الحمد لله الملك العزيز الوهاب، الحمد لله الذي إذا دعي أجاب، وإذا سئل أعطى بغير حساب، وأشهد أن لا إله إلا الله إليه المتاب، من تولاه طاب، ومن عاداه خاب، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله رفيع القدر عظيم الجناب، اللهم صل عليه وعلى الآل طرا والأصحاب، ومن سار على سنته واهتدى بهديه إلى يوم المآب. 

أما بعد،

فيقول المولى عز وجل في سورة الأنبياء: وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88).

يقول ابن كثير –رحمه الله- في تفسير هذه الآيات:

“هَذِهِ الْقِصَّةُ مَذْكُورَةٌ هَاهُنَا وَفِي سُورَةِ “الصَّافَّاتِ” وَفِي سُورَةِ “ن” وَذَلِكَ أَنَّ يُونُسَ بْنَ مَتَّى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ قَرْيَةِ “نِينَوَى”، وَهِيَ قَرْيَةٌ مِنْ أَرْضِ الْمَوْصِلِ، فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ وَتَمَادَوْا عَلَى كُفْرِهِمْ، فَخَرَجَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ مُغَاضِبًا لَهُمْ، وَوَعَدَهُمْ بِالْعَذَابِ بَعْدَ ثَلَاثٍ. فَلَمَّا تَحَقَّقُوا مِنْهُ ذَلِكَ، وَعَلِمُوا أَنَّ النَّبِيَّ لَا يَكْذِبُ، خَرَجُوا إِلَى الصَّحْرَاءِ بِأَطْفَالِهِمْ وَأَنْعَامِهِمْ وَمَوَاشِيهِمْ، وَفَرَّقُوا بَيْنَ الْأُمَّهَاتِ وَأَوْلَادِهَا، ثُمَّ تَضَرَّعُوا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَجَأَرُوا  إِلَيْهِ، وَرَغَتِ الإبل وفُضْلانها، وَخَارَتِ الْبَقَرُ وَأَوْلَادُهَا، وَثَغَتِ الْغَنَمُ وحُمْلانها، فَرَفَعَ اللَّهُ عَنْهُمُ الْعَذَابَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ  الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ. [يُونُسَ:98]”

تداركهم الله برحمته لماّ استغفروا وتابوا، وانكسروا وأنابوا، وعادوا وآبوا…

تضرعوا وتضوّعوا… واستقبلوا الله بقلوب خاشعة وعيون دامعة. شقوا أثوابهم، مرغوا في التراب وجوههم، وقدموا صبيانهم وشيوخهم وعجائزهم، وتوسلوا إلى الله بصلحائهم وضعفائهم، وسألوه أن يرحمهم بحق الأطفال الرضع والشيوخ الركع والبهائم الرتع…

طالع أيضا  الخيال القصصي والبرمجة العقلية للأطفال

كان العذاب قريبا منهم، لكنهم تداركوا الأمر ورموا البلاء بسهام الدعاء، فاستجاب الغفور الرحيم، وردّ عنهم عذابه الأليم.

كانت توبة جماعية… توبة صادقة… تضرع حقيقي… فجاءهم العفو من الملك الوهاب، ورفع عنهم العقاب…إنه -سبحانه- يحب التوابين ويحب المتطهرين.

ويقول ابن كثير-رحمه الله- متمّما تفسيره:

“وَأَمَّا يُونُسُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَإِنَّهُ ذَهَبَ فَرَكِبَ مَعَ قَوْمٍ فِي سَفِينَةٍ فَلَجَّجت بِهِمْ، وَخَافُوا أَنْ يَغْرَقُوا (4). فَاقْتَرَعُوا عَلَى رَجُلٍ يُلْقُونَهُ مِنْ بَيْنِهِمْ يَتَخَفَّفُونَ مِنْهُ، فَوَقَعَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى يُونُسَ، فَأَبَوْا (5) أَنْ يُلْقُوهُ، ثُمَّ أَعَادُوا الْقُرْعَةَ فَوَقَعَتْ عَلَيْهِ أَيْضًا، فَأَبَوْا، ثُمَّ أَعَادُوهَا فَوَقَعَتْ عَلَيْهِ أَيْضًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ} [الصَّافَّاتِ:141] ، أَيْ: وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ (6) ، فَقَامَ يُونُسُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَتَجَرَّدَ مِنْ ثِيَابِهِ، ثُمَّ أَلْقَى نَفْسَهُ فِي الْبَحْرِ، وَقَدْ أَرْسَلَ اللَّهُ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، مِنَ الْبَحْرِ الْأَخْضَرِ -فِيمَا قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ- حُوتًا يَشُقُّ الْبِحَارَ، حَتَّى جَاءَ فَالْتَقَمَ يُونُسَ حِينَ أَلْقَى نَفْسَهُ مِنَ السَّفِينَةِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى ذَلِكَ الْحُوتِ أَلَّا تَأْكُلَ لَهُ لَحْمًا، وَلَا تُهَشِّمَ لَهُ عَظْمًا؛ فَإِنَّ يُونُسَ لَيْسَ لَكَ رِزْقًا، وَإِنَّمَا بَطْنُكَ لَهُ يَكُونُ سِجْنًا.”

