ما إن ابتلي العالم بوباء كورونا حتى هرعت حكومات إلى إعلان حالة الطوارئ في بلدان الوباء، وحظرت التجمعات وغلقت أماكنها، وشددت العقوبات على المخالفين، وسارعت بلدان إلى وضع خطط استباقية حتى لا تجرفها السيول كما جرفت من تمهل وتراخى من الدول.
وكان مما عُطِّل مساجد الله إلا من الأذان، فلا جمعة ولا جماعات، فانهالت على إثر ذلك الفتاوى المتعلقة بصلاة الجماعة والجمعة وتغسيل الميت والصلاة عليه ودفنه…بين مؤيد لقرارات الحكومات وبين مندد بها، وبين معدل لها ومقترح لبدائل، مستندين في ذلك إلى النصوص الشرعية والقواعد الأصولية الكلية ونظر الفقهاء وفتاويهم، ونسي عدد منهم أن القول الآن قول خبراء الصحة وعلماء الأوبئة والفيروسات، وهؤلاء قطعوا أن الوباء ينتقل باللمس، والواقع الأليم الذي نراه أمامنا ونسمع عنه كل دقيقة من عدد المصابين والمتوفين يؤكد ذلك ويجعل الواحد منا يقف أمام ما يرى ويسمع مذهولا حائرا خائفا.

كان ينبغي بعد قول الأطباء المختصين أن يجتمع أهل الشرع لتسطير فقه يليق بهذه الحالة الوبائية الاستثنائية، يصار إليه عند الناس ويتلقى بالقبول لديهم، تكون فيه خيارات فقهية وبدائل متماشية مع توصيف الأطباء، نعم قامت جهات رسمية علمية ولجان إفتاء في بلدان عدة بخطوة التبيين أن المصلحة الآن في مكث الناس في مساكنهم.
لكن هل وظيفة الفقيه الجامع أن يقول هذا حلال وهذا حرام، وهذه رخصة وتلك عزيمة، وهذا فرض وهذا مندوب أو مكروه…هذا جزء من مهمته.

كما أن وظيفته غير محصورة في الدعوة إلى إغلاق المساجد لضرورة الوباء، وطمأنة الناس أنها ستفتح بعد عودة الوضع الصحي إلى طبيعته، بل كذلك دعوة الناس إلى استثمار أوقاتهم داخل بيوتهم أحسن استثمار: ذكرا ومذاكرة، وانفتاحا أكثر على الأولاد والزوج، ودعاء وضراعة إلى الله برفع الوباء، وتعلما وتعليما…
ودعوتهم الناس إلى الصبر والاحتساب، لا التضجر والتسخط لقدر الله تعالى، وذلك بواسطة دروس ومواعظ منهضة، يتصدى لها العلماء والخطباء عبر القنوات ووسائل التواصل المتاحة.

طالع أيضا  من الفردانية أو الأنانية إلى الفكر الجماعي أو التضحية

ودعوتهم الحكومات إلى توجيه العناية للفقراء والمعوزين والمشردين وذوي الدخل اليومي المحدود ممن حيل بينهم وبين حرفهم وصنائعهم البسيطة بسبب الوباء. ينضاف إليها ما يلي:

1▪️التذكير بأمر الله الكوني وقدره والرضا بذلك، فالفرار من المرض وحامليه والخوف من أن نُصاب به هو فرار من قدر الله إلى قدر الله سبحانه، فَلَا يقع شيء في الكون إلا بعلمه ومشيئته، وهو سبحانه خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَمُقَدِّرُهُ، مع المشاركة الإيجابية في الحياة.

2▪️التذكير بأمر الله الشرعي وما يقتضيه التكليف من امتثال للأوامر واجتناب للنواهي، وتبيين أن الله تعالى كما أوجب علينا في حال السعة الجمعة والجماعات، فإنه رخص لأولي الأعذار فلم يوجبها عليهم، ومن أولئك الخائف على نفسه من الوباء. فقد أخرج أبو داود في سننه عن ابن عباس قال: قال رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم: “مَن سمعَ المُناديَ فلم يمنعْه من اتباعِه عُذر -قالوا: وما العُذرُ؟ قال: خوف أو مرضٌ- لم تُقبَل منه الصَّلاة التي صلَّى”.

3▪️تبيين أن الجمع والجماعات شرعت لتأليف القلوب وانجماعها والتعارف والتراحم، فإن صارت شبحا مخيفا عطلت حتى يرجع الحد الأدنى من الأمن الصحي، والمحدد لذلك الأطباء.

فاللهَ نسألُ أن يرفع عنا الوباء، ويديم علينا نعمة الصحة والعافية، والحمد لله رب العالمين.