تتبعت صباح هذا اليوم، نظرا للتخصص، بإمعان نقاش لجنة الداخلية والجماعات الترابية والسكنى وسياسة المدينة بخصوص مشروع مرسوم بقانون رقم 2.20.292، المتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها، وبدت لي مجموعة من الملاحظات؛ بل هناك ملاحظات لا تتعلق فقط باجتماع اللجنة، ولكن بمدى الانضباط للدستور وللشرعية القانونية بشكل عام، لا يسمح الظرف بالتفصيل فيها الآن.أكتفي هنا فقط بملاحظات بخصوص اجتماع السادة النواب، الذين يفترض أن يكون لهم دور محوري في مثل هذه الظروف، حيث يكون الاستعجال والاستثناء والحرص على حفظ النظام العام مدعاة للوقوع في تجاوزات، قد تكون عن غير قصد أحيانا، لكن قد تكون خطيرة. فالمهمة المفترضة للسلطة التشريعية، في الظروف غير العادية، الاستباق التشريعي لمنع أي انحراف أو انزلاق خطير قد تقع فيه الأجهزة التابعة للسلطة التنفيذية.

لقد لاحظت في الاجتماع، الذي حضره فقط ممثل واحد عن كل فريق أو مجموعة نظرا لما يقتضيه الظرف، أن أغلب الحاضرين تحدثوا كلاما عاما حول صعوبة الظرف وما يقتضيه من تلاحم وما يلزمه من مواطنة، وهذا لا يمكن إلا نتفق عليه، بل نشيد به. ولكن، حضر الكلام العام، وغاب التدقيق القانوني. وبعض المقتضيات في المرسوم بالقانون تستحق فعلا التدقيق، على الأقل بالمقارنة مع القانون الفرنسي للطوارئ الصحية الذي تمت المصادقة عليه بالأمس. لاحظت أنه تم التعامل مع المشروع على أنه نص جاهز غير قابل للتعديل؛ فقد عبر بعض النواب عن متمنيات بخصوص الفئات الاجتماعية المتضررة، لكن ما الذي منع من اقتراح مقتضيات واقعية في ذلك الصدد تسهم في إنجاح إجراء الحجر المنزلي وترفع عن المرسوم بالقانون طابعه الأمني العقابي.

الصرامة في حفظ الصحة العامة مطلوبة، خاصة وأنها بلغة القانون عنصر من عناصر النظام العام، لكن المطلوب أيضا التوازن، فلا يمكن أن يكون حفظ النظام العام مسوغا لتجاوزات مبالغ فيها لا قدر الله. والذي يعمل على تحقيق التوزان، حتى في الظروف غير العادية، هو البرلمان والهيئات المدنية والحقوقية. لقد أسهب بعض النواب في الحديث عن ضرورة الصرامة الأمنية، وهذا درس لم يكن السيد وزير الداخلية، الذي كان حاضرا، في حاجة إليه، هو في حاجة إلى خطاب المقاربة الشاملة التي لا تقتصر على البعد الأمني والعقابي، وفي حاجة إلى خطاب الحقوق والحريات لتحقيق التوازن المطلوب، وهذا دوركم المفترض؛ فليس عبثا، كما تعلمون، أن تجعل الدساتير أول مجال من مجالات القانون، الذي يختص به البرلمان، مجال الحقوق والحريات، كما نص على ذلك الفصل 71 من دستور 2011.

طالع أيضا  صلاة التراويح زمن وباء فيروس كورونا المستجد “كوفيد 19” (فيديو)

تحدث بعض النواب في كلامهم العام عما يروج في وسائل التواصل الاجتماعي من تصرفات غير مسؤولة، لا يمكن لكل مواطن عاقل إلا أن يدينها، وبشدة؛ كحالة الخروج الجماعي من البيوت، لكنهم لم ينقلوا أمورا أخرى تم تداولها على نطاق أوسع؛ كالانتباه إلى وضعية السجناء، وسن إجراء مناسب لحفظ صحتهم، ومطلب إطلاق سراح المعتقلين السياسيين الذي تداولته الكثير من المواقع الاجتماعية. شكر بعض النواب كثيرا أفراد قوات الأمن، وهم يستحقون فعلا كل الشكر إذا ما التزموا القانون وإذا ما اعتبروا كرامة المواطن خطا أحمر، لكن لم يشكروا بالمثل الأطقم الصحية و الأطقم التربوية التي تبذل هي الأخرى جهودا جبارة. أرجو أن يكون ذلك بسبب ضيق الوقت، وليس انسياقا لا شعوريا وراء مقاربة معينة لتدبير مرحلة تتطلب فعلا المسؤولية والصراحة والتعاون وتظافر الجهود.