تهب علينا في شهر رجب الحرام، نسمات ذكرى الإسراء والمعراج، بعبقها الفواح، الذي تنشره المشكاة النورانية للسيرة النبوية العطرة، نتنسم هذه النفحات الطيبة لنعيش مع صاحبها عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، في هذه الكلمات جوانب مما لاقاه في رحلته الأولى بين القريتين قبل أن يكرمه الله تعالى بالرحلة الكبرى رحلة الإسراء بين الحرمين، فالمعراج بين الأرض والسماء، ثم العودة لإكمال مهمته الدعوية بين الناس.

الحضن الحاني والحصن الحامي

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل” 1.

إن سلعة الله عز وجل غالية، فلا بد لطالبها من أن يستعد لدفع الثمن، وسلعة الله هي الجنة، والله عز وجل اشترى من المومنين أموالهم وأنفسهم بأن لهم الجنة، فكيف بمن يطلب الله تعالى رب الجنة ورب كل موجود، أم كيف بمن هو مراد الله تعالى من خلقه، لا جرم أن سيعظم في حقه البلاء ويرتفع الثمن، فما علا غلا، وإن كان البلاء هنا في جوهره رسالة إلهية بعظم العطاء.

أمضى النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنوات من بعثته المباركة داعيا إلى الله عز وجل، حاملا همَّ الدعوة، متحمّلا شتى أنواع الأذى في تبليغها. وكان من عناية الله تعالى به أن جعل له في بيته حضنا آمنا يأوي إليه فيخفف عنه ما يجده من الناس، كما جعل له خارجه حصنا يمنع ويدفع عنه أذاهم.

لكن شاءت الحكمة الإلهية أن يفقدهما الحبيب صلى الله عليه وسلم معا وليس بينهما إلا شهر واحد، حيث توفيت الزوجة الحانية أمنا خديجة رضي الله عنها، وتوفي العم الصامد أبو طالب بن عبد المطلب.

وكأن العناية الربانية تتكلم بلسان الحال والواقع لتؤكد على أنها هي الفاعلة وأنها لا ترتبط بأحد من الخلق، كما أنه لايقف في وجهها أحد منهم، وأن فضل الله تعالى له طرق أخرى غير التي نحتسب، وأصاب الشاعر إذ يقول:

وقاية الله أغنت عن مضاعفة.. من الدروع وعن عال من الأطم

لكن هذه المعاني لا يدركها من أخلد إلى الأرض ولم تتفتح بصيرته لترى من وراء الأسباب مسبب الأسباب.

بين القريتين

لقد رأت قريش أن الأمر قد خلا لها لتبلغ من أذى النبي صلى الله عليه وسلم مبلغا لم تكن تستطيعه من قبل، فزادوا من أذاهم له عليه الصلاة والسلام.

ولما لم تكن هذه الدعوة دعوة قومية ضيقة فإن حملها لم ينحصر في قريش وحدها، لذلك رأى صلى الله عليه وسلم أن يتوجه إلى قرية أخرى عساها تحمل معه ما لم تتحمّله قريته. فكانت هجرة الداعية العظيم بين القريتين، تسطر بكل خطوة يخطوها منهاجا للدعوة والصبر وتحمل الأذى في سبيل الحق عز وجل.

وكانت ثقيف بالطائف هي الأقرب إلى مكة، وللنبي عليه الصلاة والسلام فيهم رحم.

وهي القرية التي قال عنها كفار مكة وعن أنفسهم كما جاء في القرآن الكريم: وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم 2.

وسبحان الله هل في القريتين أم في الثقلين أم في كل العالمين من هو أعظم من طه الأمين عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم. وأي معايير هاته للعظمة لاتجعل منه صلى الله عليه وسلم أعظم العظماء.

ولكن عندما تكون المعايير والقيم منبثقة ومؤسسة على هوى الأنفس فإن كبر وأنانية هذه الأخيرة يحجبها عن رؤية الحقيقة، أو تتعمد هي أن تحجبها عن نفسها، فتقلب المعايير وتُخسر الموازين.

وحتى بدون استحضار معايير السماء، وهي الحق وميزان الكمال في الحكم على الأقوال والأفعال، فإن المصطفى صلى الله عليه وسلم عظيم حتى بالمقاييس الفطرية المشتركة بين أهل الأرض.

غشاوة الكفر على القلوب، والكبر المتجذر في النفوس، جعلت هذه القبيلة بالطائف تسير سير أختها بمكة وترد أعظم الخلق وحبيب الحق ذلك الرد المنكر، وتسلط عليه السفهاء والغلمان يسدون عليه الطرقات ويرمونه بالحجارة حتى أدموا قدميه الشريفتين صلى الله عليه وسلم، ومعه زيد بن حارثة رضي الله عنه يمنع الحجارة عن رجل بلغ الخمسين من عمره.