هذه ليست قصة فيلم سينمائي من أفلام الخيال الهوليودي المتوسّلة بتقنيات العصر وما تتيحه التكنلوجيا الرقمية من وسائل… هذه قصة حقيقية يروي تفاصيلها ربّ العزة سبحانه في الذكر الحكيم…

نبي من أنبياء الله خرج من قريته بغير إذن من الله عز وجل، بعدما ضاق ذرعا بقومه الذين تمادوا في العناد والكفر، فركب سفينة القدر التي رمته تأديبا له في عمق البحر، ليأتي حوت هائل من عمق المحيط على عجل، استجابة لأمر من له الخلق والأمر، فيلتقمه قبل أن يصل إلى القعر.

وبشرط ألا يأكل له لحما، ولا يهشم له عظما، كان النون الضخم على موعد مع سيدنا يونس -عليه السلام.

طالع أيضا  لقد كان في قصصهم عبرة

في بطن الحوت وقد كان نبي الله لا يشك أنه قد مات، حرك قدميه فتحركتا، ومدّ يديه فمدتا، وفتح عينيه ففتحتا… فعلم أنه ما زال حياّ، لكن أين؟ الله وحده يعلم.

في ظلمات البحر المتراكمة بعضها فوق بعض، حيث إذا أخرج يده لم يكد يراها، أضف إليها ظلمة بطن الحوت، كان سيدنا يونس –عليه السلام- يتحسّس المكان، علّه يعرف أين هو…

يا الله…أين أنا؟

يا مولاي…

يا ربي…

يا إلهي…

ويخر سيدنا يونس –عليه السلام- ساجدا، مهلّلا، مسبّحا، معترفا بذنبه، نادما على خطئه، معلنا عن توبته، متضرعا إلى الرحمان الرحيم:

لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ.

أي هول هذا الذي أنت فيه يا نبي الله؟

رجل في جوف حوت طوله عشرات الأمتار، ووزنه مئات الأطنان، وبطنه كأنه مغارة عظيمة تنبض أطرافها في كل آن، لولا أمر الله بالحفظ لكان ما كان، وحركات عجيبة تهز الأركان، وأصوات غريبة يرتجف منها الجنان. لا أهل ولا أصدقاء ولا خلاّن، لا أحد تقتسم معه الأحزان والأشجان…

يا ربي الأمان… الأمان؟

يا أختي…يا أُخيّ… أتدرك حجم هذه الأهوال؟

أين هولنا من أهواله؟ … وأين حالنا من حاله؟

“لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ”…

كانت هي الوصفة السحرية للنجاة من هذا الكرب العظيم…

تهليل وتسبيح واعتراف بالذنب، واستغفار وإنابة وتضرع للرب… فجاء الفرج ورُفع الكرب.

فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ.

أين تراني أجدك -يا ابن جلدتي- المهووس بالغرب وماديته، الشاك المشكك في الله وقدرته…

دع أصحاب قيصر لقيصر، وتعال لنقف على باب الكريم الوهاب… لن نهجر الأسباب، لكن لن نبرح الباب…

سنفرّ من قدر الله إلى قدر الله، سنصنع سفينة النجاة متوكلين على الله، ولن نعتمد على جبل المادية المجردة الذي لن يعصمنا من أمر الله…

طالع أيضا  لقد كان في قصصهم عبرة

مادية كانت بالأمس القريب تقول “أنا ربكم الأعلى” واليوم هو ذا لسان حالها يقول على لسان أحد قادتها: “لابد أن أصارحكم… سيفقد كثير من الناس أحبابهم قبل أوانهم”.

نحن أهل الإيمان لن نبرح باب الدعاء، متضرعين متبتلين متوسلين سائلين ربنا أن يكشف الضر والبلوى، راضين بقضاء المولى، متوكلين على من يقول للشيء كن فيكون.

أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ (62) النمل.

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وحزبه.