بقلم: سعيد حنين

على حين غرة وغفلة، داهمنا مخلوق مجهري، تحدى البشرية بتطور علمها وقوتها العسكرية الفتاكة، في سابقة تاريخية أصابتنا بالذهول والصدمة، لأننا ألفنا الدعة والراحة والميل إلى السهل من الحياة. هذا الارتباك وهذا الوضع، أتاح لنا فرصا مع التاريخ إن أحسنا استغلالها سنكون على موعد مع قفزات تاريخية مهمة عدا ذلك سنرجع القهقرى ونولي دبرنا خائبين.

أولى هذه الفرص، أن هذا الحدث أظهر ما في الإنسان المغربي؛ معادن نفيسة كانت مطمرة بفعل عوامل التجهيل والتفقير والاستبداد، هاته المعادن الثمينة، تتجلى في الهبة الجماعية والتآزر نحو فعل خير واحد، إضافة إلى مستوى الوعي الجمعي في التعبئة لكل الأشكال الهادفة إلى محاصرة هذا الوباء. وهذا الخزان القيمي المجتمعي، له أهميته القصوى فيما يستقبل من الأحداث، التي قد نحتاج فيها إلى هذا الإجماع الرائع، البعيد عن المناكفات الإيديولوجية وعن الأصوات النشاز، التي تسبح ضد هذا المجتمع وقيمه. لذلك لابد لأبناء مجتمعنا الحفاظ على هذا الزخم من الوعي وهذه اليقظة الرائعة.

ثاني الفرص تتعلق بعلاقاتنا الاجتماعية مع عائلاتنا وأبنائنا على وجه التحديد، وخاصة الرجل الذي قلما يقضي يوما كاملا وإن كان يوم عطلة مع أبنائه، الآن وقد أجبر على ما يشبه إقامة إجبارية، فرضتها الظروف الآنية، هذه فرصة للتقرب إليهم أكثر لمصاحبتهم، لتقاسم الهموم، ليكتشفوا حياتك أكثر، فلا تجعل البيت مصدرا غضب وانفعال، اجعله منبعا لإعادة الاعتبار للدفء الأسري المفقود لدينا، واجعل منه وسيلة لتحقيق حقيقة معنى “لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة”.            

الفرصة الثالثة تخص الدولة، التي أبانت فيما مضى عن فشل ذريع في السياسة التنموية، لتسلك مسار التوزيع العادل للثروات ومحاربة الفساد، والاهتمام بالمواطن وبقطاعي الصحة والتعليم. هذه الإخفاقات تجلت في هذه المحنة، ولولا ألطاف الله واليقظة الجماعية والاستفادة من أخطاء بعض الدول لكان لنا شأن آخر. فتخيلوا معي لو حدث عندنا ما وقع في الصين بإمكانياتنا المهترئة، وحتى إنشاء الصندوق الخاص بالجائحة، وإن كان الأمر يتطلب مساهمة الجميع من الناحية المبدئية، فانعدام الثقة فيما مضى بين المواطن والدولة، يجعل المساهمة لدى البعض محل شك وريبة، مما يحتم على الدولة أخذ العبرة والقطع مع الفساد والاستبداد، وجعل هذا الوباء فرصة للتصالح مع المواطن، وإبداء نفس الحماس في الظروف العادية لما يستقبل من الأيام والسنوات، وعندما تُبنى الثقة بين الدولة والمواطن؛ فإن هذا الأخير سيضع حياته رهن إشارة الدولة الحاضنة وليس جيبه فقط.

طالع أيضا  صلاة التراويح زمن وباء فيروس كورونا المستجد “كوفيد 19” (فيديو)

ومما كشفت عنه هذه الأزمة من عورة الدولة كذلك، تهميشها للبحث العلمي والعلماء، ورجال التعليم والعامل البسيط، وهم من يقفون في الميدان في هذه “الحزة” مقابل تشجيع التفاهات والتافهين إعلاميا وماديا.

فأين هؤلاء الآن… آن للدولة أن تغير بوصلتها في هذا الصدد.

الفرصة الرابعة تتعلق بالفرد في علاقته مع نفسه ومع الله. فمهما بلغ من الرقي والتطور الفكري والمعرفي والاقتصادي، فإن وباء كورونا أظهر حقيقة الإنسان الفازع الخائف فلا ملجأ له إلا الله.

آن لنا أن نصطلح مع الله مظهرا ومخبرا، فيجب أن يختفي الغش والخداع والنفاق والسرقة والرشوة وسوء الأدب من حياتنا اليومية، بالقدر الذي تمتلئ فيه المساجد يوم الجمعة.

لا نخاف الموت ولا الجوع فالله ضامننا ومؤمننا “فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف”.