التراب الوطني من اختصاص الملك في الأحوال الاستثنائية (الفصل 59)، أما إذا اعتبرت الأحوال عادية، فإن من له اختصاص إصدار المقررات التنظيمية فهو رئيس الحكومة حصرا، ويمكنه أن يفوض بعض سلطه إلى الوزراء، شريطة أن تصدر عن رئيس الحكومة وتوقع بالعطف من لدن الوزراء المكلفين بتنفيذها (الفصل 90)، ولذلك كان يفترض إصدار قرار تنظيمي من رئيس الحكومة موقع بالعطف من وزير الداخلية، مع الإحالة على السند القانوني له، وهو ما لا نجده في الحالة التي نحن بصدد الحديث عنها.

2.    الاستناد على مرسوم ملكي رقم 554.65 (الجريدة الرسمية عدد 2853، 5 يوليوز 1967)، الذي تحدث عن حالات الحجر الصحي، ولكن قراءة المرسوم تثبت أنه حصر تطبيقه على حالات كل شخص مصاب بأحد الأمراض المعدية الوبائية، أو كل شخص قابل لنشر هذا المرض. ولم يرد في حسبانه البتة الحديث عن حجر صحي لكل المواطنين والمواطنات على مجموع تراب المملكة.

♣  أمام ضعف المرجعية الدستورية والقانونية للبلاغ الصادر عن وزارة الداخلية بالإعلان عن “حالة الطوارئ الصحية”، تم تدارك الموقف من خلال مشروع مرسوم قانون رقم 2.20.292 يتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها، والذي صدر من خلال سبعة أبواب. فماذا نعني بمرسوم قانون؟ وما مدى شرعية مشروع مرسوم رقم 2.20.293 المتعلق بإعلان حالة الطوارئ الصحية؟

♣  بالنسبة لمرسوم القانون فيتم اللجوء إليه خلال الفترة الفاصلة بين الدورة الخريفية والربيعة لانعقاد البرلمان، وهي فترة عطلة للبرلمان، حينها يمكن للحكومة أن تصدر، وباتفاق مع اللجان التي يعنيها الأمر في كلا المجلسين يوم الاثنين، مرسوم قانون، يجب عرضها بقصد المصادقة عليها من طرف البرلمان، خلال دورته العادية الموالية (الفصل 81). فما مدى دستورية مشروع مرسوم القانون؟ وهل حقيقة ملأ فراغا دستوريا؟ وما طبيعة المضامين التي حملها؟

♣  وأما ما يتعلق بما جاء في بلاغ الحكومة ليومه الأحد 22 مارس 2020 من تبنيها لمشروع مرسوم رقم 2.20.293 الذي يتم الإعلان فيه عن حالة الطوارئ الصحية بسائر التراب الوطني طيلة شهر ابتداء من 20 مارس 2020 إلى 20 أبريل 2020، وهو ينص على الإجراءات التي تحد من حريات أساسية للمواطنين والمواطنات (حرية التنقل، حرية التجمع، حرية ممارسة النشط الجمعوي وغيره، الحق في ممارسة النشاط التجاري)، بغاية محاصرة تنقل الفيروس، لكن ما تنبغي الإشارة إليه أنه:

طالع أيضا  تأملات في كوفيد 19... والسلطوية

‌أ. إذا سلمنا بلا قانونية الإجراءات التي صدرت عن وزارة الداخلية لممارستها سلطات تتجاوز اختصاصاتها من خلال الإعلان عن حالة الطوارئ الصحية عبر بلاغ صادر عنها؛

‌ب. وإذا افترضنا قانونية المسار الذي تداركته الحكومة من خلال السعي إلى إصدار مرسوم قانون ينسخ بلاغ وزارة الداخلية؛

‌ج. فإن من أولى مبادئ القانون عدم رجعيته، بمعنى أن القانون تسري أحكامه من يوم نفاذه، والمعضلة هنا أن المرسوم الذي يعلن عن حالة الطوارئ الصحية سيجد سنده القانوني في المرسوم بقانون رقم 2.20.292 الذي لن يصدر في الجريدة الرسمية غالبا إلا يوم الأربعاء 24 مارس 2020، رغم أنه يعلن عن دخوله حيز النفاذ بأثر رجعي يوم 20 مارس 2020، وهو ما يبرز الارتباك الكبير غير المبرر في تدبير المسار القانوني للإعلان عن حالة الطوارئ الصحية.

هل تتحلى الحكومة بالشجاعة وتعترف أن إجراءاتها كانت خارج القانون؟

–  فخور أني كنت من بين الأصوات القليلة التي رفعت الصوت مبكرا باعتبار أن الإعلان عن حالة الطوارئ الصحية من طرف وزارة الداخلية يعتبر عبثا بالنص الدستوري، وبأنه إعلان خارج القانون، وبأنه لا يمكن تبريره بأي حال من الأحوال، وأنه من العبث البحث داخل الدستور عن مبررات لقرارات السلطة، لأنها بكل بساطة تشتغل خارج الدستور.

