لا ينكر عاقل أهمية المعلومة في تقدير الموقف أو اتخاذ أي قرار سواء تعلق بالفرد في حياته الشخصية واختياراته الذاتية أو بالنسبة لمؤسسة ما أو لجماعة ما بله عن الدولة ومؤسساتها. فالمعلومة تعطي رؤية حول الواقع الذي يعيش فيه الانسان ويتفاعل معه وكلما كانت هذه الرؤية أقرب إلى الواقع كلما ساهم ذلك في التفاعل الصحيح معه. لكن السؤال الذي يؤرق الناس ويَستفز عقولهم باستمرار هو هل يتحكم حجم المعلومات في اتخاذ القرار وهل يؤثر فيه سلبا أم إيجابا؟ وبصورة أوضح هل هناك تلازم شرطي بين اتخاذ القرار الصائب وبين كَمِّ المعلومات التي يتلقاها الفرد عن الواقع؟
ليس من اليسير الحسم في هذه الاشكالية، فمن المعلوم عند معظم الناس أن المعلومات كلما كانت متوافرة كلما قربت الانسان من فهم الواقع وإدراك حقيقته وامتلاك صورة مكتملة عنه. غير أن التعامل مع المعلومة يجب أن يتم بحذر شديد فهي سيف ذو حدين إذ قد تكون مدخلا للتوضيح أو وسيلة للتضليل. وقد قيل: “إن كنت تكره عدوك وتود تضليله فأغرقه بالمعلومات والتفاصيل”.
في كثير من الأحيان يكون تدفق المعلومات سببا للتيه والحيرة في فهم الواقع حيث يضيع المرء في تفاصيل كثيرة يفقد معها البوصلة في إدراك الحقيقة وكلما كثرت التفاصيل، خاصة إن لم يتم ضبط مصادرها بدقة، كلما ابتعد المرء عن الحقيقة الصافية والكاملة.
عوامل عديدة تتدخل في عملية اتخاذ القرار، وتَوَفُّر المعلومة ليس إلا جزءا واحد منها. والمهم في هذه الأخيرة، كما استخلص الخبراء، ليس كَمُّها وحَجْمها، بل دقتها ومصداقية مصادرها. ففي كثير من الأحيان قد تتوفر رؤية واضحة عن الواقع الذي يروم المرء اتخاذ قرار تجاهه من خلال عدد محدود من المعطيات بشرط أن تكون صادقة ومكتملة ومصدرها موثوق فيه. وقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم مثالا واضحا للتعاطي مع المعلومة خلال لحظة حاسمة من سيرته في غزوة بدر حين استفسر الأعرابي وكذلك حين استجوب فتيي قريش الذين أسَرَتهُما أعين الصحابة. فلم يسأل النبي عليه السلام أسئلة كثيرة بل أعطى أسئلة دقيقة كان الغرض منها استيفاء معلومات دقيقة وليس معطيات كثيرة.
كلما كثرت المعلومات وتعددت مصادرها كلما كانت الحاجة أكبر لنخلها وتصفيتها وكلما كان الجهد في تصنيفها وتحديد أي منها قابل للتصديق والاعتماد عليه في اتخاذ القرار أكبر. فالعبرة إذن ليست بكثرة المعطيات بل بمصداقيتها.