من أعظم العبادات التي تُقرب العبد إلى مولاه عبادة الدعاء، فهي عبادة الانكسار والخضوع، وإظهار كامل الفقر والحاجة إلى من بيده قضاء الحاجات. إذ في الدعاء  تتحقق العبودية الحقة لله تعالى، وتلك هي الغاية العظمى لوجود الإنسان. والمولى الكريم عز وجل يحب الدعاء، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم «الدعاء هو العبادة» 1، وقال – صلى الله عليه وسلم «ليس شيء أكرم على الله – عز وجل – من الدعاء» 2. قال الزبيدي – رحمه الله – «وإنما صار الدعاء كريمًا على الله: لدلالته على قدرة الله وعجز الداعي».

فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا

يقول الله عزوجل: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ. فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ 3، قال ابن كثير رحمه الله: “وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء يعني: الفقر والضيق في العيش، “وَالضَّرَّاءِ” وهي الأمراض والأسقام والآلام {لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} أي: يدعون الله ويتضرعون إليه ويخشعون… قال الله تعالى: {فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا} أي: فهلا إذ ابتليناهم بذلك تضرعوا إلينا وتمسكنوا إلينا، {وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ} أي: ما رقت ولا خشعت، {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أي: من الشرك والمعاصي” 4.

اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِى مَا وَعَدْتَنِى اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِى

كان من هدي الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام التضرع والتبؤس إلى مولاه في كل أحواله، وتشتد هذه الضراعة وهذا التبؤس في زمن الحروب والأزمات، فنجده عليه الصلاة والسلام في غزوة بدر الكبرى متضرعا بالدعاء إلى الله ملحا في ذل وتبؤس وانكسار.

ففي الحديث الصحيح عن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: “لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ، نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ وَأَصْحَابُهُ ثَلاَثُمِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَاسْتَقْبَلَ نَبِىُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْقِبْلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِى مَا وَعَدْتَنِى اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِى، اللَّهُمَّ إِنْ تَهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةُ مِنْ أَهْلِ الإِسْلاَمِ لاَ تُعْبَدْ فِى الأَرْضِ، فَمَازَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ، وَقَالَ: “يَا نَبِىَّ اللَّهِ كَذَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ”، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ 5، فَأَمَدَّهُ اللَّهُ بِالْمَلاَئِكَةِ” 6.

طالع أيضا  الدعــاء

اللهم لا تجعل هلاك أمة محمد على يدي

وقد اقتفى الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أثر رسولنا الكريم في التضرع والتبؤس والانكسار بين يدي الجواد الكريم، لكشف الغمة ودفع البلاء والوباء. فقد ورد أن سيدنا عمر رضي الله عنه، كان يتضرع إلى الله تعالى في عام الرمادة كل ليلة أن يرفع البلاء ويكشف بأس المسلمين وكربهم، وقد ذكر ذلك عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بقوله: “كان عمر بن الخطاب أحدث في عام الرمادة أمرًا ما كان يفعله، لقد كان يصلي بالناس العشاء، ثم يخرج حتى يدخل بيته، فلا يزال يصلي حتى يكون آخر الليل، ثم يخرج فيأتي الأنقاب، فيطوف عليها، وإني لأسمعه ليلة في السحر وهو يقول: اللهم لا تجعل هلاك أمة محمد على يدي”.

فالله يبتلي عبده ليسمع تضرعه ودعاءه والشكوى إليه

ومن جميل ما أورده ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه الروح، أن الله عز وجل يحب العبد المتذلل بين يديه المنكسر لجلاله، المظهر ضعفه وفقره، ولا يحب التجلد عليه. قال ابن القيم رحمه الله: “فالله يبتلي عبده ليسمع تضرعه ودعاءه والشكوى إليه، ولا يحب التجلد عليه، وأحب ما إليه انكسار قلب عبده بين يديه، وتذلله له وإظهار ضعفه وفاقته وعجزه وقلة صبره، فاحذر كل الحذر من إظهار التجلد عليه، وعليك بالتضرع والتمسكن وإبداء العجز والفاقة والذل والضعف، فرحمته أقرب إلى هذا القلب من اليد للفم ” 7.

كان صلى الله عليه وسلم يحب جوامع الدعاء

يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى: “من آداب الدعاء التأسي بأدعيته صلى الله عليه وسلم، والاستناد إليها وحفظُها والنَّسج على منوالها. وقد كان صلى الله عليه وسلم يحب جوامع الدعاء. روى الإمامان أحمد وأبو داود بسند حسن عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحب الجوامع من الدعاء، ويَدَعُ ما سوى ذلك”. على أنه صلى الله عليه وسلم أرشدنا أن يكون دعاؤنا شاملا، حتى ندعو الله في كل حاجاتنا مهما كانت، فهو سبحانه يعلم دقائق الأمور كما يعلم جلائلها، وسؤال العبد ربه في جزئيات معاشه كسؤاله إياه في كليات معاده أدعى للاعتراف بالعجز والتبري من الحول والقوة. روى الترمذي والإمام أحمد والبخاري في الأدب المفرد بسند حسن عن أنس رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لِيَسْأَلْ أحدُكُم ربَّه حاجته كُلَّها. حتى يسأل شِسْعَ نعْلِه إذا انقطع. وشسع النعل هو السير الرقيق من الجلد تربط به النعل.” 8.

طالع أيضا  قطاع الصحة لجماعة العدل والإحسان يرصد تطورات انتشار وباء فيروس كورونا المستجد في المغرب

فما أحوجنا إلى هذا الانكسار والتذلل كي يرفع الله الكريم عنا هذه الجائحة، وما أحوجنا إلى أن يكون هذا الافتقار غير منقطع في كل عبادتنا، إلى أن نلقاه عز وجل… اللهم امنن علينا بهذا الفضل.


[1] رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه.
[2] رواه الترمذي وأحمد/ صحيح الجامع (5392).
[3] الأنعام:43-44.
[4] تفسير ابن كثير 3/256.
[5] الأنفال:9.
[6] صحيح مسلم برقم [4687].
[7] من كتاب الروح [1/259].
[8] الإحسان1/292