 – ما ينبغي التنويه إليه أن رفع الصوت بالإنكار على السلطة التنفيذية اشتغالها من خارج أي إطار قانوني يبرر قرارتها كان من باب المسؤولية الأكاديمية، ولا علاقة له بالانتماء السياسي أو التصور الإيديولوجي.

–  بعد تهافت كل المسوغات التي قُدمت من أجل تبرير قانونية بلاغ وزارة الداخلية المعلن عن حالة الطوارئ الصحية، لجأت أخيرا الحكومة إلى تبني مشروع مرسوم بقانون رقم 2.20.292، تم نشره اليوم بالجريدة الرسمية (ج ر) تحت عنوان “سن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها”، ثم صدر في نفس العدد من (ج ر) مرسوم رقم 2.20.293 كآلية تطبيقة للمرسوم بقانون. فهل انتهى هذا الارتباك القانوني المستغرب من تواطؤ العديد من المؤسسات على ارتكابه مع صمت النخب القانونية عن جهل أو خوف أو لامبالاة أو ما لست أدري؟

–  كان سيزول الارتباك إذا ما تحلت السلطة الحكومية بالشجاعة اللازمة، وقدمت اعتذارها بكون مختلف الإجراءات التي اتخذتها لتقييد الحريات الأساسية للمواطنين والمواطنات منذ البلاغ المشترك بين وزارة الداخلية ووزارة الصحة يوم 18 مارس تعد إجراءات خارج القانون.

طالع أيضا  خيار شمشون.. فلسفة صراع بين نظام سيف وآل قلم

–  إن عدم الاعتراف الصريح للحكومة بأخطائها القانونية الفادحة هو ما يفسر الارتباك الذي عبر عنه مرسومها مقارنة مع البلاغ الصادر عن النيابة العامة حول حالة الطوارئ الصحية، وبيانه:

أ- أن مرسوم رقم 2.20.293 الصادر اليوم في (ج ر) “يعلن عن حالة الطوارئ الصحية بسائر أرجاء التراب الوطني إلى غاية يوم 20 أبريل 2020″، وما يثير الاستغراب هو أن المرسوم صمت عن تاريخ الإعلان عن حالة الطوارئ، والسبب في ذلك أنه لا يمكن الإحالة على بلاغ وزارة الداخلية الذي ينبغي أن يأتي بعد المرسوم لا قبله، وهو الخطأ القانوني الذي كان واضحا في مشروع المرسوم الذي صدر في بلاغ مجلس الحكومة يوم الأحد 22 مارس 2020، وقد نبهنا في حينه أن ذلك المشروع سيخل بمبدأ أساسي من مبادئ القانون المتمثل في عدم رجعيته، بمعنى أن النص التشريعي تسري أحكامه من يوم نفاذه، وهو ما دعا الحكومة في الأخير لتصدر مرسومها دون الإعلان عن تاريخ بدء سريانه، لأنه سيسقطها في الحرج دون أن يرفع عنها الحرج، وكان يمكن أن تنص في مرسومها أن سريان أحكامها تبدأ من تاريخ نشره، وتعتذر بشجاعة عن الأخطاء الجسيمة التي أوقعها فيها بلاغ وزارة الداخلية الذي أعلن عن حالة الطوارئ الصحية.

ب- إن وعي رئاسة النيابة العامة بهذا الارتباك الكبير في التدبير القانوني للسلطة الحكومية لحالة الطوارئ الصحية، هو ما جعلها في بلاغها الصادر اليوم تؤكد أن التدابير الزجرية “يتعين تطبيقها بالحزم اللازم والصرامة الواجبة على جميع الأفعال المرتكبة ابتداء من يومه 24 مارس، وهو تاريخ نشر المرسوم بقانون، وإلى غاية الساعة السادسة من يوم 20 أبريل 2020” كما جاء في نص دورية رئاسة النيابة العامة إلى الوكلاء العامين للملك لدى محاكم الاستئناف، ووكلاء الملك لدى المحاكم الابتدائية… أي أن التطبيقات الزجرية تبدأ اليوم 24 مارس وليس منذ صدور بلاغ وزارة الداخلية غير القانوني يوم 20 مارس.

–  لكن ما الذي يفسر هذا الارتباك والتدبير غير السليم للقانون في تدبير “حالة الطوارئ الصحية”؟ أزعم أن ذلك يعود أساسا إلى طبيعة العقلية الأمنية التي تتعامل مع القانون باعتبار سمو إرادتها عليه، وخوف النخب القانونية من التعبير عن رأيها الأكاديمي بحرية ومسؤولية، في حين أنه ينبغي اعتبار “القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة. والجميع، أشخاصا ذاتيين أو اعتباريين، بما فيهم السلطات العمومية، متساوون أمامه، وملزمون بالامتثال له” (الفصل 6 من الدستور).

–  إن تقليص المسافة بين الدولة الأمنية ودولة القانون هو من أهم الأوراش التي ينبغي الاشتغال عليها أثناء مرحلة الجائحة وما بعدها.