في هذه الظروف العصيبة التي تعيشها البشرية جمعاء، نسأله جلّ وعلا اللطف فيما جرت به المقادير، ونفرُّ من قدره المتمثل في هذه الجائحة، إلى قدره في الأخذ بالأسباب لاتقائها، وقانا الله وإياكم من شر البلاء وآثاره على عباده.  

لا يخفى على أحد، والحالة هذه، ما يدعى إليه الناس من البقاء في بيوتهم، ولا التدابير التي اتخذت من السلطات في ذلك وما ترتب عنها من قطع أرزاق عدد كبير من ذوي رحمنا وجيراننا ومعارفنا. فهذه أخواتي إخواني فرصة ثمينة للمواساة والبذل السخي، ويجب ألا تفوتنا، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري ومسلم: “المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة”.

–  نأخذ المبادرة في محيطنا الأسري ونتواصل عبر الوسائط المتاحة -دون مغادرة البيت- مع أعضاء العائلة، نسألهم عن حالهم في هذا الظرف العصيب، فندعو لهم بالخير ونترحم على آبائنا وأجدادنا ونتفكر فيما نحن إليه راحلون لا محالة، ونتساءل هل هناك من توقف عن العمل وعمن لديه حاجة، ثم نتواصى على بذل يد المساعدة وعلى الاتصال بآخرين للاطمئنان على صحتهم وتجديد الصلة بهم، وحثهم على التعاون في إسعاف ذوي الرحم.

– وهكذا إلى أن نعدّ لائحة للمحتاجين، وأخرى لمن آنسوا في أنفسهم القدرة على البذل لآخرتهم بما استطاعوا مع الحرص على السر والكتمان، فنوصل حق القربى إلى مستحقيه، وتلتئم الرحم مجدداً، ويسود الوئام ويخنس في نفوسنا مرض التباهي والتفاخر والتكاثر والكراهية والنكد، فنحوّل المحنة إلى منحة، رحمة نتقرب بها إلى الله جل وعلا ليرفع بها عنا البلاء.

طالع أيضا  كورونا والفرص التاريخية

– نأخذ المبادرة في حيّنا كذلك، ونتوكل على الله ونسأله أن يوفقنا لنكون رسل رحمة إحيائية بين عباده، ونتذكر أن إدخال السرور على أهل بيت من جيراننا له كبير الأجر عند الله؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن من أحب الأعمال إلى الله إدخال السرور على قلب المؤمن، وأن يفرِّج عنه غمًا، أو يقضي عنه ديناً، أو يطعمه من جوع) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، وفي رواية للطبراني “إن أحبّ الأعمال إلى الله تعالى بعد الفرائض: إدخال السرور على المسلم، كسوت عورته، أو أشبعت جوعته، أو قضيت حاجته”.

ألا إن رحمة الأمة ببعضها عافية اجتماعية تقينا أمراض التكاثر والكراهية والأنانية الفردانية المقيتة، التي جعلت جسدنا لا يقدر على حراك أو تدافع يقيه شر النفوس الأنانية المريضة بالاستبداد، وشر النفوس الدوابية المستعبدة بالعلف، وشر النفوس المريضة بالنفاق والتملق المفرقة للشمل.

ولنجعل شعارنا: “من سار في الناس بجبر الخواطر، أدركته عناية الله في جوف المخاطر”.