وهذه عادة الظالمين المستكبرين في كل زمان، والذين يحركون خيوط الشر القذرة من خلف ستار السفهاء التابعين، ويوم القيامة يكون البراء، وصدق الله تعالى إذ يقول في كتابه العزيز: إذ تبرأ الذين اتُّبعوا من الذين اتَّبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب 3.

مشهد رهيب هذا الذي عاشه الحبيب صلى الله عليه وسلم، يكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدّا، لكن العلم بالله عز وجل وبعظيم لطفه الذي لاينفك عن قدره، وبأن البلايا منه تعالى بُسُط العطايا، يُهوِّن كل ذلك، وصدق من قال: ״ليخفف ألم البلاء عنك علمك أنه هو المبلي لك״.

سيظهر هذا اليقين في الله تعالى عنده صلى الله عليه وسلم مع حسن التوكل عليه عز وجل، والأدب في الطلب، جَلِيّا في دعائه المشهور صلوات ربي وسلامه عليه، بعد أن اضطره القوم إلى اللجوء إلى ظل شجرة كانت بجوار بستان لرجلين من ألد أعدائه صلى الله عليه وسلم، فداك أبي وأمي يا رسول الله، لازالت جراح الجسم لم تلتئم، حتى تتبعها جراح النفس.

ولنجعلك آية للناس

لقد كانت تلك لحظات من حياة المصطفى صلى الله عليه وسلم تُصنع فيها آيات الله التي سترفع نبراسا يهتدي به الناس إلى لقاء المولى عز وجل، حتى يسترخص كل مبتلى مهما تنوعت أنواع بلاياه واختلف طعمها، كلما يصيبه في جنب ما أصاب سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم. لذلك نجد الحق في تنزيله كثيرا ما يخاطب خيرة خلقه بقوله تعالى: ولنجعلك آية للناس 4، وجعلناها وابنها آية للعالمين 5.

استنفر دعاؤه صلى الله عليه وسلم الملأ العلوي لتهب ملائكة الرحمان وتجعل نفسها، بإذن ربها، تحت تصرف المصطفى العدنان، ولو أمر لأطبقت على ثقيف جبالها، ولمَا كان في ذلك مجانبا لمبادئ العدل، لكن الإحسان وروح الداعية الشفوق كانت لهما الغلبة دائما في السيرة العطرة، وبذلك يعلمنا صلى الله عليه وسلم أن دعوة الإسلام لم تأت البشرية بالإبادة، وإنما جاءت تحمل معها السعادة، وهذا ما أفصح عنه عليه الصلاة والسلام عندما قال للمَلَك: ״اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون״.

لقد قضت مشيئة الله تعالى أن نصرة الإسلام، ستأتي من مكان آخر غير ثقيف، لكن أرست هذه الهجرة إليها منهاجا للدعاة في كل زمان ومكان يتبعونه على خطى الحبيب عليه الصلاة والسلام في تبليغه وحلمه وصبره على الأذى وقيامه بالأسباب المطلوبة منه، وتفويضه الأمر إلى الله تعالى في النتائج.

كما أن هذه الرحلة أعطت نموذجا لكيفية التصرف في حالة عدم الاستجابة للدعوة، كما ستعطي مواقف أخرى من السيرة النبوية نموذجا مقابلا تمثل في أقوام آخرين سيستجيبون لها، وفي كل آية للناس وعبرة.

وجاءته البشرى

وفي طريق عودته صلى الله عليه وسلم من الطائف أكرمه الله تعالى، وآنسه بالجن لمّا لم يأنس من الإنس خيرا، فأسلموا وكفر الإنس، وردوا ردا حسنا وأساء الإنس، وحملوا الدعوة ورفضها الإنس، فكان إسلامهم توبيخا لمشركي الإنس، الذين كانوا أقرب طبيعة للنبي صلى الله عليه وسلم، وإظهارا لجند من جنود الله، وما يعلم جنود ربك إلا هو، وإعلانا لسيادته عليه الصلاة والسلام على الثقلين والعالمين أجمعين، هذه السيادة ستتأكد بعد أن يصلي بالأنبياء والمرسلين ليلة الإسراء، قبل أن يغادر هذه الأرض وضوضاءها إلى العالم العلوي في ضيافة الكريم المنان، حيث تعجز العبارة ويصعب على البيان أن يحيط بوصف مقام السيد العدنان، الذي سيرجع بعد ذلك، ولو إلى حين، ليواصل مهمة البلاغ بين الناس لا تستفزه الأحداث ولا تدهشه عنها المعجزات. 


[1] رواه الإمام الطبراني في الكبير وغيره.
[2] الزخرف- 30.
[3] البقرة- 165.
[4] البقرة- 258.
[5] الأنبياء- 90.